استدعاء أشباح الاحتلال

ما قام به أنضوني ورفاقه ليس مجرد توثيق بسيط لمى مروا به وما مر به مئات آلاف الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية: في فيلمه الجديد “اصطياد أشباح”، وجد أنضوني طريقة لاعادة بناء التجربة وللاقتراب من ذاكرة التنكيل والتعذيب، ولكن بحذر!
جادي الغازي

 

فيلم رائد أنضوني “اصطياد أشباح” هو عمل فني مميز. لم أستطع أن أخمن بتاتاً ماذا ينتظرني بناء على ما قرأته قبل أن أشاهد الفيلم. عرض الفيلم في “برلينالي” (مهرجان برلين الدولي للأفلام) وفي مهرجانات أخرى ولكنه لم يعرض في إسرائيل بعد. السطور التالية تهدف إلى اقناعكم بألا تدعوا أحداً يمنعكم من مشاهدته، وبأن تشاهدوه.

بدأت أقراً التقارير التي تتعاطى مع موضوع التعذيب بجيل صغير، وبعد أن كبرت ساهمت في تأليف عدد من هذه التقارير كما قمت بجمع بعض الشهادات. أتيت إلى الفيلم اذاً بعد تحضير طويل. ولكن اتضح بأنه غير كافي بالمرة. هذا ليس فيلماً عن رعب سجون الاحتلال بل أنه فيلم ناعم جداً (كل شيء نسبي، صحيح). ما قام به أنضوني ورفاقه ليس مجرد توثيق بسيط لمى مر عليهم وعلى مئات آلاف الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية منذ 1967. ليس الحديث كذلك عن عمل خيالي: ما كان، كان حقاً: وما كان لا يمكن عرضه حقاً: لا يمكن مشاركة ما مروا به. أندوني وجد طريقة ليعرض عملية اعادة بناء التجربة التي مر بها بنفسه، وأن يقترب من ذاكرة التنكيل والتعذيب التي دمغت بالجسم ولكن بحذر وليس لوحده- انما سوية، من خلال صداقة كبيرة.

من مروا بسجون الاحتلال يبنون من جديد، معاً، السجن الذي لم يرونه بأعينهم وبقي من ذلك الحين بداخلهم، ما زال يحيطهم. هذا عمل مهدد وخطير

هو نفسه، كما قال، لا يعرف عملياً كيف يبدو السجن من الداخل لأنه عندما اعتقل غطوا رأسه بكيس معظم الوقت. بقية المشاركين في الفيلم أيضاً- بعضهم أصدقاء ومعارف وبعضهم استجابوا لإعلان كان قد نشره- رؤوا للحظات فقط شذرات من السجون التي اقتيدوا اليها. لكن جميعهم كانوا هناك، في احدها او في عدد منها، لشهور أو لسنوات، في المسكوبية أو في أشكلون أو في سجن هشارون. وهم، بكل الاحوال، يعرفون جيداً ما لم يرونه- وهو ما رآه بعض من ممثلي المجتمع الاسرائيلي بصورة ممتازة بالذات في اطار وظيفتهم كآسرين، معذبين، سجان، شرطيين وموظفين. المجتمع الإسرائيلي لم يرى قط ما رآه أو قام به بعض مندوبيه، وما مر به المحتلين والمسجونين: آلاف من الناس تلهث، تغطى رؤوسها بالأكياس، تسمع صوت الميجور والكابتن وشظايا من عبرية السجن.

السجن هو تجربة مشتركة وجماعية لمئات آلاف الفلسطينيين. جميع المشاركين في الفيلم تقريباً كانوا أسرى بالماضي. وهم يقارنون فيما بينهم: في السجن لدينا كان هكذا، لدي كان هكذا. في سجن أشكلون، الغرفة كانت أعلى. هنا كانت صورة لهرتسل. الحائط الذي قيدونا به كان أبعد. في نفس الوقت، فإن الحديث يجري عن تجربة شخصية تماماً: الأب المعتقل الذي يتذكر رائحة شامبو طفله، الذي رأى أخاه في غرفة غطيت حيطانها بالإسنفنج. الأسير الكبير بالسن الذي رأى الكثير، مر بالكثير، والذي تكاد يداه تخونه عندما يحاول أن يشرح ما هو “الهز” (بالاشارة الى وسيلة التعذيب المعروفة بهذا الاسم).

هم ليسوا ضحايا وفقط، يصمم أنضوني- بل نجاة. بروح فكاهة وفرحة وندبات لمدى الحياة وجروح مفتوحة. بعض هذه الجروح تفتح خلال الفيلم. هناك أيضاً لحظات من الأخوة، من الاستشفاء، القليل من الاستشفاء.

لا تفوتوا هذا الفيلم رجاءاً. وليشاهده من ينكرون الاحتلال. ولكن وليشاهده أولاً قضاة إسرائيل، القضاة العسكريين، القضاة المدنيين، المحامون الذين خدموا في النيابة، الشرطيون والشرطيات، السجانون والسجانات: وليشاهده الضباط الذين وقعوا على اوامر الاعتقال الاداري، المشرعون الذين صادقوا على “أنظمة الطوارئ”، وكذلك أخصائيو التعذيب، ومرشدوهم، الأطباء والأخصائيون النفسيون.

سيأتي يوم، يقولون لنا، وينتهي الاحتلال. حتى عندها سنبقى، فلسطينيون وإسرائيليون، مع ندبات الماضي والأحلام والذكريات التي من الممنوع الحديث عنها. في أحد الأيام ربما سينظر أحدنا إلى الآخر لنسأل: كيف كانت الحال آنذاك، في عشرات السنوات تلك، السنوات الطويلة جداً، التي دخل وخرج فيها مئات آلاف الفلسطينيون، بالغو السن، الشباب، الرجال، الاولاد والفتيات، من السجون؟ كيف مر الوقت في حينه؟ ماذا حدث للسنوات التي أضاعوها، للأولاد الذين انتظروا آبائهم، للأناس الذين انتظروا أحبائهم؟ وكيف فكر الشرطيون والضباط ومحققو “الشاباك”؟ وعندما تم تعذيب الأسرى في المسكوبية، في مركز القدس، ماذا فعل القضاة ورجال النيابة (العامة) الذين جلسوا على مقربة من هناك؟ وكيف عشنا جميعنا، نحن الإسرائيليون، مع الاحتلال- وماذا فعلنا عملياً آنذاك؟

أمور شتى عشنا حياة عادية تقريباً: أنكرنا أحياناُ وتعودنا بدرجة كبيرة: رأينا قليلاً وعدنا إلى البيت. فكرنا به- الاحتلال- ومن ثم فكرنا بشيء آخر. الحياة تستمر. المياه تغلي ويجب ازاحة شيء عن النار، المصائب تأتي وتروح. انتظرنا بأن ينتهي. ذهبنا للنوم، استيقظنا وكان ما يزال هناك.

فيلم رائد أنوضني بإمكانه أن يطرح هذا السؤال أمام الإسرائيليين. ولكنه معد بالدرجة الأولى للمجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال. هذه تجربة لكيفية التعامل مع الماضي. ليست كمحاولة المؤرخين والمؤرخات استعادة الماضي الذي انتهى: فهذا لم ينتهي بالمرة. كما لا يقومون هنا بعرض ما كان، لا يحكون عن ذلك، لا يلخصون ويحللون التجربة: شيء آخر يحدث هنا. من مروا بسجون الاحتلال يبنون من جديد، معاً، السجن الذي لم يرونه بأعينهم وبقي من ذلك الحين بداخلهم، ما زال يحيطهم. هذا عمل مهدد وخطير. أنضوني يتحدث عن استدعاء أشباح: بناء السجن من جديد، بناء التجربة من جديد: ومن ثم فحص الوظائف واحد مقابل الآخر: أنا سجان، أنت أسير، أنا شخص يعذبونه، أنا حارس والخ. كيف أعرف هذه الوظيفة بهذه الدرجة؟ ما هذا أو من هذا الذي في داخلي والذي يعرف الحركات، الكلمات، يعرف هذه الوظيفة جيداً؟

ليست هذه استعادة- ما يقوم به المؤرخات والمؤرخون: ولا انزلاقاً للماضي: ولا حتى قصة مع بداية، وسط ونهاية. هذا ما يستطيع الفن القيام به (أحياناً) أما التاريخ فلا يستطيع.

في الوقت الحالي، بدل البحث عن مفر من واقع الاحتلال المستمر بواسطة الغطس بالحياة اليومية والنسيان والكبت المتعب، والى أن تسقط جدران السجن الكبير وكل السجون الصغيرة، قام المشاركون في مشروع أندوني ببنائه من جديد، حولوا حيطاناً من خشب الأبلكاش وأصفاداً وزياً عسكرياً لغرض-انتقالي بين العالم الداخلي والخارجي، بين الملموس والمتخيل. لكي يتحرروا قليلاً. لكي يفسحوا مجالاً للحديث، لتحرير الذاكرة التي بالجسد.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.