هذه الاهانة ليست إلا مقدمة لما سيأتي

من يخيب الآمال بحق هو نحن، المجتمع العربي، الذين لم نخرج بمطلب جماهيري واسع يحتج على شروط الاعتقال المهينة التي تعرض لها الشيخ رائد صلاح: نحن مخيبون للآمال لأننا نرفض أن نفهم بأن هذه الاهانة ليست إلا مقدمة لما سيحل بنا جميعاً. 
عبد أبو شحادة

 

في ساعات الصباح الباكرة من يوم 15 آب وصلت قوات الأمن لبيت الشيخ رائد صلاح في أم الفحم، وبعد تمديد اعتقاله مرتين قدمت ضده لائحة اتهام كان من ضمن بنودها التحريض للعنف والانتماء لتنظيم غير قانوني (بالإشارة إلى الحركة الاسلامية الشمالية التي تم حظرها قبل حوالي السنتين) وطلب لاعتقاله حتى نهاية الاجراءات القضائية بحقه: محاولة محاموه للاستئناف على قرار المحكمة بتمديد اعتقاله باءت بالفشل بعد أن تم رفض الطلب الذي تقدموا به قبل أسبوعين.

ليست هذه المرة الأولى التي تتم فيها ملاحقة الشيخ صلاح سياسياً وليس هذا الاعتقال الأول الذي يتعرض له، والأجواء الاسلاموفوبية التي تسود وسط المجتمع الإسرائيلي لا تسمح لنا بأن نتوقع الكثير من المحكمة الإسرائيلية. لكن ما يميز الاعتقال الحالي هو شهادة الشيخ صلاح على الاهانات التي تعرض لها: نذكر من ضمن ذلك، السجن الانفرادي في زنزانة خاصة تستخدمها مصلحة السجون لمعاقبة الأسرى الذين لا يطيعون الأحكام (يتوجب على الأسير بأن يأكل هناك ويصلي وينام)، ومن ثم ادخاله لزنزانة انفرادية ضيقة جداً، والاعتداء الجسدي والكلامي من قبل السجانين. عدا عن ذلك فقد اضطر الشيخ صلاح أحياناً للانتظار لأكثر من عشر ساعات خلال نقله بين السجون بينما أبقي مقيداً من يديه وقدميه كما استخدمت كلبشات خاصة تربط بين الأطراف العليا والسفلى- لدرجة أنه فقد الاحساس بكفي اليدين والقدمين.

جميعنا نعرف بأنهم بعد أن ينتهوا من الشيخ صلاح سينتقلوا لقادة آخرين وحركات أخرى: ربما عندما يمر بقية القادة والنشطاء المركزيين بمهانة التنكيل سنقول لأنفسنا “كان علينا أن نتصرف سابقاً”.

كل هذا مر بهدوء من طرف القيادة الفلسطينية داخل الخط الأخضر. صحيح بأن هناك العديد من الحركات السياسية التي تتنافس فيما بينها على مستوى المجتمع العربي، حتى أن بعضها يناقض بعضها الآخر أيديولوجياً، لكن سكوتنا على ما يجري مع الشيخ صلاح مخجل وجميعنا سندفع ثمن ذلك عاجلاُ أم آجلاً. بدايةً، يجب أن نؤكد بأن لا الشيخ رائد صلاح ولا الحركة الاسلامية الشمالية قد خالفوا القانون، أما القرار الذي ينص على حظرهم فقد اتخذ بشكل غير ديمقراطي بوضوح- ذك من خلال استخدام أنظمة الطوارئ التي سمحت باتخاذ قرار اداري دون اجراءات قضائية او فحص للحقائق. أما ثانياً فإن مواقف الشيخ صلاح هي مواقف مقبولة في الخطاب السياسي للمجتمع العربي إن كان بخصوص المسجد الأقصى وإن كان بخصوص النضال الشعبي ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس وغزة. وعليه، فإن الحظر والاعتقال يتمان في ظل سياق سياسي معادي للإسلام بشكل جلي مما يمكن النظام الإسرائيلي من الحصول على شرعية من الحائط إلى الحائط.

ولكنني بصراحة لا أحمل الكثير من التوقعات من المجتمع الإسرائيلي ولا من أحزاب اليمين بالطبع أو اليسار الصهيوني. فاليمين  الإسرائيلي من جهته قد تخلى عن كل معالمه الليبرالية وأصبح معادياً للديمقراطية بجوهره، وهو يعمل الآن على تكبيل أيدي المحاكم ومحاربة حقوق الانسان. فقط مؤخراً سمعنا بأن الوزير لفين اقترح بأن يتم تقصير ولاية القضاة في محكمة العدل العليا رداً على رفض القاضية مريم نؤور المشاركة في مراسم أقيمت بمستوطنة غوش عتصيون. أما اليسار الصهيوني- الذي وصفه ليفوفيتش في حينه بدقة كبيرة حينما نعت ممثلي حزب “ميرتس” ب”الخرق” لعدم قدرتهم على اتخاذ مواقف أخلاقية بساعة الحقيقة لاعتبارات سياسية- فيخون مبادئه وبالحالة الأكثر تشوهاً ينظر إلى الديمقراطية واحترام القانون كشيء معد لليهود الأشكناز العلمانيين فقط.

من يخيب الآمال بحق هو نحن، المجتمع العربي، الذين لم نخرج بمطلب جماهيري واسع يحتج على شروط الاعتقال هذه: أيضاً من يتفق مع الشيخ صلاح ومن لا يتفق معه من بين أعضاء الكنيست (الغارقين بأنفسهم في التحقيقات ومسألة التناوب أو المنشغلين ببناء “معسكر ديمقراطي” مع نفس الأحزاب الصهيونية التي ابتهجت لاعتقال صلاح)، لجنة المتابعة العليا التي لم تضع اعتقاله على رأس سلم الأولويات، ورؤساء المجالس المحلية والبلديات الذين لم يعلنوا الإضراب في بلداتهم اثر اذلال الشيخ صلاح بهذه الطريقة. الاهانة خلال الاعتقال تدل على أن قوات الأمن معنية بكسر عزيمته، تعليمه درساً ودفعه إلى الجنون- وهي الممارسات العنيفة التي تهدف إلى قمع النضال. نحن مخيبون للآمال لأننا نرفض أن نفهم بأن هذه الاهانة ليست إلا مقدمة لما سيحل بنا جميعاً، لأن كرامة الأسير، أياً كان، هي حق أساسي. في الواقع الذي نشهده بهذه الأيام، تمس المؤسسة الرسمية حتى بالمعايير المتدنية التي وضعتها لنفسها.

لكي نفهم فشلنا علينا أن نذوت بأن الحديث عن أحد القادة التاريخيين الذي يعمل منذ عشرات السنوات من أجل الشعب الفلسطيني، قائد معروف بوظيفته الاجتماعية والسياسية يشهد على دوره حتى من لا يوافق على مواقفه. مع هذا، فعدا عن تظاهرة دعم واحدة في أم الفحم وبعض مقالات الرأي، فقد استمرت الحياة على طبيعتها. المؤسف بأن سكوتنا هذا يقلص أمام ناظرنا مساحة العمل السياسي المتاحة لنا. جميعنا نعرف بأنهم بعد أن ينتهوا من الشيخ صلاح سينتقلوا لقادة آخرين وحركات أخرى: ربما عندما يمر بقية القادة والنشطاء المركزيين بمهانة التنكيل سنقول لأنفسنا “كان علينا أن نتصرف سابقاً”.

اذا لم تقرر القيادة العربية، وعلى رأسها لجنة المتابعة والقائمة المشتركة، اتخاذ خطوات جدية وتطالب بأدنى حد بضمان اجراءات اعتقال ومحاكمة منصفة ستستمر استباحتنا، كمجتمع عربي فلسطيني داخل الخط الأخضر، من أجل أهداف سياسية.

الحرية للشيخ رائد صلاح، الحرية لكل الأسرى السياسيين!

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.