"مبلا": مكان نستطيع تحريك العالم من خلاله

كيف جرى بأنه لا يوجد لدينا أي جسم يعنى بتمكين النشطاء والتفكير المشترك- رغم أننا نعرف بأنه لا جدوى حقاً من النضال الراديكالي هنا بالمستقبل المرئي؟! “مبلا” مبادرة جديدة تسعى لإقامة بيت للنشطاء والناشطات في القدس.
ميخال هرماتي

 

في الصيف الماضي حظيت بفرصة للمشاركة في دورة للتربية السياسية في اقليم الباسك إلى جانب 20 ناشط وناشطة تقريباً من حركات مختلفة في أمريكا اللاتينية وجنوب أوروبا. وكانت من ضمن هذه الحركات، مثلاً، “حركة الفلاحين الذين لا يملكون أرضاً” (MST) من البرازيل ، “عصائب في ثورة” (pañuelos en rebeldía) من الأرجنتين، واحد الأحزاب المستقلة المركبة للحزب اليساري “بوديموس”(podemos)  في اسبانيا. كانت هناك أيضاً ناشطات من كوبا وفنزويلا يتطوعن في منظمات مجتمعية تمول الحكومة نشاطها. الاستقلالية والتنظيم الذاتي الذي حققته حركة الزاباتيستا في المكسيك تشكل مصدر الهام مركزي لجميع هذه الحركات وغيرها الكثير في أمريكا اللاتينية.

كإسرائيلية، شعرت هناك بالغرابة ولم يكن سبب ذلك السياق المختلف تماماً للنضالات التي تجري هنا بل الشعور بأن الحركات التي تنشط في اطارها بقية المشاركات كانت ملموسة بدرجة كبيرة خلافاً لكافة حركات اليسار في البلاد. جميع المشاركات شعرن بالطبع بأنهن يحاربن طريقة أكبر منهن بعدة أحجام، ان كانت محلية أم عالمية، وبأن حركاتهن ضعيفة جداً، صغيرة جداً أو غير مؤثرة بما فيه الكفاية. مع ذلك، فقد كانت لديهن حركة يستطعن تمثيلها وتقف من ورائها العشرات او المئات من الناس الذين يتعاطفون أو ينشطون من أجلها من خلال منابر مختلفة ومتنوعة. كل هذا دون الحاجة لتسجيل جمعية، تجنيد أموال ودفع أجور: وكذلك دون الحاجة لتسطيح الرسائل، تلطيف الشعارات والمساومة على المبادئ او التوجه نحو اليمين (سياسياً). كان من الطبيعي اذاً بأن أشعر بالغيرة، وأية غيرة.

مكان يسمح للناس بأن يكونوا التغيير الذي يريدونه ويوفر أداة أخرى لإحداث هذا التغيير: حيز لطيف وآمن، مثل البيت، يكون بمثابة النقطة التي نستند عليها والتي نستطيع من خلالها تحريك العالم.

كان أكثر ما يلفت النظر في نشاط هذه الحركات بأنه على الرغم من أنها حاضرة ومتواجدة أكثر بمئة ضعف من أية حركة راديكالية تتواجد في البلاد، فإنها تستثمر كمية ضخمة من مواردها نحو الداخل وليس نحو الخارج: أي بأن الكثير من الطاقة، اذا لم تكن غالبيتها، موجهه لتقوية وتمكين الناشطين والناشطات ومن ثم لإحداث تغيير حقيقي في العالم.

كيف جرى اذاً بأنه لا يوجد لدينا أي جسم يعنى بتمكين النشطاء والتفكير المشترك- رغم أننا نعرف بأنه لا جدوى حقاً من النضال الراديكالي هنا بالمستقبل المرئي؟! أعرف بأن جمعيات كثيرة تقوم بتنظيم دورات هامة حين يتسنى لها، وبأن جمعية “رعوت-صداقة” تعمل مع الفتية والأولاد وبأن بعض النشطاء بادروا إلى مبادرات تربوية لم تعد قائمة اليوم. مع ذلك، فأنا اتسائل لماذا لا يوجد مكان واحد للبالغين، يشكل حيزاً مستقراً، بالإمكان من خلاله تطوير التشبيك والتعليم ومنح النشطاء شعوراً بالأمان والقوة، أو مكان للأناس الذين يحملون فكراً سياسياً ولكن لا فكرة لديهم أين وكيف يبدؤون؟

احد الاجوبة التي خطرت لي بأن النشاط التربوي-السياسي يتم غالباً حول مكان معين، حيز فيزيائي تسيطر عليه الحركات ويصبح بمثابة دفيئة تنمو فيها المبادرات وتنعم بالأمان. مكان كهذا يعود لكل من يأخذ به دوراً، وفيه يتشكل الكامل الذي يكون أكبر من مجمل أجزائه. ولا يعود هذا الكامل لشخص معين بل لجماعة معينة، متغيرة: كامل يمنح مشاركيه شعور القوة الذي ينبع عن قدرة الخلق والمبادرة: كامل تتشكل فيها مجموعات وتتواصل مع غيرها وتولد فيه نشاطات سياسية جدية.

تجربة الدورة والالتقاء بناشطات من الضواحي وشبه الصواخي العالمية هي ما دفعني للانضمام لمبادرة مقدسية تتشكل في هذه الأيام وتحمل اسم “مبلا”. “مبلا” ستكون مقهى، بار، جاليريا، دكان معلومات، مكتبة، قاعة حاضرات، منصة للعرض وكل ما يريدها أعضائها أن تكون. بإمكان كل واحدة أن تكون جزءاً من “مبلا” بشرط واحد- أن تقبل كل الأخريات وأن تتضامن مع نضالهن: فلسطينيين، كويريين، شرقيين، يساريين، نسويات، ناشطات حقوق انسان ورفق بالحيوان، اورثوذكسيين متدينين وعلمانيين ومثليين على تنوعهم.

المحفز الذي يحركنا، نحن الناشطات اللواتي أخذنا على عاتقنا الاستثمار الأولي والمخاطرة بإقامة حيز من هذا النوع من الصفر، مختلف قليلاً. البعض تبحثن عن مكان يتنفسن به في القدس، البعض تردن تغيير النسيج الثقافي للمدينة أما بعضنا الآخر فيهمه اقامة مكان يحث على النشاط الاجتماعي والسياسي. مع ذلك فقد وجدنا قاسماً مشتركاً بإمكانكم أن تقرؤوا عنه هنا. المحفز المركزي من ناحيتي هو ضرورة وجود مكان يمكن ويقوي: مكان يستطيع الناس الذين لم يصبحوا نشطاءا بعد أن يجربوا أخذ المسؤولية والمبادرة: مكان يستطيع النشطاء التعبير عن آرائهم فيه والتعرف إلى نضالات مختلفة ومتنوعة: مكان بالإمكان الاجتماع فيه، الالتقاء والاعتياد على رؤية السياسة، التحدث عنها والتفكير فيها: مكان يسمح للناس بأن يكونوا التغيير الذي يريدونه ويوفر أداة أخرى لإحداث هذا التغيير: حيز لطيف وآمن، مثل البيت، يكون بمثابة النقطة التي نستند عليها والتي نستطيع من خلالها تحريك العالم.

بعد أشهر من الالتئام، التفكير، النقاشات والتحضيرات، نخرج الآن بحملة تجنيد أموال لمساعدتنا على ايقاف “مبلا” على أرجلها، اعطائنا دفعة أولية لنقيم مكاناً يستطيع الاعتماد على مدخولاته في المستقبل. شاركونا في اقامة هذا الحيز- بالطريقة التي ترونها ناسبة. أكثر ما نحتاجه الآن هو بتجنيد الأموال والأناس لكي يحدث هذا حقاً. اذا كنتم تشعرون بأن هذه المبادرة مهمة أو مثيرة- انضموا لنا.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.