التوزيع غير العادل: المستوطنات الدينية أولى من اوفاكيم!

نحن بصدد ثلاث مستوطنات أعطتها دولة إسرائيل من كل الخيرات التي تسيطر عليها لا سيما عشرات آلاف الدونمات داخل الخط الأخضر: أعطت لها بالذات وليس لعشرات البلدات الشرعية في الضواحي
بن موشيه*

 

منذ أيام العز لقرار محكمة العدل العليا بقضية الأراضي (وربما كانت هناك ثلاثة أيام كهذة)، يعود مصطلح “التوزيع العادل” ليطرح ويعجن من جديد من على منصات ولوائح ادعاء مختلفة، ويكون ذلك غالباً في سياق المساواة المطلوبة في توزيع الموارد العامة من قبل سلطة حكم معينة. هذا المصطلح المشحون دخل إلى الخطاب بفضل توجيه الأنظار لحقيقة كون المسؤول المركزي عن اغتناء طبقة معينة من السكان لا يكون بغالبية الحالات الوهبة المولودة أو المال الذي جلبوه معهم من الشتات انما ببساطة آلية توزيع منحازة ومنهجية لموارد الدولة التي تعود للجميع.

على الرغم من تقبل المصطلح وانتشاره على لسان القانونيين وفي قرارات المحاكم، وربما على ضوء ذلك بالتحديد، بالإمكان الادعاء بأنه أدى في نهاية المطاف إلى تعجيل تنظيم وتكريس التشوهات والمظالم في تخصيص موارد الدولة لدرجة أن المصطلح الأب، العدل البسيط، ينحني أمامها.

العين المجردة وعين من لا يعرف كيف يولد الغنى الفاحش والفقر المدقع في إسرائيل لا تستوعب هذه الأمور عادةً  إلا عن طريق حالة عينية تجسد مدى الاستهتار بمصطلح “التوزيع العادل”. وهذه هي قصتنا لليوم:

في الموشافيم الدينية التابعة لحركة الاستيطان- “أمناه”، مستوطنات “بيت يتير”، “معون” و”كرمل” جنوب جبل الخليل، هناك حوالي 150 عائلة بين أصحاب وأعضاء في الرابطات الاشتراكية الزراعية الثلاث. غالبيتهم الساحقة أشكنازيون ينتمون للعشيرات الخمس الأولى. في الجانب الآخر من النقب، في بلدة “اوفاكيم”، يحيى حوالي 27 ألف نسمة، غالبيتهم الساحقة شرقيون تقليديون ينتمون للعشيرات الخمس الدنيا. ولكن لحظة، سنعود فوراً ل”اوفاكيم”.

لم يعرضوا دونماً واحداً في منطقة “اوفاكيم” على أياً من ال-7000 عائلة في “اوفايكيم” انما اعطوا 7000 دونم اضافية ل-150 عائلة تعيش في الضفة الغربية.

لإعالة “بيت يتير”، “معون” و”كرمل” (فقط 150 عائلة، كما ذكر سابقاً) أعطت دولة إسرائيل، بواسطة شعبة الاستيطان، منذ سنوات ال-80  كل الأراضي الزراعية شمالي شارع شوكت-عراد بمنطقة مفترق عراد (حوالي 000،19 دونم). ورغم أن الحديث عن الكثير من الأراضي لإعالة 150 عائلة، ولكي لا ينقص عليهم شيء لا سمح الله، فقد استمرت الدولة وأعطت الاخوة الأعزاء مزرعتي حليب وحصص نسبية (تسمح لها ببيع منتجاتها في السوق)، أقنان ضخمة لتلقيح الطيور وحصص نسبية (لإنتاج كمية تصل حتى 000،500 كيلوغراماً من الشنيتسل وأفخاذ الدجاج كل ستة أسابيع)، مصنعي تغليف، تهيئة أراضي للبناء للجيل القادم، استصلاح حقول في جبل الخليل نفسه وأراضي لكروم النبيذ (التي ينتج منها نبيذ “يتير”، مثلاً، الذي يصل سعره حتى 400 شيكل)، أراضي لتوربينات ضخمة لإنتاج الكهرباء من الرياح وغيرها.

على فكرة، عندما أكتب هنا “الدولة أعطت” فالقصد بأنها أعطت ببساطة أو خصصت أراضي ومياه أو قدمت قروضاً بعضها هبات أو قروض لعشرات السنين بفائدة ضئيلة وبأقساط شهرية صغيرة.

ولأن هناك من ظل ساهراً رغم هذا على راحة هؤلاء واهتم بأن يقضوا أيامهم بهناء فقد أسهبت الدولة بكرمها وأعطت 7000 دونم اضافية وحصة مياه من معهد تطهير المياه العادمة لغوش دان بأسعار مخفضة لهذه الموشافيم الثلاث الصغيرة- ولكن بعيداً عنهم وتماماً بالقرب من بلدة “اوفاكيم”. أي لم يعرضوا دونماً واحداً في منطقة “اوفاكيم” على أياً من ال-7000 عائلة في “اوفايكيم” انما اعطوا 7000 دونم اضافية ل-150 عائلة تعيش في الضفة الغربية.

إلى أن حصل شيء ما خارج عن المألوف وبدأ مصطلح العدل (الناعس بشكل عام) يتحرك في كرسيه بعدم راحة. في بداية عام 2017، تجمعت غيوم كثيفة في منطقة وزارة المالية حتى أصبحت هذه التسوية “الطبيعية” جداً آيلة للسقوط. هكذا وبكل بساطة، وفي اطار التعامل مع ضائقة السكن العامة، قررت اللجنة القطرية لتخطيط مجمعات خاصة للسكن (“فتمال”) تغيير استخدام جزء من الأراضي الزراعية بجانب “اوفاكيم” لتوفير مساكن لسكان المنطقة، الامر الذي من المفترض بأن يضيف 12 ألف وحدة سكنية جديدة لمدينة “اوفاكيم”. نوع من الوقاحة من طرف الحكم.

عندها اضطرت كل القوى التحت- أرضية التي اعتادت البقاء تحت الرادار لسنوات والرضاعة مباشرة من الحنفية المركزية، اضطرت إلى الخروج لضوء النهار والرد على الحرب التي أعلنتها الأيادي الغاصبة التي تسعى إلى المس بالقسمة المقدسة وتقليص ال- 173 دونم التي حصلت عليها كل عائلة، بلا أي ذرة خجل، إلى 133 دونم للعائلة فقط.

بتعاون وتنسيق مدهش حتى بالألوان (الأبيض والأخضر، فقد تجندت سلطة حماية الطبيعة للادعاء بأن الحفاظ على الطبيعة الصامتة يفوق، دائماً وأبداً، اسكان أبناء “اوفاكيم” بالقرب من بيوتهم أهمية)، تم تقديم التماس لمحكمة العدل العليا باسم ال-150 المختارين من قبل الله وواضعي “الكيباه” المنسوجة بالميل ضد ال- 000،27 الشرقيين الزائلين.

الآن- خمنوا من الذي حظي خلال الايام العشر الأخيرة لتقديم الرد بأمر مؤقت يؤجل تنفيذ أي خطوات على الأرض ويلقي بقرارات الحكومة المتعاقبة بالموضوع إلى سلة المهملات. تخمين واحد فقط…

نذكر على الهامش بأن هذه الحالة لم تناقش في العتمة التامة بل على هوامش الصحافة الكيبوتسية. لسنا هنا بصدد مستوطنات نهبت 5 دونمات من عائلة نواجع في سوسيا العربية التي يوصل اليسار الأبيض صرختها إلى البعيد. بل نحن بصدد ثلاث مستوطنات أعطتها دولة إسرائيل من كل الخيرات التي تسيطر عليها لا سيما عشرات آلاف الدونمات داخل الخط الأخضر. أعطت لها بالذات وليس لعشرات البلدات الشرعية في الضواحي: لعناية نشطاء اليسار ومن يشجبون سياسة الهويات (بالإشارة  إلى من يعارضون الخطاب الشرقي الجديد).

*الكاتب يكتب تحت اسم مستعار، الاسم الحقيقي محفوظ لدى هيئة التحرير.

المزيد:

“حرب 1967 كرافعة للنمو، عملية السلام كمسببة للأزمة”، دانيئيل دي ملآخ.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.