"بيوت من الداخل": كوزموبوليتية زائفة في القدس

مشروع “بيوت من الداخل” تحول لورقة توت تسمح باستشعار كوزموبوليتية اوروبية ونسيان الشرق الأوسط مقطع الأوصال الذي نحيى فيه: الغاء الجولات التي كانت مقررة في لفتا ومقبرة مأمن الله يؤكد على تغييب الارث المعماري للفلسطينيين والمسلمين.
يونتان مزراحي

 

تقف في وراء مشروع “بيوت من الداخل” فكرة بسيطة وجميلة: عرض مباني ومواقع معمارية خاصة، عادةً ما تكون مغلقة أمام الزوار، على الجمهور الواسع ومجاناً لكي يتعرف هذا ويثمن التصميم المعماري الراقي وغير المألوف في بيئته الحضرية. ولدت الفكرة في لندن عام 1992، ومن هناك وصلت لمدن كثيرة في العالم، أما في البلاد فتتولى منظمة محلية النشاطات التي تجري في تل أبيب والقدس منذ عام 2007. الحدث الأصلي اقيم بيد منظمة غير حكومية تتيح المجال، على مدى نهاية أسبوع واحدة، لزيارة مباني، شقق، مقابر، حدائق وأقبية تكون مغلقة معظم السنة. هذه السنة، فتحت أبواب 118 موقع أمام الجمهور في نهاية الأسبوع الأخيرة (116 للدقة- عن ذلك بالتفصيل فيما يلي).

مشروع “بيوت من الداخل” في القدس يساهم بالفعل في التربية المعمارية ويسمح بزيارة تشكيلة واسعة جداً من المواقع. ولكن عندما نعاين قائمة المباني التي فتحت أمام الجمهور نجد بأن الكثير منها هي عملياً مباني حكومية، مواقع مسيحية ومباني أقيمت بيد معماريين غربيين خلال القرن ال-19 والقرن ال-20. 7 مواقع فقط تعنى بمدينة القدس الإسلامية: جولتان في متحف الاسلام تتطرقان للمضامين الاسلامية ولكن ليس بالضرورة تلك المتعلقة مباشرةً بحياة المسلمين في القدس: جولة لحي القطمون العربي تركز على بيوت رجال النخبة، السفارات والمباني الدولية في الحي الانتدابي الذي عاش به مسلمون، مسيحيون وآخرون: الجولة التي تجري في عين كرم تشمل مركبات شبيهه وتتقصى أثر قرية عاشت بها عائلات مسلمة ومسيحية متمكنة وصولاً إلى مرحلتها الاسرائيلية التي تلت عام 1948: جولتان في القرية المهجرة لفتا تستعرضان القرية الفلسطينية النموذجية، وتصفان حياة القادمين الجدد من اليمن وكردستان الذي أسكنوا هناك في سنوات الخمسين: الجولة السابعة في اطار المشروع والتي تعني بالميراث الاسلامي كان من المفترض بأن تجري في المقبرة الاسلامية مأمن الله، وهي جولة لجمعية “عيمق شافيه” (التي أقف على رأسها) كانت ثمرة دراسة معمقة للموقع وكتابة دليل حوله. هذه هي الجولة الوحيدة، برأينا، التي تعنى بالحياة اليومية كما تنعكس في عادات الدفن في القدس الاسلامية على مر مئات السنين.

قد  يكون هناك سبب آخر لهذه الحصرية “الإسرائيلية-المسيحية- الغربية”. الحوار المعماري بين إسرائيل والغرب هو جزء جوهري من نظرة إسرائيل إلى نفسها- كدولة غربية تستقي الالهام من الماضي الغربي-الكولونيالي للبلاد.

من ضمن هذه الجولات السبع، تقرر الغاء تلك المتعلقة بخطة ترميم قرية لفتا بضغط من سلطة أراضي إسرائيل، أما الجولة لمقبرة مأمن الله، تحت إرشادي، فألغيت تبعاً لقرار الوزير زئيف الكين: “لا يسعنا أن نتقبل حقيقة وصول تمويل حكومي لشخص يدعي بأن الحفريات الأثرية التي تجري بتمويل الدولة في “مدينة دافيد” وأنفاق “الحائط الغربي” مثلها مثل أنفاق “حماس”، ويشارك ممثل عن المنظمة التي يقف على رأسها بتسجيلات الفيديو التحريضية التي تنشرها الحركة الاسلامية ضد دولة اسرائيل. لهذا، فقد استخدمت “الفيتو” بشكل شخصي وطالبت بإلغاء مشاركة السيد مزراحي في المشروع الممول من قبلنا كمكتب حكومي”.

ادعاءات الكين شعبوية: هو يخرج ضد تصريحات شرعية في أي مجتمع يتقبل اختلاف الرأي وانتقاد الحكومة. قلنا وسنستمر بالقول بأن الحفريات التي تتم بالقرب من الحرم الشريف تشكل تهديداً سياسياً وأمنياً ومشكلة أثرية أكثر من الأنفاق التي تحفر في جنوب البلاد، لأن الحرم والبلدة القديمة في القدس هي مواقع حساسة سياسياً بشكل خاص. لا بد من الاشارة هنا أيضاً بأن التمويل الذي يتحدث عنه الكين يقتصر على مشروع “بيوت من الداخل” ولا يشمل “عيمق شافيه”- المنظمة التي لا تحصل على أي تمويل حكومي بل ساهمت في الجولة من أموالها وطاقمها.

من ضمن ال-116 جولة ونشاط اذاً بقيت خمس فقط تتعلق بالقدس الإسلامية، وتركز هذه، كما ذكرت سابقاً، على جوانب عامة للإسلام او على أسلوب حياة نخبة غنية ومثقفة سكنت في بيوت فخمة وخلقت مزجاً مشوقاً بين الشرق والغرب. ولهذا، فإن المشاركون بنشاطات “بيوت من الداخل” يحصلون بالنتيجة على انطباع محدد جداً عن ماضي وحاضر القدس: نظرة يسيطر عليها الغرب من ناحية معمارية وثقافية. أما النسيج المعماري الذي يميز المتدينين الأورثوذكسيين أو الفلسطينيين في شرقي القدس- ان كان الحديث عن بيوت خاصة أم عن مباني دينية- فيغيب عن المشروع تماماً.

لكي لا نظلم منظمي المشروع، لا بد أن نوضح هنا بأن هاتين المجموعتين، ونظراً لأسباب كثيرة، تفضلان عدم الارتباط بنشاطات من هذا النوع، ومن الأسهل بكثير الحصول على تعاون من مؤسسات وأصحاب بيوت إسرائيليين ومسيحيين. ولكن قد  يكون هناك سبب آخر لهذه الحصرية “الإسرائيلية-المسيحية- الغربية”. الحوار المعماري بين إسرائيل والغرب هو جزء جوهري من نظرة إسرائيل إلى نفسها- كدولة غربية تستقي الالهام من الماضي الغربي-الكولونيالي للبلاد. وعليه، فإن الزيارات التي تتم في اطار “بيوت من الداخل” تسمح باستشعار كوزموبوليتية اوروبية ونسيان الشرق الأوسط مقطع الأوصال الذي نحيى فيه. المشروع يدعو المشاركين للنظر إلى أنفسهم كمتنورين، ليبرالين، متذوقين للفن المعماري والتصميم  ومتقبلين للآخر (المسيحي) بينما يمحو الصراع المستمر بين الإسرائيليين والفلسطينيين ويغيب الارث المعماري للفلسطينيين والمسلمين. هكذا، بقصد أو بلا قصد، تحول المشروع لورقة توت تغطي على الواقع التمييزي والعنيف لتخلق أجواءاً “طبيعية” ومتحضرة: واقعاً متخيلاً يشجع السياحة والصورة الحضرية الزائفة التي تخفي الحواجز الفيزيائية والثقافية.

جولة “عيمق شافيه” في مقبرة مأمن الله كان من المفترض بأن تساهم ولو بالقليل في “جسر الهوة” بين كمية المواقع الإسرائيلية والمسيحية، من جهة، والإسلامية، من جهة أخرى. اجراء هذه الجولة، بنظرنا، هو مصلحة هامة لمنظمي “بيوت من الداخل” ولكننا فوجئنا بأن التعددية الظاهرية حتى تشكل تهديداً على المؤسسات الحكومية المساهمة في المشروع.

على ما يبدو، فان كراهية “عيمق شافيه” تختلط هنا مع النفور من الماضي والحاضر الاسلامي للقدس. فيما يلي تعليق، غير نادر بالمرة، كتب على صفحتنا على الفيسبوك بالأيام الأخيرة:

“لماذا يجب أن يزور اليهود مقبرة إسلامية؟ هل انتهيتم من زيارة كل المقابر المسيحية، اليهودية، الدرزية..؟ على الأقل قولوا بصراحة بأنكم تخدمون اللاساميين كارهي إسرائيل وبتمويل منهم. أنتم “المجلس اليهودي” الجديد (المؤسسة التي كانت تتوسط بين الحكم النازي واليهود).”

المنظمة التي تحاول تحرير الأثريات الاسرائيلية من حاجتها لإثبات الملكية الاثنية على البلاد تعتبر منظمة خونة يجب شجبها بأشد الكلمات. من المثير بأن المعقب لا يعتبر العرب ساميين- ففي الحرب، كما بالحرب، يجب الاصطفاف بمعسكرات: الغرب ضد الاسلام.

يبدو بأن هناك الكثيرون في القدس اليوم ممن يفضلون التجاهل وإنكار الارث الرفيع للقدس الاسلامية ولكن حتى اذا ما احتضنا الارث المعماري الغربي بأقوى ما اوتينا، فإن الوجود المعماري والثقافي للفترة الاسلامية غير قابل للمحو، ونحن الذين لا نقدر على التمتع به، قبوله والتعلم منه.

عالم آثار ومدير عام منظمة “عيمق شافيه”. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.