نهاية عصر الكبح والتوازن

الديمقراطية الإسرائيلية التي كانت محدودة منذ بدايتها تتعرض بالفعل لمحاولة انقلاب يمينية مدبرة هدفها اخضاعها بشكل كامل لليهودية القومية- خلافاً للصهيونية العلمانية. الطريق ستسد نهائياً عندما يطرد الفلسطينيين مواطني إسرائيل خارج اللعبة السياسية ويمنعون من المشاركة في انتخابات الكنيست
مرزوق الحلبي

 

هناك من يصف الديمقراطية في إسرائيل ك”ديمقراطية اثنية”، وهناك من يميزها ك”ديمقراطية مع بقع” أو “ديقراطية لليهود”. من المفهوم ضمناً بالنسبة للكثيرين بأن الديمقراطية في إسرائيل ليست كاملة، ولو لكونها قد طبقت حكما عسكرياً بأول عقدين من حياتها وأدارت شؤونها بمساعدة أنظمة الطوارئ (التي يتم تجديد صلاحيتها حتى اليوم بين الفينة والأخرى)، وبأنها تحيى على نظام حكم عسكري بالأراضي التي احتلتها في حزيران 1967. إلى جانب هذه الأوصاف العامة، هناك بالطيع أوصاف أعمق تشير إلى الفشل الديمقراطي المنبثق عن غياب مبدأ المساواة الأساسي عن كتاب القوانين لا سيما عن القوانين الأساسية، وهو المبدأ الذي يعتمد عليه كل نظام ديمقراطي لائق. إسرائيل، كما هو معروف، لا تملك دستوراً يضمن حقوق الأقليات في مواجهة استبداد الأغلبية. أما في الخلفية فتتعالى حشرجة عبارة “يهودية وديمقراطية” التي تتآكل أكثر يوماً بعد يوم والتي تعني اعطاء أفضلية لأبناء القومية اليهودية على بقية سكان البلاد ومواطنيها، بما يشمل الأراضي المحتلة طبعاً.

مع ذلك، وبصورة تلطف طابعها التمييزي وممارسات الاقصاء التي اعتمدتها الديمقراطية الأثنية، فقد عملت هذه الديمقراطية بمساعدة منظومة من التوازنات أضفت لها مظهراً يوحي بأنها سليمة. حيث حافظ الجهاز القضائي على استقلاليته بشكل نسبي وانشغل، بين الفينة والأخرى، بالنقد القضائي الذي كبح قيد السلطة التنفيذية. المستشار القضائي كذلك لعب دوراً شبيهاً. أما الاعلام فأثبت بين الحين والآخر بأنه يؤدي دوره ككلب حراسة الديمقراطية. كما طرحت الكنيست ولجانها القضايا وسألت أسئلة صعبة. لكن هذا العمل كله على وشك أن ينتهي لأن منظومة التوازن والكبح تتواجد على حافة الانهيار. أولاً، لأن هناك قوى كثيرة معنية بانهيارها وتعمل بهذا الاتجاه، وعلى وجه الخصوص الحكومة. وثانياً، لأن الديمقراطية النيابية تخلق معنىً ديمقراطياً فقط ظاهرياً.

سوف تتوقف الديمقراطية عن التواجد عندما تصبح أغلبية عشوائية، مثل هذه التي تحكم الآن، قادرة على افشال أي قرار مدني في المستقبل بأي موضوع ومسألة، خاصة بمسألة التسويات مع الشعب الفلسطيني.

من الجدير ذكره، خاصة على ضوء ادعاءات اليمين بأن الطريق الوحيد لتغيير الحكومة هو صندوق الاقتراع، بأن اليمين صعد إلى الحكم عام 1996 بعد قيام شخص يميني بقتل رئيس الحكومة في حينه، اسحاق رابين. منذ ذلك الحين، تتواجد الديمقراطية بتراجع وليس فقط بسبب الهجوم اليميني إنما أيضاً بسبب تخاذل المعسكر المقابل. يبدو بأن “المغدورين” تطوعوا لطلب السماح بدل أن يصل صوت استغاثتهم إلى قلب السماء! هذا التصرف ساهم في خراب الديمقراطية الزاحف. محاولة تقويض منظومة التوازنات تتواجد في أوجها وتحظى بنجاح ليس بصغير. بينما يمشي من يدعون أحقيتهم بالتاج وراء التيار ويبررون تصرفاتهم، يزداد ضعف الجهاز القضائي خاصة بعد تقاعد اهرون براك (رئيس محكمة العدل العليا سابقاً). وينبع هذا الضعف من هجوم مدمج على القضاة وعلى الجهاز وعلى المبادئ التي توجهه. الأكاديمية كذلك، كمركز مستقل للتوازن الشعبي الجماهيري المعنوي، تدهورت لنفس السبب والهجوم المدمج على “جيوب المعارضة”. أما الخارطة الاعلامية فتغيرت لصالح الحكم اليميني- ان كان على مستوى المبنى او المضمون. الكنيست ضعفت أيضاّ في عصر الانتخابات الداخلية (للأحزاب). نهايةً، المستوى الرسمي، كحيز خالي من تدخل مؤسسة الحكم، النظام الذي من المفترض بأن يحافظ على مبادئ وإجراءات لصالح الجميع، تقلص حد السخافة.

عملياً، منظومة التوازنات المطلوبة للديمقراطية اللائقة لم تعد قائمة لأن الحكومة خرجت بحملة صليبية ضدها. اذا ما تمت المصادقة نهائياً على قانون القومية ودخول هذا لكتاب القوانين كقانون أساسي، سيكون ذلك بمثابة مس شديد بتلك المركبات في الديمقراطية الإسرائيلية التي ما زالت سارية. لا عجب بأن الكثيرين يعلقون آمالهم على جهاز فرض القانون لكي يساعد في الأمكنة التي توقفت السياسية فيها عن العمل لأن هناك من أسقطها في تشرين ثاني 1995 عندما قتل رئيس الحكومة! لأن هناك من حلل دمها ومن يعمل على تغيير قواعد اللعبة لدرجة تحويلها لعديمة التأثير.

الديمقراطية الإسرائيلية التي كانت محدودة منذ بدايتها، أيضاً بسبب تواجد الاحتلال الملحوظ في داخلها، تتعرض بالفعل لمحاولة انقلاب يمينية مدبرة هدفها اخضاعها بشكل كامل لليهودية القومية- خلافاً للصهيونية العلمانية- ولتفريغها من معانيها العملية لكافة مواطني إسرائيل. محاولة الانقلاب اليمينية تفرغها من مبدأ المساواة المحتمل الذي انطوت عليه ربما في أحد الأيام. عندما يتم اخضاع الديمقراطية لليهودية القومية (المستعلية، المتعجرفة، العنصرية والمستوطنة) تصبح هذه اثنية بشكل تام. الطريق ستسد نهائياً عندما يطرد الفلسطينيين مواطني إسرائيل خارج اللعبة السياسية ويمنعون من المشاركة في انتخابات الكنيست التي ستحول، كما يبدو، دون تغيير الحكم او تمنع التوزيع العادل للأعباء والموارد. سوف تتوقف الديمقراطية عن التواجد عندما تصبح أغلبية عشوائية، مثل هذه التي تحكم الآن، قادرة على افشال أي قرار مدني في المستقبل بأي موضوع ومسألة، خاصة بمسألة التسويات مع الشعب الفلسطيني.

التعديلات التشريعية المختلفة- التي تمت المصادقة عليها نهائياً او التي تتواجد بالمراحل التشريع المختلفة- تشكل مجتمعة تغييراً جوهرياً للقواعد الديمقراطية، وتحول الديمقراطية الاسرائيلية، التي تميل من أساسها صوب مجموعة قومية واحدة على حساب المجموعة الأصلانية، لوسيلة سيطرة لا غير. اليدمقراطية، بأحسن صورها، خلقت لإتاحة تغيير الحكم، نقد الحكم، محاسبته- معارضته والتمتع رغم ذلك بحقوق وحريات سياسية وغيرها. في هذا الوضع الذي تشكل في إسرائيل على يد اليمين السياسي، نحن نشهد على تكريس ديمقراطية الأغلبية لالتي ا تترك أي احتمال للأقلية- أية اقلية حتى لو كانت يهودية. هذه نهاية عصر في السياسة الإسرائيلية تنتهي فيها ببساطة الديمقراطية التي عرفناها ولعبنا بناءً على قواعدها.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.