ب. ميخائيل لم يفهم "أرض قديمة جديدة"

عدا عن الرسالة الصبيانية بعض الشيء التي أراد ب. ميخائيل تمريرها (ريجف لم تقرأ الكتاب!)، يبدو بأن ميخائيل نفسه لم يتعمق في ما كتبه المؤلف او في أهدافه السياسيه. فبواسطة “أرض قديمة جديدة” أراد هرتسل، الذي اعتبره ميخائيل متنوراً، أن يهيأ الأرضية للسيطرة اليهودية-الاوروبية على البلاد
توم مهاجر

 

لسذاجتي اعتقدت بأن الرسائل الاخبارية التي ترسل إلى الهاتف النقال من المفترض بأن تقتصر على الأخبار العاجلة او الاستثنائية. ولكن ربما من المهم حقاً بأن يتم تبليغ كل قراء صحيفة “هآرتس” بأن “ميري ريجف لم تقرأ أرض قديمة جديدة” (الرواية التي كتبها تيودور هرتسل)، وهو نص الرسالة الاخبارية التي وصلتني قبل حوالي الأسبوعين. هذا على الأقل ما ادعاه الكاتب ب.ميخائيل في أعقاب مشاركة لميري ريجف حول الحرم الشريف: بحسب ادعاء ريجف، يصعد أبطال هرتسل إلى جبل المعبد الذي يعاد بناءه كما كان في الماضي أما ميخائيل، في المقابل، فيدعي بأن هرتسل تنبأ بأن يكون المعبد المقدس في مكان آخر، ومن هنا استنتج بأن ريجف لم تقرأ الكتاب.

أنا أفترض بأن ب.ميخائيل قراً رواية “أرض قديمة جديدة”، قرأها ولكنني أشك بأنه فهمها. فبحسب ادعاء ميخائيل فإن “هرتسل (كما يظهر في) “أرض قديمة جديدة” هو ليبرالي متنور، معادي للعنصرية ولحكم الكنيسة وعلماني بشكل مطلق”. كما يدعي ميخائيل بأن هناك في الكتاب “المزيد المزيد من الكلمات الحازمة والمتنورة حول الأخلاقيات والمساواة، حقوق الانسان، التربية والعمل، الثقافة والأكاديميا، القومجية مقابل التنور”.

إلا أن هذا كله منقطع عن الحقيقة فمن قرأ “أرض قديمة جديدة” يعرف بأنها مليئة بالمقولات العنصرية تجاه الكينونة المحلية في فلسطين التاريخية. هكذا، عندما يصل أبطال روايته إلى البلاد، يصف هرتسل مشاعرهم على النحو التالي:

“يافا تركت انطباعاً سيئاً في نفوسهم.. دخول الميناء البائس والوقوف فيه كان صعباً. الأزقة القذرة والمهملة بعثت الروائح الكريهة، والفقر الشرقي الملون صرخ من كل زاوية. أزقة المدينة امتلأت بالأتراك الفقراء، العرب القذرين واليهود الخائفين. جميعهم بلا عمل، لا يملكون شيئاً ومحبطين. رائحة غريبة ونتنة، رائحة قبر، اثقلت على أنفاسهم”.

يواصل أبطال هرتسل طريقهم إلى القدس ليغالي هذا في الأوصاف الحقيرة والمهينة بحق البلاد وسكانها:

“في الطريق رؤوا مناظر انحطاط صعبة. المنطقة كانت كلها تقريباً رملاً ومستنقعات. سكان القرى العربية بدوا كالسرقة، الاولاد لعبوا وهم عراه والهيئة العامة للمباني كانت سوداء”.

وعند وصولهم إلى القدس:

“منظر القدس في ساعات النهار كان مفرحاً بدرجة أقل. صراخ، نتانة، خليط من شتى الألوان، رعاع يلبسون الخرق في أزقة ضيقة وخانقة، متسولون، مرضى، أولاد جوعى، نساء صارخات، تجار صاخبين. لم يكن بإمكان القدس الملكية أن تتدهور إلى درجة انحطاط اكبر مما هي عليه”.

كما يتضح من الرواية، بما أن الأصلانيين غير قادرين على ادارة البلاد بأنفسهم كأناس متحضرين ولائقين (نتنين، عاطلين عن العمل ويبدون كالسرقة)، فمن المحتمل بأن يحضر لهم اليهود الاوروبيين الذين سيخلصون البلاد من أياديهم التقدم وأن يخلصوهم حتى من تخلفهم.

من المستغرب بأن يتجاهل ميخائيل هذا الوصف العنصري لفلسطين التاريخية بنظر هرتسل وأبطاله الأوروبيين الذين يقصدون البلاد للمرة الأولى. الوصف المفصل لقذارة يافا والقدس، وكلتاهما مدينتان كبيرتان، لا يأتي من قبيل المصادفة. هرتسل أراد أن يقول بأن الكينونة كلها مصابة بنوع من المرض المزمن. أما الانحطاط الأخلاقي والإنساني الذي يصفه فله هوية واضحة: “فقر شرقي ملون، عرب قذرين، عرب يبدون كالمجرمين، أتراك فقراء”. المكان كله، من ناحية هرتسل، بحاجة إلى استصلاح.

وعليه، فعدا عن الرسالة الصبيانية بعض الشيء التي أراد ميخائيل تمريرها (ريجف لم تقرأ الكتاب!)، يبدو بأن ميخائيل نفسه لم يتعمق في ما كتبه المؤلف او في أهدافه السياسيه. فبواسطة “أرض قديمة جديدة” أراد هرتسل أن يهيأ الأرضية للسيطرة اليهودية-الاوروبية على البلاد، بينما كانت القصة عملياً بمثابة تبرير منطقي لحرمان الفلسطينيين من بلادهم. فكما يتضح من الرواية، بما أن الأصلانيين غير قادرين على ادارة البلاد بأنفسهم كأناس متحضرين ولائقين (نتنين، عاطلين عن العمل ويبدون كالسرقة)، فمن المحتمل بأن يحضر لهم اليهود الاوروبيين الذين سيخلصون البلاد من أياديهم التقدم وأن يخلصوهم حتى من تخلفهم. وبالفعل، كان هذا ما كتب على غلاف الكتاب (ترجمة مريم كراوس):

“في رحلتهم إلى الجزيرة بيخت كينجسكورت، يرسوان أولاً في يافا. ويكتشفان فلسطين كما بدت لهرتسل في زيارته التاريخية عام 1898- مقفرة، بائسة وريفية. بعد عشرون عاماً يخرج المنعزلان من الجزيرة ويبحران مرة أخرى ليريا العالم الذي تغير. يعودان إلى فلسطين ويكتشفان لمفاجئتهما عالماً جديداً: أرض قديمة جديدة”.

أيضاً في الكتاب نفسه يصف هرتسل الانقلاب الذي مرت به البلاد بعد السيطرة اليهودية-الاوروبية عليها بمصطلحات خرافية حتى أنه يرمز إلى “اعجوبة” في مقاطع معينة. منذ الآن أصبحت البلاد غربية: “يبدو بأن هذا مفترق طرق ونقطة لقاء لأبناء كل الشعوب: خليط من الصينيين، الهنود والعرب في حركة دائمة. مع ذلك فقد سيطر اللباس الغربي على المشهد والانطباع العام الذي بثته المدينة كان غربياً بوضوح”. الانقلاب استكمل اذاً- من حالة انحطاط، فقر وقذارة إلى حالة من الحركة الدائمة ذات الطابع الغربي- ذلك بقيادة يهود أشكناز طبعاً.

لكي لا نظلم هرتسل يجب أن نذكر بأن الكثير من الأوروبيون اعتقدوا في حينه بأنهم بالفعل يحضرون التنور إلى الدول المختلفة التي لا تقع في أوروبا. كانت هذه هي الحجة، التفسير الذي يسوقونه لأنفسهم وللآخرين. ولكن من المفترض بأن يعرف ب.ميخائيل بأن السيطرة الأوروبية على الشعوب والدول انتهت دائماً تقريباً بسفك الدماء. بشكل غير مفاجئ، رفض الاصلانيون في كل العالم محاولة حرمانهم من مواردهم وإذلالهم بإسم “التنور”. برأيي، في إسرائيل-فلسطين نحن ما زلنا في أوج هذه المعركة. بذور المصيبة دفنت، من ضمن أمور أخرى، في “أرض قديمة جديدة” التي كتبها هرتسل.

وربما بالإمكان أن نفهم المحاولات لإهانة ميري ريجف كجزء من نظرة عنصرية كان هرتسل ممن صاغوها، نظرة تهلل للغربي كمتحضر وتهين الشرقي كمتخلف. وإلا فكيف يمكننا أن نفسر المحاولة غير المنقطعة لوسم ريجف كجاهلة وغبية لدرجة ابراق رسالة إلى الهاتف الخلوي تبشر بأنها لم تقرأ كتاباً معيناً. هذا في الوقت الذي يتضح فيه بأن الكاتب ربما قرأ ولكن فهمه للمقروء كان منقوصاً!.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.