المدرسة كان من المفترض أن تكون مؤسسة انقلابية!

الغالبية الساحقة من المدارس القائمة اليوم تعمل في خدمة المجتمع، الاقتصاد والحكم وليس باسم قدرة كل تلميذة وتلميذ على تعلم كل شيء: هذه الميول لإبطال تأثير المدرسة تشتد بالسنوات الأخيرة مع تسارع عمليات دخول الشركات، الأجسام الخاصة وآليات الحكم إلى نطاق المدارس.
ايتاي شنير

 

هذا الشهر افتتحت السنة التعليمية، وشق مئات آلاف الطلاب طريقهم مرة أخرى إلى المدارس التي سيقضون ساعات طويلة بين جدرانها على مدى السنة القريبة. كما هي الحال دائماً، ترافق فرحة وانفعال التلاميذ، الأهالي، المعلمات والمعلمين أيضاً مشاعر من القلق والتذمر والنقد تجاه هذه المؤسسة التي تجبر عدد كبير من الصغار والفتية على قضاء وقتهم في اطار لم يختاروه وعلى دراسة مضامين لا تعنيهم دائماً. هذه الفترة هي فرصة جيدة اذاً لنعود ونطرح السؤال الأساسي: لماذا يجب الذهاب إلى المدرسة من الأصل؟

المدرسة هي من أكثر المؤسسات المذمومة في عصرنا هذا حيث تواجه هذه النقد التربوي (بحسبه توفر المدرسة شكل واحد من أشكال التعليم وتلغي التجارب التعليمية الأخرى التي لا تناسب القالب المدرسي)، وكذلك النقد النفسي (مثلاُ بأن المدرسة مملة وتطمس الابداع)، النقد الاقتصادي (المدارس غير ناجعة ولا تهيئ الصغار لعالم العمل الراهن) وغيرها من الأمور. اضافة إلى ذلك، هناك أهمية خاصة في السياق الإسرائيلي للنقد السياسي (والذي بحسبه تلعب المدرسة دور مركزي في عمليات العسكرة والتطرف القومجي التي يمر بها المجتمع الإسرائيلي) وللنقد الاجتماعي (والذي بحسبه تخلد المدارس وتوسع حتى الفجوات الاجتماعية بواسطة عمليات تصنيف الطلاب وتقسيمهم حسب القدرات).

 يقف في قلب المدرسة الافتراض بأن كل شخص يستطيع أن يتعلم كل شيء. هذا ليس افتراضاً علمياً يجب اثباته ولا هدفاً يجب السعي لتحقيقه انما نقطة الانطلاق التي تشكل اللب الجوهري للشكل التربوي الذي يسمى مدرسة.

وعليه، للدفاع عن المدرسة هناك حاجة لاعادة النظر في سؤال ما هي المدرسة، وللتعامل مع النقد- على المستوى النظري وكذلك في الواقع التربوي نفسه- وفقاً للجواب على هذا السؤال.

المدرسة، أولاً، ليست اسم عام للمؤسسات المخصصة للتربية، التعليم والدراسة انما هي شكل تربوي معين يعود لليونان القديمة، وبالتحديد للديمقراطية اليونانية. على الرغم من مواطن ضعفها، ومن ضمنها طبعاً انعدام الحقوق للنساء والعمال، فقد امتازت الديمقراطية اليونانية بمحاولة لمأسسة المساواة بين المواطنين، وقد ولدت المدرسة كجزء من هذه المحاولة.

المعنى الحرفي للكلمة اليونانية “scholè” التي اشتق منها اسم المؤسسة هو “زمن طليق”. لكن القصد ليس وقت الفراغ الذي يخصص للكماليات ولأصحاب الترف انما العكس- هذا هو وقت محرر تتم مصادرته من حوزة النخب التي كان بإمكانها تمويل تربية خاصة لأبنائها وإتاحته لصالح الاولاد كلهم، بمعنى أنه يصبح جماهيرياً. في المدرسة يتم تعليق علاقات الصغار مع الدولة والعائلة، أي مع النظام الاجتماعي غير المتساوي، ويصبح كل واحد منهم تلميذ مثله مثل بقية التلاميذ. في ذات الوقت تحرر المدرسة المعرفة والمواهب أيضاً بمصادرتها من حوزة هؤلاء الذين يريدون الاحتفاظ بها لأنفسهم وإتاحتها لكافة التلاميذ بشكل متساوي.

لهذا، يقف في قلب المدرسة الافتراض بأن كل شخص يستطيع أن يتعلم كل شيء. هذا ليس افتراضاً علمياً يجب اثباته ولا هدفاً يجب السعي لتحقيقه انما نقطة الانطلاق التي تشكل اللب الجوهري للشكل التربوي الذي يسمى مدرسة. اذا ما أردنا، بإمكاننا بالطبع أن نجد أدلة تبدو وكأنها تناقضه ولكن بالإمكان أيضاً ايجاد ما يدعمه بشكل واضح- مثلاً حقيقة نجاح كل شخص في تعلم لغة الام دون أية معرفة سابقة حتى في حال اذا لم يشرح له أحد أسس اللغة. وعليه، مهما كانت الفروق بين التلاميذ، فالمدرسة بحق هي التي تعمل بناء عل الافتراض بأن باستطاعة كل واحد من التلاميذ أن يتغلب على المعيقات التي تضعها أمامه الأنظمة السياسية، الاجتماعية والنفسية التي تتواجد خارجها وأن يتعلم كل شيء. المدرسة بحسب هذا المعنى هي أكثر مؤسسة ديمقراطية وانقلابية ممكن أن تخطر في البال.

من المفروغ منه بأن الغالبية الساحقة من المدارس القائمة اليوم، في البلاد وفي العالم، لا تعمل وفق هذا الافتراض. وهي، بالنتيحة، مدارس مكبوحة وتأثيرها مبطل- مؤسسات تعمل في خدمة المجتمع، الاقتصاد والحكم وليس باسم قدرة كل تلميذة وتلميذ على تعلم كل شيء. هذه الميول لإبطال تأثير المدرسة تشتد بالسنوات الأخيرة مع تسارع عمليات دخول الشركات، الأجسام الخاصة وآليات الحكم إلى نطاق المدارس.

ولكن اذا ما عدنا للفهم الديمقراطي للمدرسة فبإمكان هذا أن يكون أكثر من حقيقة تاريخية أو تنظير فلسفي، وأن يشكل قاعدة لاستنتاجات لها انعكاسات ملموسة وعملية. حيث ينبثق عنها مثلاً بأن خصخصة التربية تعني اغتيال المدرسة، وبأن المدارس المهنية، التي ترتكز على الافتراض بأن هناك تلاميذ غير قادرين ببساطة على التعليم النظري، ليست مدارس وبأنها تتناقض مع الجوهر الديمقراطي للمدرسة. كما ينبثق عنها، بدرجة أهم، الالتزام المبدئي لكل مربي ومربية: اعطاء كل طالب وطالبة شعور بالمقدرة، وتحويل المدرسة إلى مكان لا تكون التجربة الاساسية فيه “أنا ملزم” انما “أنا قادر”.

 مختص بالتفكير التربوي والنظرية السياسية

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.