ما الذي جعل نتنياهو يتذكر سكان جنوب تل أبيب فجأة؟!

اهتمام رئيس الحكومة المفاجئ بسكان جنوب تل أبيب لا يتماشى مع السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي ينتهجها هناك منذ سنوات والتي يعد الكثير من سكان جنوب المدينة من ضحاياها المركزيين. الزيارة التي قام بها لم تكن إلا فرصة أخرى لتحريض السكان وطالبي اللجوء ضد بعضهم البعض بما يخدم مصالحه السياسية.
يوسي دهان

 

لسنوات لم تطأ قدم رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، جنوب تل أبيب إلى أن وصل إلى هناك بالأسبوع الماضي لزيارتين متتاليتين: الأولى تمت تغطيتها اعلامياً بشكل واسع  أما الثانية- مع وزير الداخلية أريه درعي- فكانت سرية. توقيت هذه الزيارات من ناحية نتنياهو كان مثالياً: فقد كان هذا نفس الاسبوع الذي أقرت فيه محكمة العدل العليا بأنه لا يجوز طرد طالبي اللجوء إلى دولة ثالثة دون موافقتهم: وكذلك بأن الموافقة التي تم تخليصها من شخص يخضع للسجن دون تحديد مدة اعتقاله لا يمكن أن تعتبر موافقة أعطيت بإرادته الحرة.

من ناحية نتنياهو ووزيرة العدل، اييلت شاكيد، وغيرهما، كان هذا القرار فرصة ذهبية أخرى لتصوير القضاة في محكمة العدل العليا على أنهم نخبة منقطعة ومنكفئة على نفسها تفضل مصلحة “المتسللين” على رفاهة سكان جنوب تل أبيب. بناء على هذا المنطلق، فقد وعد نتنياهو السكان الذين التقى بهم بأنه، على العكس من قضاة محكمة العدل العليا، سيهتم بطرد المتسللين و”اعادة الأحياء إلى سكان جنوب تل أبيب”.

طالبو اللجوء يتواجدون بالضبط حيث يريدهم نتنياهو: فهكذا يكون بإمكانه أن يستغل ضائقة السكان في جنوب تل أبيب، التي يتحمل مسؤوليتها بشكل كبير، لكي يواصل تحريضه ضد محكمة العدل العليا، الاعلام ومنظمات حقوق الانسان.

استخدام نتنياهو لعبارات “المتسللين” و”طالبي العمل” لوصف طالبي اللجوء ليس عشوائياً: فهذه الأوصاف تهدف إلى تصويرهم كخارجين عن القانون قطعوا الحدود لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، ذلك رغم أنه يعرف جيداً بأن العبارات التي اعتمدها كاذبة. فلو أنهم كانوا متسللين أو مهاجري عمل غير قانونين، لما كانت هناك مشكلة قانونية لوضعهم في طائرات وإرجاعهم إلى بلادهم. إلا أن دولة إسرائيل لا تقوم بذلك لأنها تعترف بهؤلاء الأشخاص كطالبي لجوء- وهو المصطلح القانوني الذي يشير إلى حقيقة كونهم أناس تركوا بلادهم، وصلوا إلى دولة أخرى وصرحوا بأن حياتهم ستتعرض للخطر اذا ما تمت اعادتهم إلى بلادهم الأصلية.

يمكث في اسرائيل حوالي 40 ألف طالب لجوء، غالبيتهم من السودان وإريتريا وهي دول دكتاتورية ذات أنظمة فتاكة تنتهك حقوق الانسان. لهذا، فان دولة إسرائيل، رغم الاعتقال والتنكيل المستمر بطالبي اللجوء، تعتمد تجاههم سياسة “توقيف الابعاد” بما يتوافق مع مبدأ “عدم الترحيل” الذي تنص عليه وثيقة اللاجئين التي وقعت عليها إسرائيل. وينص هذا المبدأ على عدم ترحيل أي شخص لمكان تتعرض فيه حياته او حريته للخطر. لكن نتنياهو، مع العلم بأن أحدى مواهبه البارزة هي تحريض وتهييج المجموعات السكانية المستضعفة ضد بعضها البعض يما يعزز أهدافه السياسية، لا يهمه لا الواقع ولا الحقيقة.

أما بخصوص اهتمام رئيس الحكومة المفاجئ بسكان جنوب تل أبيب فانه لا يتماشى مع السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي ينتهجها هنا منذ سنوات طويلة- والتي يعد الكثير من سكان جنوب المدينة، الذين ينتمون لأسفل السلم الاجتماعي والاقتصادي، من ضحاياها المركزيين. ولو كانت رفاهة سكان أحياء جنوب تل أبيب تهمه حقاً فما الذي منعه قبل سنوات من تبني توصية قضاة محكمة العدل العليا بتوزيع طالبي اللجوء في مناطق مختلفة من أنحاء البلاد؟

ولماذا لم يقبل اقتراح منظمات حقوق الانسان منح طالبي اللجوء تأشيرة عمل تشجعهم على السكان في أنحاء الدولة بدل أن يستمر في استقدام عشرات الآلاف من مهاجري العمل الجدد؟ ولكن في واقع الأمر فان سياسة حكومة اسرائيل في جنوب تل أبيب، كما يظهر تقرير مراقب الدولة من عام 2013،  تمتاز منذ سنوات كثيرة بعدم المسؤولية تجاه احتياجات السكان وبالإهمال التام.

بالإمكان ان نستدل على تعامل نتنياهو الحقيقي مع سكان جنوب تل أبيب من خلال سياسة طرد أخرى تجري في هذه الأيام بدعمه وبدعم الحكومة- وهو الطرد الفظ لسكان أحياء الجنوب من بيوتهم من قبل حيتان العقارات. الحديث طبعاً عن سكان حي “هأرجازيم”، “كفار شاليم”، “نس لجوييم” في يافا و”جفعات عمال” شمالي المدينة. طالبو اللجوء يتواجدون بالضبط حيث يريدهم نتنياهو: فهكذا يكون بإمكانه أن يستغل ضائقة السكان في جنوب تل أبيب، التي يتحمل مسؤوليتها بشكل كبير، لكي يواصل تحريضه ضد محكمة العدل العليا، الاعلام ومنظمات حقوق الانسان.

المزيد:

“جنوب تل أبيب: الحكم يحرض المجموعات المستضعفة ضد بعضها البعض”، عنبال اجوز. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.