" ورائك"... حين يصبح القبر حيزاً وحيداً للاختلاف

ما يجعل فيلم “ورائك” مختلفاً وشيقاً هو عدم تبنيه لتركيبة سينما “الهويات” الوثائقية المعروفة النتائج سلفاً، إضافة لعدم طرحه قضية واضحة، واحدة، مغلقة من أصله، إذ لا قضية في الفيلم بل توصيف لحالة عبثية ما كجزء أو كنموذج من عبثية حياتنا هنا. مراجعة لفيلم المخرجة رنا أبو فريحة الأول.
راجي بطحيش

 

في الفيلم الأول لرنا أبو فريحة، خريجة أكاديمية “بتسلئيل”، السؤال لا يكمن في كيف نعيش حياتنا؟ أو كيف يمكننا الاستمرار والمواصلة من هنا؟ بل كيف سنموت وأين سنُدفن؟ ما يجعل العمل مختلفاً تماماً عما سبقه من أفلام وثائقية – ذاتية لمخرجات فلسطينيات من الداخل، وما يجعله ميلانكولياً بامتياز حيث يستبدل سؤال: أين ستدفنونني؟ سؤال أين سأسكن أو وفق موازين القوى المتوفرة حالياً: أي ستسكنونني… فإذا كانت الحياة على هذه الأرض الملعونة مستحيلة في شبابنا وشيخوختنا فلتكن معقولة ولائقة على الأقل في موتنا… ذلك ما يجعل المشاهد يتبع بهواجسه شخصية رودينا، الأم الباحثة عن قبر لائق في النصف الأول من فيلم “ورائك” .

אחרייך- רנא אבו פריחה
مشهد من فيلم “ورائك” (تصوير: نير كفري)

اعتدنا في الأفلام الوثائقية “الهوياتية” أن يطرح مبدع العمل قضية مجتمعية ما، فيروي قصص ضحايا لهذه القضية المطروحة ويشير إلى القامع أو مجموعة العوامل المجتمعية/السياسية التي أنتجت الضحية أو مجموعة الضحايا، وهكذا تبدو الضحية في نهاية الفيلم دون إجابات ويبقى المخرج/ة عاجزاً أمام جبروت المجتمع الذكوري، على سبيل المثال لا الحصر، ونواته الصلبة التي لا يمكن اختراقها، دون التعمق مثلاً في مدى تهتك المجتمع الذي أنتج هؤلاء الطغاة… أما ما يبقى بالفعل فهو صوت تصفيق الحضور الأبيض اليساري صاحب الإرث الثقافي الغني والمنفتح، والذي تستخدمه الأنظمة القامعة بطريقة مواربة لتبيض صورتها، وذلك دون أن يحصل أي تغيير فعلي حقيقي فيما يخص القضية التي يطرحها الفيلم. إن ما يجعل فيلم “ورائك” مختلفاً وشيقاً في ذات الوقت ومؤثراً إلى أبعد الحدود، هو عدم تبنيه لتركيبة سينما “الهويات” الوثائقية المعروفة النتائج سلفاً، إضافة لعدم طرحه قضية واضحة، واحدة، مغلقة من أصله، إذ لا قضية في الفيلم بل توصيف لحالة عبثية ما كجزء أو كنموذج من عبثية حياتنا هنا، فأنا لا أعتقد أن رسالة المخرجة للسلطات  عبر الفيلم كانت السماح لمن هو غير يهودي أن يدفن في بلدات يهودية سكن فيها منذ سنوات، بل ينسحب الأمر إلى الأوضاع العبثية التي تزاحمت لإنتاج سؤال إحداثيات الدفن- لماذا ترغب امرأة عربية أن تُدفن في أرض هي حصيلة اختياراتها وليست مسقط رأسها أو مسقط رأس زوجها مثلاً؟

ينقسم فيلم أبو فريحة إلى قسمين: الحضور الطاغي والشيق والعبقري للأم رودينا وبالأخص صوتها في القسم الأول، وغيابها الطاغي والموجع وخاصة غياب صوتها  ثم وفاتها في القسم الثاني وبالتالي انقطاع السردية وتفككها ومضي كل شخصية أخرى في طريقها، فوالدة مخرجة الفيلم هي النيراتيف المتكامل فيه، هي القصة الوحيدة الصريحة التي تجمع أفراد العائلة حولها وبالتالي تشكل حيواتهم وتسجنهم فيها، حيث يملىء غيابها القسم الثاني من الفيلم ويشعرك بلا-جدوى الوجود في آن، فلا أذكر أنني ومنذ غياب والدتي تأثرت كما تأثرت عندما ودعت رودينا أفراد عائلتها بقبل حب كلها إصرار وحنان بعدما غاب صوتها الواضح والجلي والمؤسس بسبب احتضارها.

ورائك رنا أبو فريحة
صورة من الألبوم العائلي من فيلم “ورائك”

تبدأ الحكاية من قرية جت بالمثلث في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عند فتاة حالمة تحمل توقاً عظيماً كي تحلق عالياً، بعيداً عن سرب فتيات قريتها من جيلها، فتختار الشاب البدوي الجنوبي لتحلق معه خلافاً لرغبة أهلها وتحدياً للنظرة النمطية لأهل الشمال تجاه أهل الجنوب من البدو، ولكن هل يمكن لكائن أن يحلق عالياً داخل سجن بسقف واطئ؟ وهل يستطيع القيام بذلك دون أن يقع أحياناً حتى وإن كان الارتطام بالأرض خفيفاً؟

في بحثها عن الاختلاف في الحياة التي لا تتسع لها كما نردد بالمثل المحكي، تنتقل رودينا مع عريسها إلى بلدته تل السبع والتي تتحول لسجن آخر بالنسبة لها، حيث (كما تروي) لا يمكن للنساء الخروج لشراء مستلزماتهن لوحدهن دون مرافقة في حوانيت البلدة وبقالياتها. وهكذا تنتقل العائلة الصغيرة من سجن تل السبع إلى بلدة عومر التي تجسد وهم الرخاء والانفتاح والتعددية والتنوير الإسرائيلي. ولكن كل ذلك كان أيضاً مجرد وهم، حيث لا يمكن التحليق بين السجون ونحو سقفها المشترك دون خسائر دموية، فعومر التعددية التي تدعي العلمانية هي ليست كذلك بل هي سجن من نوع آخر يمثل عينة عن انغلاق الضواحي الإسرائيلية التي تعيش وعياً كاذباً بالتمايز الأخلاقي والتفوق القيمي، حيث يلزم أفرادها الانتماء اللغوي والقومجي الواضح والذي لا لبس فيه ولكنها لا تضمن لهم حتى أن يدفنوا فيها، إذاً لا التعددية تعددية، ولا حضن الأكثرية الموهومة حضناً لأن ليست الأكثرية أكثرية أصلاً.

“ورائك” هو قصة امرأة كانت تعتقد خاطئة ان الحرية تنتظرها في الشارع  الآخر المقابل وأنها يمكن أن تتوفر ولو نسبياً ضمن نظام الفصل والأبرتهايد المجتمعي والسياسي… لتكتشف أن ذلك قد يتوفر ربما في قبر مريح نختاره بأنفسنا ولكن حتى ذاك القبر ليس مفهوماً ضمناً… أما نحن، أي من تبقينا هنا، فها نحن نمضي جميعنا “ورائها” إليه.

ورائك( 2017)

تصوير وإخراج : رنا أبو فريحة

إنتاج: ابتسام فيلمز – ابتسام مراعنة منوحين

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.