أفظع أيام الكينونة الإسرائيلية

لا أقترح هنا النظر إلى رابين بصورة مثالية إنما فهم الخطوات التي قام بها لبناء قوة سياسية لمعسكر السلام، فهم ملابسات مقتله وانعكاساتها المستمرة حتى يومنا هذا. يبدو لي بأن كل هذه تبقى، للأسف، خارج الخطاب العام.
لف جرينبرج

 

في أفظع أيام الكينونة الإسرائيلية أشعر دائماً بالاغتراب والغضب: الأيام الفظيعة التي تقع بين الثاني عشر من حشوان والرابع من نوفمبر، بين اليوم الذي تجري فيه الطقوس الرسمية لذكرى وفاة رئيس الحكومة السابق بالتاريخ العبري وبين التاريخ العالمي لمقتله: اغتراب وغضب تجاه الخطاب الذي يتجاهل كلياً المشروع السياسي لرابين نفسه، الرجل الحقيقي، وليس نتاج المواجهة بين اليسار واليمين. هل سمع أحد رابين يسمي نفسه “يساراً” أو يتحدث عن كونه جزءاً من “معسكر اليسار”؟ هل قام بمهاجمة “اليمين” كله أم مركباته المتطرفة؟

الخطاب الذي يجري في هذه الأيام الفظيعة والذي يركز على “اليسار-يمين” يمحو الذاكرة السياسية لمصنع رابين الذي كان سبب مقتله. عملية التفكيك هذه تمت بسرعة كبيرة وما زالت على حالها حتى اللحظة. حيث بدأت هذه مع احياء ذكرى وفاته بالتاريخ العبري (بمبادرة “ميرتس”!)، الأمر الذي شطب حق المواطنين غير اليهود بالحداد عليه وكذلك المعاني الاقليمية والدولية لقطع عملية أوسلو. فقط نحن “شعب واحد”، هذا النحن الذي ينغلق على نفسه وينبذ العرب، الفلسطينيين والدول المجاورة بالطبع. هذا المعسكر هو الذي أراد رابين تفكيكه بالضبط بواسطة اشراك “الجبهة” و”القائمة العربية الموحدة” في قاعدة الدعم التي تحظى بها حكومته- حتى لو لم يكن ذلك عن طريق اشراكهم في الحكومة فقد وقع معهم على اتفاقية ائتلافية. هذه الخطوة وقفت في قلب الهجوم على حكومته والإعدام الجماهيري الذي اقترف بحقه أمام أعين نتنياهو وشارون المغلقة: نواب الليكود الذين رؤوا وعلقوا على ذلك، مثل دافيد ليفي ودان مريدور، تم الالقاء بهم من على المنصة. عملية الاعدام هذه لم تشمل فقط صورة رابين بالكوفية (الفلسطينية) التي انتشرت في حينه بل كذلك خطابات اتهمته بالعمل لصالح منظمة التحرير والفلسطينيين والشعار الذي ادعى بأنه “لا يملك صلاحية”. صلاحية من قبل من؟ من قبل اليهود، “الشعب الواحد والدولة الواحدة”، لأنه يشرك “العرب” في التحالف الذي يدعمه.

حزب “العمل”، بمساعدة فعالة من “ميرتس”، عاد إلى خطاب اليسار-يمين وإلى اقصاء “شاس” والعرب عن المعسكر: وعدوا “بمواصلة دربه” وعادوا بقوة لنفس الثنائية اللاسياسية التي تؤدي إلى هزيمة معسكر اليسار لأسباب “ديمغرافية”.

عندما سأل في ذلك المساء قبيل المظاهرة التي قتل خلالها ان كانت لديه صلاحية للتنازل على أراضي بدعم من العرب، أجاب بأن هذا “السؤال عنصري”. ليس الادعاء هو العنصري بل مجرد السؤال والاستئناف على حق المواطنين العرب في أن يكونوا جزءاً من العملية السياسية. وماذا يوجد لدينا منذ مقتله؟ فقط عنصرية، من اليمين ومن اليسار. مجرد استخدام الكلمات يمين ويسار يقصي المواطنين العرب عن الخارطة السياسية فالعرب ليسوا يميناً ولا يساراً، كما هو معروف، بل عرب. اليسار تبنى الخطاب العنصري لمعارضي رابين ومؤيدي القتل، وتكافل من حول الاجماع القائل بأن على الائتلاف أن يكون يهودياً خالصاً، ذلك كعبرة سياسية استخلصت في أعقاب القتل. وعليه، فليس فقط نتنياهو بل كذلك براك، الذي وعد بمواصلة درب رابين، أقام حكومة مع “المفدال”، أكثر حزب متطرف ضد أوسلو.

سعى رابين إلى تفكيك خطاب اليسار-يمين، وبالذات عندما نجح قتل، لأنه نجح. ومباشرةً بعد مقتله عاد مؤيدوه لخطاب اليسار-يمين. حاول رابين جاهداً تعريف معسكره ك”معسكر السلام”، وتعريف الصراع السياسي بين مؤيدي السلام ومعارضيه. بين المؤيدون كان هناك رجال يمين ممن أيدوا أوسلو وكذلك فلسطينيين كان له معهم حديث، وعلى رأسهم عرفات. من يتحدث بهذه المصطلحات اليوم؟ بين معارضي السلام كان هناك المتطرفون من مجلس المستوطنات “يشاع”، “المفدال” و”الليكود” وكذلك “حماس” وغيرها ممن توجب على الشريك الفلسطيني الساعي للسلام العمل على كبحها: عندما خرج متطرفون بمظاهرات “الموت للعرب” بعد العمليات التفجيرية، واستخدم نتنياهو هذه الأحداث لمهاجمة أوسلو، اتهمهم رابين بالتعاون الخفي مع “حماس”.

البنائية السياسية لرابين شملت كذلك تفكيك “معسكر اليمين” الذي يمثل الشرقية، الدين والضواحي المهمشة. لهذا فقد أقام تحالفاُ مع الحاخام عوفديا يوسف و”شاس”: اشراك “شاس” وقائدها أرييه درعي لم يكن ضرورياً لتشكيل أغلبية (فقد كان هناك 61 نائب مؤيد بدونهم) انما لتشكيل شرعية للحكومة وتفكيك التصويرة الرمزية لليمين لأن “شاس” حزب متدين كذلك ولأنه صوت الشرقيين في الضواحي. ليست صدفة بأن رابين رفض المظاهرات المؤيدة له حتى الرابع من نوفمبر: فهو لم يرد أن يرى مظاهرات “لليساريين” بل أراد بأن يأتي إلى الميدان ويتحدث من على المصنة من يضعون “الكيباه” كذلك، وأعضاء “الليكود” والشرقيين إلى جانب العرب. أما في الرابع من نوفمبر، بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو ب وتصاعد عملية الاعدام الجماهيري بحقه، فقد وافق على القدوم إلى المظاهرة بعد أن اقتنع بأن جميع هؤلاء سيأتون إلى الميدان، وأتوا بالفعل.

وماذا تبقى من طموح رابين للمصالحة وتغيير سلم الأولويات؟ ماذا تبقى من تغيير الخارطة السياسية وتفكيك المعسكرات القبلية الديمغرافية؟ لا شيء. تم محو الطريق السياسية لرابين بالتعاون ما بين رؤساء “اليمين-يسار”.

حزب “العمل”، بمساعدة فعالة من “ميرتس”، عاد إلى خطاب اليسار-يمين وإلى اقصاء “شاس” والعرب عن المعسكر: وعدوا “بمواصلة دربه” وعادوا بقوة لنفس الثنائية اللاسياسية التي تؤدي إلى هزيمة معسكر اليسار لأسباب “ديمغرافية”. فليس الموقف السياسي هو الذي يتجسد في عملية التصويت بل الانتماء القبلي، الكبير (يسار-يمين) أو الهوياتي المحدد للأشكنازيين، الشرقيين، العرب، الروس، المتدينين الأرثوذكسيين، المتدينين القوميين والخ. أي بأن كل شخص ملزم بالوفاء لهوية “أناس مثلنا” أما النقاش حول ضائقات إسرائيل والطريق للخروج منها فيبقى جانباً.

وهكذا انتقلت السياسية الإسرائيلية، من ناحية مواقفها، إلى اليمين السياسي (خلافاُ للوسم القبلي “نحن اليسار”) فإذا كان المنتصر الديمغرافي هو اليمين، علينا تقليده لكي نبدو مثله. المعسكرات القبلية تتميز بالكراهية والخوف من الآخر: هكذا، يخاف “اليمين” ويكره العرب و”محبيهم” أما “اليسار” فيخاف ويكره المتدينين الأرثوذكسيين وواضعي “الكيباه” المنسوجة بينما يعتمد الممركز على تبني مخاوف وكراهيات الجميع فإذا لم تكن الخارطة تعتمد على المواقف فعلى المركز كذلك بأن يكون قبلياً. ما يضيفه المركز بأن القائد هو مصدر استقطاب الأصوات وهو الذي يسيطر بشكل دكتاتوري على حزبه لكي تكون لديه حرية للمناورة والتعاقد مع من يريد بعد الانتخابات (انظروا لابيد، كحلون، شارون، لفني، ليبرمان). بهذا المعنى فقد قام آفي جباي، بالخطوات التي اتخذها، بتحويل “المعسكر الصهيوني” لحزب مركز.

وماذا تبقى من طموح رابين للمصالحة وتغيير سلم الأولويات؟ ماذا تبقى من تغيير الخارطة السياسية وتفكيك المعسكرات القبلية الديمغرافية؟ لا شيء. تم محو الطريق السياسية لرابين بالتعاون ما بين رؤساء “اليمين-يسار”. لا أقترح هنا النظر إلى رابين بصورة مثالية فقد كرس هذا خلال حياته قوة إسرائيل على الجيش، كان قائد القوات العامة للاحتلال ومؤسسه في 1967، وأمر الجنود، عندما أشغل منصب وزير الأمن، بتكسير عظام الفلسطينيين في الانتفاضة الأولى. الخطوات التي قام بها في اطار أوسلو كانت اشكالية هي الأخرى: فقد نظر إلى عرفات بالأساس كشريك لقمع “حماس”، وبمعنى معين كمتعاون سوف يقبل بالتسوية في المستقبل ويوافق على التنازل عن القدس والكتل الاستيطانية- وإذا لم يتنازل فسيبقى حاكماً لرام الله. وعليه، ليس من المؤكد بأن خطط رابين لم تكن لتتفجر بواقع الحال في الانتفاضة الثانية. لكن ما أحاول طرحه هو فهم الخطوات التي قام بها رابين لبناء قوة سياسية لمعسكر السلام، فهم ملابسات مقتله، وانعكاساتها المستمرة حتى يومنا هذا. يبدو لي بأن كل هذه تبقى، للأسف، خارج الخطاب العام.

سوسيولوجي سياسي من جامعة بن غوريون. 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.