حان الوقت لمناقشة حق العودة بشكل جدي

. الاحتمال بأن يتنازل الفلسطينيون عن أكثر مركب جوهري في هويتهم يشبه الاحتمال بأن يستفيق الملايين من هويتهم الإسرائيلية و”يعودوا” للبلاد التي هاجر منها أجدادهم وجدادتهم. هذين الوهمين كلاهما خطيرين لأنهما غير واقعيين.  
توم بيساح

 

عودة اللاجئين بالنسبة لملايين الفلسطينيين في العالم هي قضية أساسية، ربما أهم شرط لحل الصراع، ولكنها تطفو على سطح النقاش العام الإسرائيلي فقط بشكل متقطع، دون أن يتم التعامل معها بشكل جدي. هنا، في موقع “اللسعة” (العبري)، نشرت مؤخراً وثائق هامة من أرشيف الدولة حول نقل ممتلكات اللاجئين لحارس أملاك الغائبين أما من على صفحات جريدة “هآرتس” فقد دار في الأسابيع الأخيرة جدل بمسألة تعامل دولة إسرائيل المطلوب مع حق العودة. المشاركون في هذا الجدل جاؤوا من مواقع مختلفة في الخارطة السياسية: رئيف بنيامين بيجن الذي كان شريكاً في حكومة نتنياهو: شؤولي أريئيلي الذي ترشح للكنيست ضمن قائمة “ميرتس” وحارب لسنوات من أجل كشف الظلم الذي تسببت به اقامة الجدار العازل: اوري افنيري، من مؤسسي “كتلة السلام” ومن تجرأ على الالتقاء بياسر عرفات في أوج حرب لبنان الأولى: أما شلومو زند فهو أكاديمي مثير للجدل يطمح إلى تحطيم الأساطير فيما يتعلق بالاستمرارية البيولوجية للشعب اليهودي.

على الرغم من هذا التنوع الواسع ظاهرياً والجرأة التي أبداها غالبية الكتاب في خروجهم عن الاجماع الجماهيري، كان من المثير بأن كافة المشاركون في النقاش يتفقون فيما بينهم بشكل أساسي: بجين “متشائم” بخصوص السلام لأنه لا يعتقد بأن الفلسطينيين سيتنازلون عن حق العودة: أريئيلي يقترح لجم “التهديد الديمغرافي على هوية دولة إسرائيل اليهودية” بواسطة التعويضات والتوطين بدول ثالثة: زند يقترح تقديم تعويضات للفلسطينيين على أساس الاعتراف بأن “هذا الحق يتعارض مع الطابع الثقافي واللغوي السائد في إسرائيل، ومع مجرد وجودها حتى”: أما أفنيري فيقترح استيعاب كم محدود من اللاجئين على افتراض بأن “أحداً لا يتوقع من دولة إسرائيل بأن تنتحر وتوافق على استقبال ملايين اللاجئين”.

 الإسرائيليون يكررون في المدارس نص وثيقة الاستقلال في البلاد التي تشكلت فيها الصبغة الروحانية للشعب اليهودي قبل ألفي سنة. وعليه، فليس بإمكانهم أن يتوقعوا بأن تتبخر الهوية القومية لشعب طرد من أرضه فقط قبل سبعين سنة بشكل فجائي لتسهل على التوصل إلى اتفاق.

النقاش حول حق العودة، كما يبدو، يبقى حبيس شعارات عن “الانتحار” و”التهديد الديمغرافي” التي يمليها حكم فزع من الحل الحقيقي للصراع ومن التغييرات الواسعة التي سيتطلبها ذلك. ألم يحن الوقت لاستبدال هذه الشعارات بنقاش جدي؟

فيما يلي بعض الحقائق الأساسية حول حق العودة الذي يطالب به ملايين الفلسطينيين كشرط للسلام:

الهوية الفلسطينية التي تشكلت في البلاد هي هوية محلية بدرجة كبيرة. عائلة الخالدي، مثلاً، سكنت في القدس منذ العصور الوسطى حيث يدفن هناك أجداد أجدادها. الهوية المحلية تنطوي على تقاليد محددة- لهجة خاصة، ألبسة، مأكولات، نباتات من المتبع قطفها، وشعور ينبثق عن العيش على أرض سكنت فيها عائلتك منذ أجيال وأجيال. هذه الهوية المحلية ليست بمثابة وهم عابر. اللاجئون الذين يمكثون منذ عشرات السنوات في الضفة الغربية، غزة، لبنان والولايات المتحدة يحافظون حتى الآن على هذه الهوية المحلية، ولهذا فإن توطينهم من جديد في هوامش رام الله لن يسمح لهم بممارسة هويتهم وحقوقهم. الإسرائيليون يكررون في المدارس نص وثيقة الاستقلال في البلاد التي تشكلت فيها الصبغة الروحانية للشعب اليهودي قبل ألفي سنة. وعليه، فليس بإمكانهم أن يتوقعوا بأن تتبخر الهوية القومية لشعب طرد من أرضه فقط قبل سبعين سنة بشكل فجائي لتسهل على التوصل إلى اتفاق. الاحتمال بأن يتنازل الفلسطينيون عن أكثر مركب جوهري في هويتهم يشبه الاحتمال بأن يستفيق الملايين من هويتهم الإسرائيلية و”يعودوا” للبلاد التي هاجر منها أجدادهم وجدادتهم. هذين الوهمين كلاهما خطيرين لأنهما غير واقعيين.

عالم الجغرافيا الفلسطيني سلمان أبو ستة، الذي يذكره أفنيري في مقاله، وجد بأن 85% من مناطق دولة إسرائيل التي يطالب اللاجئون بالعودة لها هي أراضي غير مأهولة بكثرة (وصل عدد هؤلاء السكان، بتقديره، عام 1994 حوالي المئة ألف إسرائيلي في البلدات المعزولة). غالبية مواقع القرى المهجرة أصبحت متنزهات وأراضي زراعية، وتشمل هذه قرى أصبح سكانها لاجئون داخليون، من مواطني دولة إسرائيل. وفق استطلاع أجراه معهد سميت ونشر مؤخراً على “القناة الاجتماعية”، فإن أكثر من ربع السكان اليهود في الجليل لا يمانعون عدوة اللاجئين لهذه المناطق ما دام لا يسكن فيها يهود اليوم.

أقلية من اللاجئين فقط تطالب بالعودة لمناطق بلدية مأهولة بالسكان اليهود بكثرة. في غالبية هذه المناطق، تم هدم البيوت الأصلية ولا مانع بأن يسكن العائدين بأية منطقة إلى جانب السكان الحاليين، تماماً كما يسكن اليوم اليهود والعرب في مدن مثل حيفا. أما فيما يتعلق بالحالات الأقل، حيث ما زالت البيوت الأصلية قائمة، فقد قامت المنظمة الإسرائيلية “ذاكرات” ومنظمة حقوق اللاجئين الفلسطينيين “بديل” بصياغة مخطط مشترك لحلول قانونية: هذا المخطط يوجه الأصحاب الأصليين والسكان الحاليين لإيجاد تسوية متفق عليها،  ومن الجدير بأن يحصل على انتباه جماهيري أكبر مما حصلت عليه حتى اليوم.

جمعية “ذاكرات”، بالشراكة مع جمعية “بلدنا”، “المؤسسة العربية لحقوق الانسان” و”لجنة المهجرين الداخليين”، قامت  بتطوير نماذج مختلفة للتخطيط للعودة، ليس ك”انتحار”، كما قال أفنيري، بل كمشاريع تخطيطية عملية توفر حلولاً سكنية دون التسبب بعمليات اقتلاع جديدة. بكلمات أخرى، فهي تقترح الأمل.

بعد سبعون سنة من طرد مئات آلاف السكان الفلسطينيين بالعنف، حان الوقت لإصلاح الظلم والسماح لكل من يريدون ذلك بالعودة إلى وطنهم كمواطنين متساويي الحقوق مع احترام حقوق وهوية كافة السكان الحاليين.

سوسيولوجي وناشط اجتماعي، عضو الهيئة الادارية لمنظمة “ذاكرات”. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.