خونة اليوم هم أبطال الغد

اليسار الصهيوني يخاف من الراديكالية لأنه يخاف بأن يبقى لوحده. لكن هناك قبيلة أخرى، أكبر- وهذه القبيلة تتواجد في الخارج. مثلاُ قبيلة ال-BDS الآخذة بالتوسع في العالم. هي حليفنا لأنه لا يوجد لنا حلفاء داخل القبيلة المحلية. رد على اوري افنيري.
روحاما مرتون

 

في مقالته الأسبوعية التي تنتشر في أنحاء العالم، يرد أوري افنيري (ناشط السلام الإسرائيلي) على الأقوال التي أدليت بها خلال حفلة عيد ميلادي ال-80 ويدعي:

“بعض أصدقائي يعتقدون بأن الحرب خاسرة. بأنه لم يعد بالإمكان تغيير إسرائيل من الداخل. بأن الضغط من الخارج فقط بإمكانه أن يساعد. لحسن الحظ، هذا ما يؤمنون به، بأن هناك قوة في الخارج باستطاعتها أن تقوم بالعمل من أجلنا. يسمونها ال- BDS- وهو اختصار بالانجليزية ل”المقاطعة، سحب الاستثمارات، وفرض العقوبات”. احدى هؤلاء الاصدقاء هي د.روحاما مرتون. أولاً، لدي اعتراض شديد على الادعاء بأنه ليس بمقدورنا عمل شيء لإنقاذ الدولة، ولهذا علينا أن نتكل على الغرباء ليقوموا بالعمل عوضاً عنا”.

لم أقل في أي محفل وفي أي وقت بأنني\بأننا، اليسار غير الصهيوني الذي يوصف بالراديكالي، نريد أو نتوقع بأن يخوض أحد في العالم حربنا. هذا ليس فقط غير أخلاقي بل أحمق وغير عملي. من الحرب الأهلية في أسبانيا، الحرب التي فشلت، وحتى جنوب أفريقيا، الحرب التي نجحت، وكل الصراعات الأخرى- حارب أبناء المكان دائماً وقتلوا سوية مع مؤيديهم في العالم. ولم يكن ذلك على حده في أي مرة من المرات. من هذه الناحية، لدى اليسار الراديكالي في إسرائيل صحبة جيدة. اوري، لا صلاحية لديك لتقول بأنني\بأننا نتوقع بأن يقوم أحد ما في العالم بنضالنا لأن ذلك ببساطة غير صحيح.

هل كان النضال الذي تسميه النضال “للتحرر القومي اليهودي”، وهو النضال الذي شاركت به عام 48، لينجح لولا المساعدة التي حصل عليها من الخارج؟ النضال المناسب لأيامنا هذه، برأيي، هو النضال المعادي للاستعمار والابرتهايد. من يوهم نفسه بأنه بالإمكان الانتصار في هذا النضال دون مساعدة من الخارج يعيش بوهم خطير.

سؤال السلام ليس بذو صلة اليوم. هذا سؤال مريح أكثر من اللازم، جميل أكثر من اللازم، وغير عملي في الحاضر. دعم السلام ليس موقفاً سياسياً انما ضريبة كلامية. فهل تعرف أي شخص في اليمين او في اليسار، ولا نتحدث حتى عن المركز الصهيوني، يعارض السلام؟

سؤال الحاضر هو سؤال الاحتلال والابرتهايد. هذا هو السؤال ذو الصلة اليوم. هناك تقاليد معتبرة للنضال المعادي للاستعمار كما أن هناك استراتيجية أثبتت نفسها لمحاربة الابرتهايد. صحيح بأن من يحارب من أجل التغيير السياسي الحقيقي، وليس فقط لانقاذ الدولة، عليه أن يتنازل عن الامتيازات التي يحصل عليها من نظام الابرتهايد، وهذا يشل الامتياز بأن نكون أخياراً وجميلين دائماً.

هل حقاً يجب أن نذكر بأنه لا يوجد شيء من هذا القبيل ديمقراطية “بعض الشيء” كما لا يوجد حمل “بعض الشيء”؟ تماماً كما لا توجد ديمقراطية في إسرائيل.

يجب اعادة بناء منظمات حقوق الانسان بناءً على توجه نضالي. لا أن تكون منظمات سلام. فالسلام يتواجد في المستقبل أما المشكلة ففي الحاضر.

الحق بالحياة السياسية هو الحق الأهم. هذا ما يميز الانسان عن بقية المخلوقات. دون الحق بالحياة السياسية، سيصبح الحديث عن الحقوق مثله مثل الحديث عن الرفق بالحيوان. النضال من أجل الحق لوجود عيادة في الأراضي المحتلة هو مثل النضال من أجل معلف للحصان. النظام الاستبدادي يقلص المواطن ل”صاحب حقوق”- الحق بالأكل، الحق بالسكن، الحق بالتربية والصحة- هذا تقليص للإنسان\المواطن لوضع الحيوان عندما يحرم من الحق بالحياة السياسية. من ليس مستعداً للنضال من أجل الحقوق السياسية للجميع يحارب فقط على جماله هو.

يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل نحن مجرد أسبرين للاحتلال؟ ضمادة للابرتهايد؟

أريد أن أتيح للشباب المستعدين لأن يحاربوا الادوات التي يستطيعون التفكير بمساعدتها. تفكيراً نقدياً. بكلمات أخرى- ألا نلعب في ملعب الحكم، داخل أجندة الحكم. علينا أن نتعلم كيف نعلن بأننا لا نقبل قواعد الحكم أكثر. بأننا نخترق حدود المسموح والممنوع التي يضعها. وهذا يعني بأن نخاطر وأن نتنازل عن امتيازاتنا التي تتواجد داخل حدود الحكم. لأنه كما قال امرسون، “الانسان المستقيم لا ينصاع للقانون بشكل جيد جداً”.

خارطة الاحوال الجوية التي يراها الإسرائيليون اليهود كل يوم بنهاية نشرة الأخبار هي أيضاً خارطة ذهنية; خارطة لبلاد واحدة، دولة واحدة، حكم واحد. ولكن في الداخل، داخل تفاصيل هذه الخريطة، ما هي شروط المواطنة؟ ما هي شروط الحقوق؟ من ينظر جيداً يرى بأن هناك ابرتهايد. هذه نقطة الانطلاق- بأنه يوجد هنا حكم عسكري على جزء كبير من المواطنين.

يطرح السؤال كيف نحارب هذا الحال؟

يجب اعادة بناء منظمات حقوق الانسان بناءً على توجه نضالي. لا أن تكون منظمات سلام. فالسلام يتواجد في المستقبل أما المشكلة ففي الحاضر. ما دام الإسرائيليون اليهود الذين لا يؤيدون ال-BDS يعتقدون بأنه بالإمكان التغيير من الداخل- ما داموا يشبهون الأرنب الذي أراد تغيير الأسد من الداخل. وبالفعل الأسد التهمه. ربما دخل الأرنب الأسد ولكن بهذا انتهت القصة. التغيير من الداخل اليوم- هو وهم. اليسار الراديكالي لا يمكن أن يفكر ويتصرف بهذه الصورة.

اليسار الصهيوني يخاف من الراديكالية لأنه يخاف بأن يبقى لوحده. لكن هناك قبيلة أخرى، أكبر- وهذه القبيلة تتواجد في الخارج. مثلاُ قبيلة ال- BDS الآخذة بالتوسع في العالم. هي حليفنا لأنه لا يوجد لنا حلفاء داخل القبيلة المحلية.

يجب أن نعي بأننا في الداخل قلائل وضعفاء أكثر من اللازم. لن يكون باستطاعتنا أن نقوم بالكثير دون حلفاء من الخارج. هذا هو فحص الحدود. خونة اليوم هم أبطال الغد.

اوري افنيري يقول:

“ولكن، برأيي، فرض المقاطعة على إسرائيل نفسها ستكون غلطة. فلو تم ذلك لدفع بالجمهور الإسرائيلي كله إلى أيدي المستوطنين، بينما وظيفتنا بالذات بأن نعزل المستوطنين في الأراضي المحتلة وأن نفصل بينهم وبين الجمهور الإسرائيلي. وظيفتنا بأن نرسخ أنفسنا من جديد، أن ننظم أنفسنا من جديد وأن نضاعف مساعينا لإسقاط الحكومة الحالية وإحضار معسكر-السلام إلى الحكم.”

أما أنا فأقول لأفنيري، أنت منشغل بمستقبل مفترض، ولا يرتكز هذا الافتراض إلى شيء إلا إلى الخوف من البقاء وحيداً الذي ينم عن مقولة “الجمهور الإسرائيلي كله سينضم للمستوطنين”. لكن غالبية المجتمع الإسرائيلي قد انضمت للمستوطنين. هم اليوم رأس الحربة بالكينونة الإسرائيلية، ما كانته الكيبوتسات في الماضي.

ال-BDS هي الرافعة الوحيدة غير العنيفة التي بإمكانها أن تجعل المجتمع الإسرائيلي يشعر بعبء وألم الاحتلال عندما يضطر لدفع ثمنه.

اذا ما أدى الاحتلال والابرتهايد إلى معاناة اقتصادية، ثقافية وسياسية في أعقاب المقاطعة العالمية، من المحتمل جداً بأن يطرأ تغيير على وجهة النظر الإسرائيلية التي ترتكز، من جهة، على الربح الضخم الذي تجنيه الدولة ومواطنيها اليهود من الاحتلال والفصل، ومن جهة أخرى، على جبن ما يسمى اليسار الإسرائيلي أو معسكر السلام.

معالجة نفسية، مؤسسة ورئيسة منظمة “أطباء لحقوق الانسان- إسرائيل”.  

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.