أيضاً وحدة فلسطينية وأيضاً معسكر ديمقراطي

أمام القيادة السياسية للجمهور الفلسطيني في إسرائيل تقف أسئلة استراتيجية حاسمة: إما توسيع الديمقراطية الفلسطينية على المستوى الداخلي وإما الذهاب باتجاه ائتلاف مع اليسار الصهيوني. متان كمينر يتساءل ان كان هناك تعارض بين هذين الهدفين؟
متان كمينر

 

اليسار متحدث العبرية في إسرائيل بإمكانه أن يغار فقط من قدرة نظيره متحدث العربية على اجراء نقاش استراتيجي عميق وشديد. في الأشهر الأخيرة يركز النقاش، الذي شارك به من ضمن من شاركوا أعضاء الكنيست أيمن عودة، باسل غطاس ودوف حنين، على الحاجة للاختيار بين استراتيجية تفضل وحدة الجمهور الفلسطيني في إسرائيل وبين أخرى تمد يدها للقوى الديمقراطية وسط الجمهور اليهودي. بعد استعراض قصير للجدل سأدعي بأن هذين الهدفين لا يتعارضان بالضرورة ما دام هناك تمييز بين المستويات المختلفة التي يركز عليها النشاط الجماهيري.

الانجاز التاريخي الأهم لمن يسعون إلى تعزيز الوحدة السياسية للجمهور الفلسطيني في إسرائيل هو بالطبع “القائمة المشتركة” التي رفعت قوة الأحزاب غير-الصهيونية في الكنيست بشكل لا سابق له. قيادة حزب “التجمع” تحاول الآن تعميق وتوسيع هذه الوحدة بواسطة تطوير مؤسسات لا سيما اقامة مؤسسة ديمقراطية تمثيلية للجمهور العربي أو ما يشبه “البرلمان” الفلسطيني داخل إسرائيل الذي من الممكن أن ينبثق عن “لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب” او أن يولد بمعزل عنها. حتى اذا كان هذا “البرلمان” ما يزال بمثابة حلم، لن تتمكن القائمة المشتركة من الاستمرار لوقت طويل اذا لم تمر بعمليات دمقرطة: فليس من المؤكد بأن كافة اللاعبين المنخرطين بالأمر سيوافقون على مدى الوقت على مواصلة احترام تقسيم المقاعد الذي تحدد بناء على نتائج الانتخابات عام 2013.

بقاء القائمة الموحدة على مدى الوقت يستلزم اذاً تطوير آلية انتخابات داخلية (“برايمرز”) من هذا النوع أو ذك تشبه الانتخابات للبرلمان. الانتخابات لبرلمان الجمهور العربي ستختلف عن الانتخابات الداخلية للقائمة المشتركة بمسألة واحدة هامة على الأقل- ففي الانتخابات الداخلية سيتمكن المصوتين لليهود القائمة في المشاركة كذلك.

المعسكر الديمقراطي، في المقابل، هو نموذج سطحي أكثر للتعاون يعتمد على خطة أساسية لا تبت في سؤال الصهيونية.. هذا مشروع ضعيف وطويل الأمد أكثر، ولكن خلافاُ للمشروع الفلسطيني الداخلي فهو يخلق افق لتغيير الحكم وللتقدم نحو حل الصراع وليس فقط نموذج للاعتراض.

مقابل هذا التصور لتوسيع الديمقراطية على المستوى الفلسطيني الداخلي، يطرح أيمن عودة بدوره تصور “المعسكر الديمقراطي”، وهو كتلة متنوعة قومياً وأيديولوجياً تسعى على المدى البعيد إلى امساك دفة الحكم بالدولة. هذه الكتلة ستعتمد على خطة أساسية جداً- وبالدرجة الأولى السعي إلى اتفاق سلام على أساس خطوط ال-67- ولن تتخذ موقفاً من سؤال الصهيونية. لكي يستطيع الفلسطينيون مواطنو إسرائيل أن يكونوا شركاء في الكتلة هناك حاجة بالطبع بأن تقوم كل مركبات هذه الكتلة بالتأكيد على حق التمثيل الانتخابي للجمهور العربي (وليس بالضرورة على كافة حقوق هذا الجمهور كحق العودة مثلاً).

المهمة الأولى لمؤيدي المعسكر الديمقراطي هي تطوير الوعي والاستعداد وسط الجمهور اليهودي لحاجة التعاون مع الجمهور الفلسطيني. للأسف الشديد، فإن الغالبية في حزب “العمل”، ولا نتحدث عن القوى التي تتموضع على يمينها حتى، لا تلبي هذا الشرط المسبق. العمل التربوي على تطوير الوعي والاستعداد لدى الجمهور اليهودي بإمكانه أن يتم بواسطة المظاهرات والنقاشات الفكرية، ويبدو بأن عضو الكنيست دوف حنين مثلاً يخصص دوراً كهذا لحركة “نقف معاً” التي ينشط في اطارها.

الآن بإمكاننا أن نسأل هلى يوجد هناك تناقض بالضرورة بين هذين التصورين الاستراتيجيين كما ادعى باسل غطاس في مقالته التي رد عليها دوف حنين. للرد على هذا السؤال بالسلب يجب أولاً اسقاط الامكانية بأن يصبح “المعسكر الديمقراطي” منبراً انتخابياً قطرياً ينافس “القائمة امشتركة” أو يتسبب في تفكيكها. ولكن لا حاجة هنا بنقاش مبدئي فبالإمكان دحض هذه الامكانية على اساس اعتبارات حسابية بسيطة.

في الوقت الحالي وفي المستقبل القريب، يبدو بأن أي تعاون انتخابي يتجاوز الحد الفاصل بين الأحزاب الصهيونية وغير الصهيونية (مثلاً بين “الجبهة” و”ميرتس”) سيتسبب في خسارة المصوتين والمقاعد ويمس بكلا شركاؤه. أما على مستوى الحسابات الائتلافية، تلك التي تجري بعد الانتخابات، فالوضع مختلف: هنا يشير تصور المعسكر الديمقراطي بالتأكيد نحو ائتلاف مع قوى صهيونية وعلى رأسها “العمل”. ولكن لأن حزب “العمل” موحد اليوم في معارضته للائتلاف مع “المشتركة” فلا حاجة أساساً لأن نسأل إن كانت “المشتركة” مستعدة للانضمام لائتلاف برئاسته. نجاح مشروع المعسكر الديمقراطي مشروط في تغيير هذه القيادة او على الأقل احداث تغيير عميق في توجهها حيال القضايا المشمولة في الخطة الأساسية المقترحة.

هذين المشروعين اذاً يجريان في مستويات مختلفة من العمل الجماهيري. توسيع ودمقرطة المؤسسات التمثيلية للجمهور العربي بإمكانها أن تعزز قوة الأقلية وأن توفر أيضاً الحيز الداخلي اللازم لمحاربة القضايا المركزية التي يتعامل معها، مثل وباء العنف الجندري. كما ذكرت سابقاً، ستكون هناك حاجة لحل قضية مشاركة اليهود في هذه المؤسسات ولكن من الواضح بأنه سيكون بمقدور اليهود المشاركة بها فقط اذا ما رفضوا الأيديولوجية الصهيونية بشكل واضح. المعسكر الديمقراطي، في المقابل، هو نموذج سطحي أكثر للتعاون يعتمد على خطة أساسية لا تبت في سؤال الصهيونية وتسمح بالتعاون في الحيز الجماهيري وربما في مؤسسات مثل الحكم المحلي (في البلدات اليهودية أو المختلطة) والنقابات المهنية. هذا مشروع ضعيف وطويل الأمد أكثر، ولكن خلافاُ للمشروع الفلسطيني الداخلي فهو يخلق افق لتغيير الحكم وللتقدم نحو حل الصراع وليس فقط نموذج للاعتراض.

من الواضح بأن هناك توتر بين المشروعين. بعض المركبات في المشتركة (مثل “التجمع”) ممكن أن تنفر من الحاجة للاصطفاف مع مركبات (مثل “الجبهة”) التي تتعاون، على مستوى آخر، مع أطراف صهيونية. من جهة أخرى فمن الممكن بأن تمس النشاطات الفردية، مثل تهريب غطاس للهواتف النقالة، بالعمل المشترك مع تلك الأطراف الصهيونية. هذا التوتر لن يحل بنفسه ما دام التوتر الأساسي المنبثق عن مجرد وجود الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، التي تتمزق بين تضامنها مع اخوتها في الأراضي المحتلة والشتات وبين السعي للمواطنة المتساوية في إطار الدولة، قائماً.

لكن ذلك لا يمنع الأطراف المنخرطة من اتخاذ خطوات لبناء الثقة والمساهمة في تهدئة الأجواء والحفاظ على ما هو موجود. من جهة، سوف يحسن هؤلاء الذي يسعون إلى تعزيز وحدة الأقلية والسيادة الديمقراطية لمؤسساتها الصنع ان قاموا بتنسيق نشاطاتهم مع القوات الأخرى الشريكة في هذه السيادة. من جهة أخرى، سيحسن من يطمحون إلى بناء العسكر الديمقراطي صنعاُ اذا ما أوضحوا لشركائهم اليهود بأن أيه كتلة بديلة للحكم عليها أن تشمل كافة ممثلي الجمهور العربي وليس فقط “الودودين” من بينهم. فقط هكذا سيكون بالإمكان الحفاظ على الانجازات القائمة وغرس الأمل أيضاً بإمكانية تحقيق مستقبل مختلف لسكان البلاد.

المواقف الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتب فقط.  

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.