السلام نتيجة وليس شرطاً للمفاوضات 

خطاب السلام الذي تطور هنا- منذ عملية أوسلو وحتى اليوم- أحدث تشويهاً جعل الإسرائيليين يعتقدون بأن التحريض ضد الاحتلال هو جريمة، وبأن على الفلسطينيين أن ينفوا ذلك لكي يصبحوا “مؤهلين” لإنهاء الاحتلال. لكن لا يتوجب على الإسرائيليين بأن يوهموا أنفسهم.
رائف زريق

 

الفلسطينيون لا يريدون السلام. السلام يعتبر حالة مناقضة للحرب ولكن الفلسطينيون ليسوا في حالة حرب مع إسرائيل. هو يقبعون تحت الاحتلال ويحاربون الاحتلال إلا أن هذه الحقيقة لا تولد حالة من الحرب. الوضع كان وما زال حالة من الاحتلال، وفي الاحتلال هناك مُحتل وهناك من يتم احتلاله. بلاغيات السلام كحل مستقبلي ساهمت في تمويه فهم جوهر المشكلة الحالية: اذا كان السلام هو الحل فنحن على ما يبدو نتواجد في حالة حرب. بيد أن استخدام الحرب يفترض وجود تناظر معين بينما استخدام الاحتلال يفترض العكس تماماً من هذا التناظر المتخيل.

تواجد الفلسطينيون تحت الاحتلال يجعلهم يناضلون من أجل الحرية، الاستقلال، تقرير المصير السياسي والازدهار الاقتصادي. هم يريدون السيطرة عل الحدود والموارد الطبيعية، ويطالبون بالسيادة على مصيرهم. السلام من الممكن ومن المفترض بأن يكون النتيجة لنضال الفلسطينيين هذا. بإمكاننا أن نفترض وأن نأمل بأن تكون لدى الشعب الذي لا يقبع تحت الاحتلال ولا يحيى في مخيمات اللاجئين كل الأسباب للعيش بسلام. من الممكن بأن يكون ذلك مطلباً إسرائيلياً فيما يخص نهاية الاجراء الذي سيضمن بألا يستمر الصراع بعد أن تتحقق هذه الانجازات (انهاء الاحتلال والحل العادل لمشكلة اللاجئين). إلا أن السلام، بمعنى الهدوء وعدم المقاومة والتصالح، لا يمكن أن يكون شرطاً مسبقاً لإجراء المفاوضات. السلام ممكن أن يكون نتيجة عملية فقط.

اذا كانت هناك مقاومة للاحتلال فلا مجال لإجراء مفاوضات مع الفلسطينيين لأنهم يحرضون. اذا لم تكن هناك مقاومة للاحتلال ليس من الواضح اطلاقاً ما السبب وما المحفز لإجراء مفاوضات للتوصل إلى تسوية ما لأنه لا يوجد صراع عملياً.

بحسب الفهم الإسرائيلي الذي تمثله الحكومة الحالية يجب أن توقف السلطة الفلسطينية مقاومة الاحتلال. ولكن لماذا يجب وقف مقاومة الاحتلال ما دام الاحتلال مستمراً؟ المقاومة ستتوقف مع انتهاء الاحتلال بينما تحويل وقف المقاومة لشرط للسلام ولإجراء المفاوضات مثله مثل تحقيق السلام مع ابقاء الاحتلال على حاله. بهذه الطريقة يصبح ما يسمى عملية السلام عمليه هدفها تخليد الاحتلال لا انهائه. فاذا كان السلام- بمعنى عدم التحريض وعدم مقاومة الاحتلال- شرطاً للمفاوضات، ليس من الواضح البتة ما الحاجة بالمفاوضات من ناحية إسرائيل، فالسلام في هذه الحالة أصبح هنا.

المفارقة الإسرائيلية في هذه الحالة تخلد منطق الاحتلال: اذا كانت هناك مقاومة للاحتلال فلا مجال لإجراء مفاوضات مع الفلسطينيين لأنهم يحرضون. اذا لم تكن هناك مقاومة للاحتلال ليس من الواضح اطلاقاً ما السبب وما المحفز لإجراء مفاوضات للتوصل إلى تسوية ما لأنه لا يوجد صراع عملياً.

من ينظر الى ما يجري في الخطاب الإسرائيلي العام بإمكانه أن يقف على المحاولة الواعية والمقصودة لليمين لترسيم حدود جديدة للخطاب الشرعي: اذا ما كانت الدولة اليهودية ديمقراطية مرة وكان تقرير المصير لليهود في قلب الاجماع، اليوم تضاف لهذه النواة قشرة سميكة: فصار يقصد بتقرير المصير كل أرض إسرائيل\فلسطين من البحر حتى النهر. رويداً رويداً يصبح كل من يكفر بهذه الحقيقة أو بهذا الحق وكأنه يكفر بالأساس. اذا كان يهودياً، مثل جماعة “بتسيلم” أو “نكسر الصمت”، فممنوع الحديث عن الاحتلال، واذا كان فلسطينياً فممنوع مقاومة الاحتلال. فقط من هو أعمى لا يرى العلاقة بين الأمرين. مقاومة الاحتلال تمر بعملية متسارعة جداً تسعى إلى اسقاط شرعيتها، أيضاً على مستوى السياسة الإسرائيلية الداخلية وأيضاً على مستوى العلاقات مع الفلسطينيين.

لا يبدو بأن هناك احتمال للتوصل لتسوية بالمستقبل القريب. هذا سيء ولكن هناك أمور أسوأ. أحد هذه الأمور هو فقدان عالم المصطلحات الأساسي الذي نستطيع بواسطته وصف طرق النضال العادلة: أن نفقد عالم المصطلحات الذي نستطيع بواسطته أن نحلم وأن نتخيل عالماً آخراً، عادلاً ومتساوياً أكثر. خطاب السلام الذي تطور هنا- منذ عملية أوسلو وحتى اليوم- أحدث تشويهاً جعل الإسرائيليين يعتقدون بأن التحريض ضد الاحتلال هو جريمة، وبأن على الفلسطينيين أن ينفوا ذلك لكي يصبحوا “مؤهلين” لإنهاء الاحتلال.

حتى اذا قامت السلطة الفلسطينية بتبني البلاغيات الإسرائيلية وبدأت في التنكر لمجرد وجود التحريض، لا يتوجب بالإسرائيليين بأن يوهموا أنفسهم. من جهة أخرى، من يحتاج سلاماً مع السلطة الفلسطينية التي ترضخ للاحتلال وتتبنى جزءاً من لغته ومن قاموسه؟ وليكن واضحاً- مقاومة الاحتلال ليست الجريمة، الاحتلال نفسه هو الجريمة.

قانوني وباحث، مدير أكاديمي شريك لمعهد “منيرفا” في جامعة تل أبيب ومحاضر للحقوق في المركز الأكاديمي كرمل.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.