التوزيع أم التمييز السكاني؟

الأيديولوجية التي أرسلت اليهود الشرقيين للعيش في الضواحي قبل خمسين سنة ما زالت تسيطر حتى اليوم على آليات “التوزيع السكاني” في إسرائيل وكأن بن غوريون، رعنان فايتس وجيورا يوسفطال ما زالوا يديرون العرض هنا!
نوعا باسل وسي بربي

 

كتب الكثير عن “صالح، أنت في دولة إسرائيل”، فيلم دافيد درعي الذي حاز على جائزة الاخراج وجائزة البحث في مهرجان “دوك-أفيف” الأخير. يستعرض الفيلم، من خلال العديد من المقابلات والبروتوكولات، خطة “توزيع السكان” التي أثمرت عن بناء بلدات التطوير وإسكان اليهود القادمين من شمال أفريقيا فيها. ويقول مهندسو الخطة هناك بشكل واضح بأن هدفها لم يكن اجتماعياً أو اقتصادياً بل أمنياً: أي بأن مصلحة القادمين الجدد أنفسهم أو حتى مصلحة السوق لم تكن الدافع لهذه العملية انما “وجوب” ضمان عدم وجود مكان يرجع اليه اللاجئين الفلسطينيين. بدايةً يبدو من المحتمل بأن يكون الاختيار قد وقع على القادمين من شمال أفريقيا بشكل عشوائي، كمسألة توقيت لا غير، ولكن فيما بعد يتضح بأنه عندما وصل القادمون الجدد من بولندا بسنوات الخمسين- مع العلم بأنهم كانوا بنفس مستوى التعليم والوعي كالقادمين من شمال أفريقيا- اختاروا اسكانهم في تل أبيب على الرغم من الأهداف القومية.

الفيلم يواجه بعض من سكان “يروحام” (احدى بلدات التطوير)، والمشاهدين معهم، حول ما يجب عمله مع هذه المعلومات: هل من الأفضل ابقاء الماضي في الماضي أم تربية جيل من الغاضبات والغاضبين؟ من ناحية الكثير من الشرقيين من الجيل الأول والثاني والثالث للهجرة، الرد على التمييز هو النجاح وليس مواجهة التاريخ المؤلم لا سيما وأن المذنبين بغالبيتهم قد ماوتوا ودفنوا إلى جانب هؤلاء الذين دفعوا الثمن.

ولكن هناك ثمن للكبت أيضاً فهو يحول دون نشوء امكانية حقيقية لإصلاح الغبن، ويترك مجالاً لتكرار نفس طرق العمل بالمستقبل. امكانيات تعويض المتضررين من هذه السياسة في الحالة التي أمامنا واسعة: من التعويض المالي للعائلات التي فرض عليها الاسكان القسري، مروراً بتنظيم ملكية القادمين القدامى وورثائهم لشقق “عميدار” (شركة الاسكان الجماهيري) التي أسكنوا فيها وحتى مبادرات مثل “أبناء يستمرون في الضواحي” (لتشجيع الأجيال الشابة على مواصلة السكن في الضواحي). ما يقلقنا هنا هو الخطر الثاني: الجرائم التي تم وصفها في الفيلم بواسطة بروتوكولات لجلسات “الوكالة اليهودية” والحكومة يجب أن تطرح للنقاش وأن تواجه النقد الجماهيري وإلا فستبقى طرق العمل هذه في أساس آليات النظام. ونحن نرى اليوم كيف تكرر الممارسات ذاتها نفسها وكأن بن غوريون ورعنان فايتس وجيورا يوسفطال ما زالوا يديرون العرض. لا يجري هذا في سيناريو مستقبلي وخيالي انما هنا والآن.

الاثيوبيين
مجمع الكرافانات للقادمين الأثيوبيين “جفعات همطوس” بالقرب من “جيلو” في القدس، 2000 (تصوير: عاموس بن جرشوم)

ماذا نقصد بذلك؟ نقصد بأنه يحق لأي مواطن طازج في إسرائيل، قادم جديد يحصل على الجنسية بفضل “قانون “العودة” (الذي يعطي لليهود حق الهجرة والاستقرار في إسرائيل)، أن يسكن أينما يريد- ذلك باستثناء القادمين الأثيوبيين الذين يلزمون بالبقاء في مراكز الاستيعاب. مراكز الاستيعاب هذه، من ناحية نظرية، من المفترض أن توفر للقادم الجديد مأوى وأن تساعده على تعلم اللغة والتعرف إلى مؤسسات الدولة. أما عملياً فالحديث عن مؤسسات تحد من حرية تنقل القادمين الجديد وتعمل كوسيط بينهم وبين السلطات وباقي السكان لهذا فهي تصعب بالذات على تأقلمهم وعلى تعلمهم.

وقد أوضحوا للقادمين من أثيوبيا بسنوات الألفين من قبل أن يأتوا إلى البلاد بأن مراكز الاستيعاب هذه تشكل شرطاً الزامياً في عملية الحصول على الجنسية ذلك بحجة بأن يهوديتهم غير مؤكدة ولو أن هناك حاخامات اعتقدوا عكس ذلك. أي أنه في العقد الأخير، وليس قبل خمسين سنة، كل يهودي فرنسي، أمريكي، كندي أو ارجنتيني وصل إلى البلاد اختار أين يعيش، في مركز البلاد أو في شمالها، في المدينة أم في الموشاف، بالقرب من أقربائه أم بعيداً عنهم، في امكنة حيث تعد مهنته مطلوبة أم بالقرب من الأمكنة المقدسة: بينما كان الوضع مختلف فيما يتعلق بالقادم الأثيوبي الذي الزم بالسكن في مركز الاستيعاب لمدة سنتين على الأقل، مع العلم بأن مراكز الاستيعاب تتواجد، كما هو متوقع، في المناطق النائية والمنقطعة ثقافياً، تماماً كما كانت “يروحام” و”كريات جت” بسنوات الخمسين. القادمون الجدد الذين يسكنون في مراكز الاستيعاب يشكون طوال الوقت من المعاملة المهينة، الغرامات التي تفرض عليها ومنع الخدمات الأساسية عنهم.

من الصعب الخروج من مراكز الاستيعاب حيث لا يسمح للقادمين الأثيوبيين بمغادرة مركز الاستيعاب حتى يثبتوا بأن لديهم مكان سكن وعمل ثابت- وهما الأمران اللذان يصعب تحقيقهما من غرفة بمساحة 9 متر (مع شريك\ة) في مركز الاستيعاب. ذلك عدا عن أن ادارة مركز الاستيعاب، التي تدخل إلى خزينتها “سلة استيعاب” على كل قادم جديد، لديها مصلحة في ابقاء أكبر عدد منهم هناك. ورقة موقف أعدتها الجمعية الاسرائيلية من أجل يهود أثيوبيا وجمعية حقوق المواطن في إسرائيل تؤكد بأن الاخفاقات البيروقراطية، انعدام التدريبات المهنية، التمييز في التربية، الظروف المتدنية والمعاملة العدائية لمن يحتج عليها، تشكل كلها عائق في طريق من يسعى إلى الخروج من مركز الاستيعاب: تقرير مراقب الدولة من عام 2013، أكد بدوره بأن الكثير من الميزانيات المخصصة لاستيعاب اليهود الأثيوبيين تذهب لآليات الاستيعاب نفسها. بالنتيجة، الكثير ممن يسكنون في مراكز الاستيعاب يتواجدون هناك منذ أكثر من خمس سنوات ولا يرون النهاية، ذلك على الرغم من التظاهرات الجماهيرية التي خرجت عام 2015، والاعتراضات التي تطلقها مجموعات مجتمعية مثل “y.e.s – young ethipoean students“.

أين يتواجد الفرنسيون والأمريكان الذين هاجروا الى البلاد في الوقت الحالي؟ غالبيتهم تتواجد طبعاً حيث يحلو لها وقلة منهم تتواجد في مراكز الاستيعاب في مركز البلاد. تماماً كما اقيمت المخيمات للقادمين من المغرب وتونس في المناطق الحدودية الصحراوية بينما اقيمت المخيمات للقادمين من شرق أوروبا في تلك السنوات شمال تل أبيب.

بيد أن السيطرة الجغرافية على القادمين الأثيوبيين لا تنتهي في مراكز الاستيعاب. فالدولة تعرض عليهم المساعدة في شراء شقة بشرط أن يسكنوا حيثما تقرر هي. بحسب الناطق باسم وزارة الاستيعاب: “من المهم ومن المحبذ بأن يتم استيعاب القادمين الجدد في البلدات الثابتة، داخل الحي والبلدة حيث يشترون الشقة، أن يندمج أولادهم في جهاز التربية الرسمي المتدين، وبأن يتم استيعابهم في سوق العمل لكي لا يشكلوا عبئاً على جهاز الرفاه في البلدة”. أي أن وزارة الاستيعاب قلقة بألا ينجح القادمين الأثيوبيين، حتى لو كانوا جيلاً ثانياً في البلاد، في الاندماج كما يجب في المجتمع لهذا فهي تصر على اسكانهم في غيتوات وتقرر أيضاً في أية مؤسسات تربوية سيتعلم أولادهم.

النقب
الجدار التي تفصل بين ركام أم الحيران والبلدة اليهودية المستقبلية “حيران”، 22.1.17 (تصوير: تامي ريكلس ويونيت نعمان)

الطرف الآخر للمعادلة، كما يطرح الفيلم بوضوح، هو حرمان العرب من الأراضي والذي لم ينتهي هو الآخر بحرب ال-48، كما هو معروف. في سنوات الخمسين كانت هناك حاجة ماسة لليهود في “مرج بيت شان”، منطقة “لاخيش”، مقابل غزة وفي الجليل ولهذا أقيمت “بيت شان” (بيسان)، “كريات جت”، “سديروت” و”كريات شمونه”. في السنوات الأخيرة، ومقابل الحرب الصارمة التي تديرها دولة إسرائيل لإقصاء البدو في النقب شرقي شارع 40، أعلنت الدولة عن اقامة عشرة بلدات جديدة في منطقة “مشارف عراد”. بلدتين من ضمن هذه على الأقل ستقام على بلدات بدوية تتواجد اليوم في المنطقة. لا بد من الاشارة هنا بأن الدولة نفسها هي من أسكنت البدو هناك بعد أن طردتهم من أماكن أخرى في النقب ولكن لم تقم بتنظيم مكانتهم- وهي ممارسة أخرى يتم استخدامها بحق مجموعات أثنية معينة في البلاد وليس بحق غيرها.

رغم انتفاض السكان في النقب والمنظمات البيئية، فقد تمت المصادقة على ثلاثة بلدات جديدة كما أضيفت اثنتين آخرتين للتخطيط. يبدو بأن الوحيدين الراضين عن هذه الخطوة هم العاملين في حركة “أور”، الذي قاموا، من ضمن أمور أخرى، بإحضار “رجال تربية وأمن، أطباء وموظفي هاي-تيك” للسكن في النقب على حساب أهالي أم الحيران.

لمن يشعر اذاً بأن الخطاب الشرقي قد استنفذ نفسه- هذه هي بعض الأسباب الجيدة للمحاربة من أجل ابقاء “خطة توزيع السكان” على الأجندة الجماهيرية. ليس من أجل العدل التاريخي ولا من أجل الانتصار في المحادثات التي تجري في الصالونات انما لكي نعلن حرباً صريحة ضد هذه الممارسات التي تحولت لجزءاً لا يتجزأ من المنظومة ومن المحتمل بأن تستمر في مرافقتنا لسنوات.

*

كان من المثير بأن نلتقي في الفيلم ببروفيسور رعنان فايتس بوظيفة المدير العام لقسم التوطين الذي يقترح، من ضمن أمور أخرى، بأن يتم تجويع القادمين الجدد ومنع السكن والعمل عنهم اذا ما حاولا مغادرة بلدات التطوير التي خصصت لهم. والده، يوسف فايتس، وقف على رأس “لجنة الترانسفير” عام 1948، وعمل ك”مبيض” لأراضي اللاجئين الفلسطينيين لوضعها تحت حوزة الدولة عندما أشغل منصب رئيس “الصندوق القومي اليهودي”. هناك بلدات تحمل اسم الاثنين بينما حصل الابن على جائزة اسرائيل لعام 1990 “على مساهمته الخاصة والملهمة في صياغة النظرة التخطيطية والتوطينية، ولكونه شخصية مركزية في تصميم خارطة التوطين في دولة إسرائيل وفي قيادة مصنع التوطين”- كما جاء في تعليل القضاة بحسب “ويكيبيديا”.

بالإمكان القراءة بتوسع عن الطرق التي وضعها يوسف فايتس ودافيد بن غوريون لحرمان السكان العرب من حقوقهم وممتلكاتهم في مقالة جادي الغازي الشيقة . الاب والابن عملوا، كل بدوره، على تصميم خارطة التوزيع الاثني في إسرائيل حيث تم تخصيص دور، ومكان أيضاً، لكل مجموعة في المصنع الصهيوني. الوسائل كانت: العنف المؤسساتي والجسدي أما النتيجة فهي الواقع الاسرائيلي كما نعرفه اليوم.

ناشطات سياسيات وطالبات دكتوراه بعلم اللغة.    

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.