يافا تبكي أولادها

اليوم شعرت بالحزن وبرائحة الموت تملئ رئتاي اللتان تنفستا هواء يافا. عدنا إلى الروتين ولكن هناك ولد قتيل، أم ثكلى، أب أخذوا منه أغلى ما عنده، عائلة فقدت ابنها، ومجتمع كامل تلقى ندبة أخرى
نسرين ناشف

 

“هل عادت يافا إلى الروتين؟”، هو السؤال الذي يطرح مراراً وتكراراً من قبل الاعلاميين الذين قاموا بتغطية الأحداث في المدينة بالأيام الأخيرة.

شعرت بامتعاض وازدراء شديد لسماع هذا السؤال. عن أية روتين يتحدثون؟ لماذا يهمهم بهذه الدرجة أن يسمعوا بأننا عدنا إلى الروتين؟ ما الأمر الجيد بالروتين بهذه الدرجة؟ مطاردة، قتل، أعمال شغب، حرائق- وهم يسألون عن الروتين؟ ربما لأن الروتين يمثل في أعينهم التهدئة؟ ربما لأنه يعني من ناحيتهم وجود تصريح دخول لبوابات يافا، يافا التي تبكي اولادها الذين قتلوا بالسنة الأخيرة؟ أو ربما تمثل العودة إلى الروتين النسيان؟

لا شك بأن هناك أمر جيد في الروتين. نعود إلى الروتين وننسى، ففقط في الروتين بالإمكان اسكات هذا البركان. فما الذي حصل حقاً؟ لماذا كل هذا الهياج؟ كل ما في الأمر بأن عربي فلسطيني آخر قتل. ليس بالأمر الهام. ونعم، في نهاية المطاف، الكثيرون منا يعودون إلى الروتين. وتعالوا لنكون صريحين، فأي روتين هو الذي تعثر؟ تعثرت بعض الأحداث في يافا، عفواً، في تل أبيب-يافا.

الخروج عن القانون ليس حكراً على العرب وليست لدينا أية حصرية على الصفات والتصرفات الخطرة. نحن ببساطة فلسطينيون وعندما نكون في المكان تصبح اليد سهلة على الزناد.

نعم، يافا قريبة من تل أبيب، وهذا يجعل العودة إلى الروتين ضرورية أكثر. يجب أن نحاول الحفاظ على التعايش المتخيل بين العرب واليهود: بأن يجلس الفلسطيني واليهودي إلى جانب نفس الطاولة في مطعم الحمص المزدحم ويستمتعوا بطبق المسبحة: بأن يقضي الزوار الوقت في سوق العتق الذي يسكر لألحان وروائح الاستطباق، وبأن تضيع الأمواج بين الأحرف بالعربية والعبرية. عملياً هذا ما يحصل تقريباً. نحن نعود إلى الروتين سريعاً، دون أن يتسنى لنا التفكير في ما جري.لا شك بأن هناك أمر جيد في الروتين. نعود إلى الروتين وننسى، ففقط في الروتين بالإمكان اسكات هذا البركان. فما الذي حصل حقاً؟ لماذا كل هذا الهياج؟ كل ما في الأمر بأن عربي فلسطيني آخر قتل. ليس بالأمر الهام. ونعم، في نهاية المطاف، الكثيرون منا يعودون إلى الروتين. وتعالوا لنكون صريحين، فأي روتين هو الذي تعثر؟ تعثرت بعض الأحداث في يافا، عفواً، في تل أبيب-يافا.

لكنني اليوم شعرت بالحزن وبرائحة الموت تملئ رئتاي اللتان تنفستا هواء يافا. عدنا إلى الروتين ولكن هناك ولد قتيل، أم ثكلى، أب أخذوا منه أغلى ما عنده، عائلة فقدت ابنها، ومجتمع كامل تلقى ندبة أخرى تضاف إلى الندبات التي تسببت بها حالات قتل الشباب المتكررة.

لا مفر من الموت. خلال حياتي التقيت بالموت بعدة حالات. مع ذلك، فعندما تحدثت عنه كان ذلك بخفة معينة من منطلق بأنه سيحصل لنا جميعاً ولا شيء نفعله لتغيير ذلك. هكذا فقدت جدتي الغالية بجيل صغير بينما كنت الى جانبها بعد أن تمشينا قليلاً في ساعات المساء اللطيفة بشهر حزيران. موتها محفور في ذاكرتي جيداً. منذ ذلك الحين، كبرت الطفلة التي بداخلي واضطرت إلى الالتقاء بموت من نوع آخر- في السنة الأخيرة عرفت نساء قتلن ونساء قتل أزواجهن. انكشفت على نوعيات جديدة من الموت، موت في أعقاب قتل. أدركت وذوتت بعداً آخر من الموت.

ما جربه أهالي يافا والعرب في كل أنحاء البلاد لم يكن مجرد موت بل قتل. عمل من صنع الانسان ينطوي على عدم أخلاقية، عنف، فصل، إستعلاء، طغيان واستهتار بحياة الآخر. الموت يثير دائماً الشعور بالذنب والغضب تجاه أنفسنا، تجاه الميت، تجاه الله والمجتمع والعالم بأسره. أما في القتل فهناك بعد اضافي من المشاعر، فيه غضب، ظلم وفيض من احاسيس القمع والمذلة. الشباب العرب يقتلون فقط لأنهم عرب، لا لشيء آخر. فالخروج عن القانون ليس حكراً على العرب وليست لدينا أية حصرية على الصفات والتصرفات الخطرة. نحن ببساطة فلسطينيون وعندما نكون في المكان تصبح اليد سهلة على الزناد. لهذا السبب نقتل، معادلة بسيطة جداً. هذه اليد التي تصبح سهلة على الزناد عندما تظهر شخصية عربي في المشهد هي يد الشر والكراهية التي تهدد حياتنا بالخطر على الدوام.

نحن أبناء الأقلية، مواليد هذه البلاد، وهذه يد مسمومة نمت في مجتمعكم اليهودي حيث يقوم جزء كبير منكم بتشجيعها وتعزيزها. من الأجدر بكم أن تتذكروا- احدى صفات السم هي الانتشار. في الوقت الحالي، نحن نودع بحزن وبكرب الشباب من أبناء شعبنا. أما أنتم، فقبل أن تفرحوا، تشجعوا وتدافعوا عن مقتل عربي، تذكروا بأنه عندما تختفي الأخلاق بينكم ستختفي كذلك القدرة على التمييز بين ما هو صحيح وما هو غير صحيح، بين العدل والظلم، وبين المنطق والجنون. قد يكون القتيل اليوم عربياً ولكن غداً من الممكن بأن يكون أي شخص آخر فقط لأنه مختلف.

وفيما يتعلق بسؤالكم، لا. لا عودة للروتين حقاً. فبعد موت تراجيدي لا تعود الناس لما كانت عليه. بعد كل عملية قتل هناك حركة. الى أين تذهب هذه الحركة، كيف وكم- لا أعرف، ستبدي لنا الأيام.

عاملة اجتماعية

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.