جادي طاوب- كولونيالي بقلب كبير!

يدعي طاوب بأن انهاء الاحتلال سيؤدي إلى تدهور حقوق الانسان في الأراضي المحتلة: عدا عن الاستشراق الذي تنطوي عليه هذه المقولة (وكأن الاحتلال الغربي المتنور أفضل للفلسطينيين)، فإن المشكلة الأكبر هي بنظرة طاوب الكولونيالية التي تسوق تحت غطاء حقوق الانسان والكونية.
عوفر كسيف

 

مع أنني اعتدت على مواقف جادي طاوب (كاتب وصحافي إسرائيلي) المظلمة ولم أعد اتفاجأ من السطحية التي ترتكز عليها أقواله بشكل منهجي، إلا أن مقاله الأخير (“السياسة كعلاج”، “هآرتس”، 25.8.17) قد حقق درجة جديدة من السخافة حتى نسبة لطاوب صاحب الخبرة الكبيرة في هذا المضمار. حيث يدعي طاوب بأن انهاء الاحتلال سيؤدي إلى تدهور وضع حقوق الانسان في الأراضي المحتلة، الأمر الذي يحول، برأيه، معارضي الاحتلال باسم الدفاع عن حقوق الانسان إلى نرجسيين ينشغلون بالعلاج الجماعي: وضع الفلسطينيين هو ليس ما يعنيهم، يدعي طاوب (“بإمكان الفلسطينيين أن يشووا في نار جهنم”)، انما اراحة ضمائرهم.

لا أنفي وجود أشخاص كل ما يعنيهم هو “ما هو جيد لليهود” ولكن المفارقة بأن هذه المجموعة محسوبة على “اليسار الصهيوني” الذي يعرف طاوب نفسه معه عادة. طاوب لا يدرج نفسه بالطبع مع هؤلاء الذين ينتقدهم، ولا نقول الذين يبغضهم لأنهم “يمثلون”- وهو المضمار الآخر الذي أثبت طاوب خبرته الكبيرة فيه. بيد أن هناك مشكلتين اضافيتين تكمنان في مقال طاوب: أولاً، فهو يتجاهل بأنه تم الاعتراف منذ زمن بحق تقرير المصير القومي كأحد حقوق الانسان. فالميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية (مقر الأمم المتحدة، 16.12.66) ينص على أن “كافة الشعوب لديها حق تقرير المصير. وانطلاقاً من هذا الحق، لديهم الحرية لتحديد مكانتهم السياسية والعمل على تطورهم الاقتصادي، الاجتماعي والثقافي.”

يستنتج طاوب بأن وضع الفلسطينيين المتخلفين تحت حكم ذاتي سيكون أسوأ، لمجرد كونه عربياً، منه تحت حكم الاحتلال الاسرائيلي المتنور، لمجرد كونه غربياً.

وقد كتب طاوب نفسه، على فكرة، فيما مضى بأن حق تقرير المصير، رغم كونه حقاً جماعياً بجوهره، إلا أنه يسيري على حقوق الفرد كذلك (“الهوية وتقرير المصير”، “يديعوت أحرونوت”، 20.6.09). أي بأنه يجدر بنا بأن ننظر إلى رغبة الشعب الفلسطيني بالتحرر من عبأ الاحتلال الاسرائيلي وإقامة دولته المستقلة كتحصيل حق كوني للفرد وليس فقط حق جماعي. ولكن يبدو بأن هذا الأمر قد غاب عن ذاكرة طاوب أو بأنه لا يعنيه حقاً بتلك الدرجة.

إلا أن المشكلة الأكبر برأيي بمقال طاوب تتعلق بنظرته الكلولونيالية (وهناك من سيقول المستشرقة) على تناقضاتها- التي تسوق مرة أخرى تحت غطاء حقوق الانسان والكونية. الفيلسوف جون ستيوارت مل، الليبرالي الكبير، هو من برر في حينه حكم بريطانيا في الهند بادعاء أن الهنود لا يشكلون جمهوراً متحضراً يستطيع استخدام الحرية بشكل لائق ومناسب إلى أن تتم تربيتهم كما يجب من قبل الحضارة البريطانية. بناء على نفس المنطق، يستنتج طاوب بأن وضع الفلسطينيين المتخلفين تحت حكم ذاتي سيكون أسوأ، لمجرد كونه عربياً، منه تحت حكم الاحتلال الاسرائيلي المتنور، لمجرد كونه غربياً.

سأضع جانباً الأبوية العنصرية التي تنطوي عليها هذه المقولة للحظة لكي أركز على التناقضات التي تتجلى فيها. بموازاة دعمه للحكم البريطاني في الهند، وضع مل مصطلح “الديكتاوتورية الكريمة”. ويتطرق هذا المصطلح، بحسب مل، إلى الأنظمة التي يقوم الحكم فيها بتركيز كل القوة والسيطرة في يديه ولكنه لا يستخدمها لقمع رعيته الذين يتمتعون بحرية كاملة طالما أنهم لا يخرجون ضد الحكم. نظام من هذا النوع، يعتقد مل، يعاني من تناقض داخلي لا بد أن يقود، في نهاية المطاف، إلى الغائه. ففي مرحلة ما، كما يشرح مل، سيتطور النقد وحتى المعارضة للنظام، الامر الذي سيلزم هذا باختيار واحدة من امكانيتين: أما قمع النقد والمعارضة، التراجع عن “الكرم” والتحول إلى دكتاتورية بوظيفة كاملة وإما- السماح بالنقد والمعارضة، الاقلاع عن الطغيان وتبني “الكرم الكامل”.

مل لم يقف عند التوتر البنيوي القائم بين دعمه للحكم الكولونيالي في الهند وبين تحفظه من الديكتاتوريات الكريمة. فكل مجموعة أناس تتواجد تحت حكم كولونيالي “كريم” ستقوم في النهاية بمعارضته، الأمر الذي سيقود هذا الحكم “الكريم” إلى نفس المعضلة التي ذكرها مل. لذا، فعدا عن رؤيته الأبوية، يعاني طاوب، تماماً مثل مل، من عدم فهم فيما يتعلق بنظام القمع الإسرائيلي في الأراضي المحتلة (أو أنه يتجاهله بشكل متعمد).

على ضوء أقواله الأخيرة هذه ربما يجدر بنا أن نذكر بأنه مقابل المعارضة الفلسطينية للاحتلال، رفضت حكومة اسرائيل الحالية، أكثر من سابقاتها حتى، البديل “الكريم” واختارت الديكتاتورية العنيفة، القاسية والفتاكة الكاملة. الخرق المنهجي واليومي لحقوق الفلسطينيين الذي يصل حد ابادة الشعب الزاحفة والذي تتحمل اسرائيل مسؤوليته ليس فقط سيء بالوقت الحاضر لدرجة أنه لا يمكننا التحذير اليوم من المخاطر المستقبلية التي تنتظر الشعب الفلسطيني عند استقلاله، بل أنه ينبع بدرجة كبيرة بالتحديد من هذه التوجهات “الكريمة” التي يحملها طاوب وأمثاله. لذا فمن الأجدر بطاوب بأن يصمت وألا يبوح بآرائه لا لياعيل ولا لأي شخص آخر (بالإشارة إلى “أمور لا أبوح بها لياعيل”، عنوان أحد كتبه).

دكتور بمجالات الفلسفة والسياسة. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.