هل تلفّق النساء التُهم الجنسية بحق الرجال؟

تغيّب النساء الفلسطينيات الناجيات عنوة عن موجة الكشف عن ثقافة الاعتداءات الجنسية التي نشهدها مؤخراً. ما ساحاول أن ابيّنه هنا بأن تلفيق التهم بالمخالفات الجنسية هو شبه معدوم في المجتمع الفلسطيني بإسرائيل لأن هناك عوامل عديدة تمنع من الناجيات أن يشتكين منذ البداية.
نسرين مصاروة عودة

 

نشهد في الآونة الأخيرة نهضة كبيرة على مستوى الكشف عن ثقافة الاعتداءات الجنسية، ونقول ثقافة لأن موجة الوعي التي نشهدها تكشف عن ثقافة، وليس عن ظاهرة عابرة، تدور بالأساس حول استباحة خصوصيات الناجية[1] عن طريق جسدها الذي يجسّد نقطة ضعفها التي لا يمكنها ان تقامر بها على العلن- ليتم انتهاك الجسد والروح بالخفية. لا تكمن أهمية كشف هذه الاعتداءات في “فضح” المعتدي انما في “كشف” الثقافة لدعم كل من لا يزلن عالقات في عتمة الاعتداء، وأيضا لتحريك المجتمع كمجموعة مسؤولة.

نبارك بالطبع خروج الناجيات من قوقعة العار والجَلد الذاتي، ونشد على يد كل من تجازف بأكثر ذكرياتها مرارة لتلوّح بها بكل شجاعة، بكل ما يعني الأمر من ثمن اجتماعي. بيد أن خطأنا في التعامل مع هذه الثقافة اننا نبدأ دائما بسؤال: “شو راح يصير فيه اذا طلعت كذابة؟”، ذلك بدلاً من أن نسأل السؤال الأهم والذي سيتطلب منا جميعاً التزاماً أخلاقياً وموقفاً أكثر صلابة وهو: “شو صار فيها كل هالفترة؟”. أي قَلب القضية لصراع جندري ما بين “الرجل” كمعتدي و”المرأة” كضحية”، ومن ثم غياب الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه هذه الثقافة كما لو انها “قصص فردية تحدث في غرف النوم أو في بيوت الدرج بأماكن العمل”. لن أخوض في مثل هذه السراديب المعتمة المغرضة وسأجيب على مثلها بجملة قصيرة: لا أحد ينكر أن هناك اعتداءات على ذكور، في مختلف الأعمار، وهذه للأسف هي الثمرة التي تنتجها شجرة الانكار التي تلف تعاملنا كمجتمع مع ثقافة استباحة وتشييء كل من هو مستضعف. عندما ندحض ثقافة تشييء المرأة واستباحة حرمة وخصوصية الأجساد سنكون قد منعنا الاعتداءات الواقعة بين الذكور أيضاً.

ربما لا حاجة لأن نبتعد كثيراً، فجميعنا رأينا كيف سُحلت النساء المسلمات المحجبات من ثيابهن في ميدان التحرير بمصر. أميل إلى استعمال هذا المثال في كل مرة يجادلني أحد الجهلة حول تورط الناجية بما حدث لها، بالذات عدما يتم الاستناد إلى الدين للصق وصمة العار على كل من لا تلبس الزيّ الشرعي الإسلامي أو الديني بأية ديانة أخرى.

التعامل مع حالات الاعتداء كحالات فردية يعني في غالب الأحيان تذنيب الناجية, واعتماد سياسة “تدفيع الثمن” بحقها وبحق بيئتها، ليس فقط من قبل المعتدي انما من قبل المجتمع ككل الذي يطعن بأخلاق ومصداقية الناجية عن طريق أسئلة مثل: “شو كانت لابسة؟”، “بدها تنتقم منه؟”، “صاحبته؟”، “كنها مطلقة؟” او السؤال الذهبي: “ليش فجأة تذكرت؟”[2].

هذا التوجه المغلوط ليس حكراً على المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل ولا العربي انما هو توجه عام ينتشر في كل دول العالم وينبع من علاقات القوى الذكورية التي بنيت عليها المجتمعات في العصور الغابرة والتي لا تزال تشكّل اساسات مجتمعاتنا “العصرية”. إلا أن هذا التوجّه المعوجّ يحمل ذبذبات هدامة اكبر بكثير على النساء الفلسطينيات داخل إسرائيل، إن كان على المستوى  الفردي، حيث لا تكشف الناجية ما حدث لها، وإن كان على المستوى الجماعي, حيث تصبح الاعتداءات الجنسية ثقافة افقية مغروسة في بيوتنا وشوارعنا ولكننا لا نتكلم عنها لأنها مشكلة الناجية الفردية أصلاً ولا مكان للبت فيها كمشكلة جماعية.

من هنا، تغيّب النساء الفلسطينيات الناجيات عنوة عن موجة الكشف التي نشهدها مؤخراً والتي تكشف عن هذه الثقافة في مرافق عدة، وعلى رأسها الاعلام والسينما، وحالات أخرى كشفت عن اعتداءات داخل العائلة.

هل تلفّق النساء التُهم حول الاعتداءات الجنسية؟

في مقالة نشرت في صحيفة “هآرتس” يوم 4.11.2017، تحت عنوان “دراسة جديدة تبيّن أن الادعاءات الكاذبة ضد الرجال في المخالفات الجنسية هي ظاهرة هامشية”، تم التطرق إلى معطيات اخذت من الشرطة والنيابة العامة ومن قرارات محاكم درستها المحامية عدي عوز، باحثة في مجال القانون والجندر من الجامعة العبرية في القدس، والتي اوصلتها للاستنتاج المذكور في عنوان المقالة- بأن ظاهرة الادعاءات الكاذبة ضد الرجال بموضوع الاعتداء الجنسي هي ظاهرة هامشية.

لا بد من التنويه هنا بأن المعطيات المعتمدة في مقالة عوز لا تتطرق  للمشتكيات الفلسطينيات كمجموعة اثنية مستقلة، ولذلك لا يمكن الاستدلال من هذه الأرقام عن عدد الشكاوى في المجتمع العربي التي تصل للمحكمة او القضايا التي تم اغلاقها بتبرئة المعتدي، الامر الذي يجب دراسته علمياً وبشكل مستقل. لكن لا شك أن النتيجة التي توصلت لها عوز هي نتيجة صحيحة بالنسبة للناجيات الفلسطينيات. بالإضافة إلى ذلك، وهذا ما ساحاول أن ابيّنه في مقالتي هذه- فإن ثقافة تلفيق التهم بالمخالفات الجنسية هي بالحقيقة شبه معدومة في المجتمع الفلسطيني بإسرائيل، ولا حاجة لدقة رقمية في هذا السياق، حيث سأدعي بأن هناك عوامل أخرى تمنع من الناجيات الفلسطينيات أن يشتكين في حالات الاعتداءات الجنسية منذ البداية.

أولاَ- “شو كانت لابسة؟”

هناك أهمية قصوى للتوثيق والدراسة لا سيما لدحض وكسر فرضيات خاطئة مُغرِضة كتلك التي تُذنّب، مباشرةً وبدون فحص، الناجية من الاعتداء الجنسي بسبب طريقة لبسها، سماحها “بتطور الأمور” أو حتى كونها كاذبة وتلفّق الاتهامات للرجل لأنها “تريد منه شيئاً” او “لتنتقم منه”.

ليس سرّا ولا يمكن أن ننكر بأننا سمعنا، ولو لمرة واحدة على الأقل، سؤال يلوّم الضحية ويذنبها بما حدث. لهذا، نرى بأن هناك مبادرات حول العالم تحاول أن تنقل نقطة الانطلاق من تذنيب الضحية لإجرام المعتدي. في عام 2013، على سبيل المثال، قامت جين بروكمان، مديرة مركز منع الاعتداءات الجنسية في جامعة كنساس، مع د.ماري وينت-هايبرت، مركزة برامج التعليم عن بُعد في مركز دراسات الاغتصاب في جامعة اركانزاس الامريكية، بعرض ملابس كانت ترتديها 18 من الناجيات حين تم الاعتداء عليهن، وكانت من ضمنها ملابس رياضية رجالية كانت ترتديها احدى الناجيات او فستاناً لناجية تبلغ من العمر 5 سنوات! مما يدل أن لا علاقة للملابس عندما تقع الناجية في مخالب المعتدي.

ربما لا حاجة لأن نبتعد كثيراً، فجميعنا رأينا كيف سُحلت النساء المسلمات المحجبات من ثيابهن في ميدان التحرير بمصر. أميل إلى استعمال هذا المثال في كل مرة يجادلني أحد الجهلة حول تورط الناجية بما حدث لها، بالذات عندما يتم الاستناد إلى الدين للصق وصمة العار على كل من لا تلبس الزيّ الشرعي الإسلامي أو الديني بأية ديانة أخرى.

تجاهل حقيقة الاعتداء الجنسي على النساء أو على كل من يمكن استضعافه هو مرض متفشي لا يمكننا أن نغض الابصار عنه. فالمجتمع المسؤول والناضج يقوم بدايةً بالاعتراف، الاعتذار واحتواء كل من نجوا من اعتداء جنسي: بهذه الطريقة، يتم تسليط الضوء على الناجية، كقصة نجاة، وليس تجنباً لالقاء اللوم على الجاني ومعاقبته.

23635377_543237319361885_1069128667_n

ثانياً- تلفيق التهم ليس حِكراً على المخالفات الجنسية ضد الرجال

الأسوأ من تذنيب ولوم الناجية بما حدث هو التشكيك بوقوع الاعتداء اصلاً، والافتراض بشكل اوتوماتيكي أن ما يقال هو “تلفّيق” ضد المعتدي لغاية في نفس يعقوب.

مجرد هذا التشكيك هو تجاهل تام لتجربة مدمرة لها تأثيرات نفسية وجسدية بعيدة المدى على من مرّت باعتداء جنسي،, الأمر الذي يتسبب، بشكل منفصل عن تجربة الاعتداء ذاتها، بضعضعة نفسية الناجية اكثر. النجاة من اعتداء جنسي، مهما كان طفيفاً،  تعني ان هناك حاجة لإعادة تأهيل عميق لجسد ونفس الناجية، وهي السيرورة التي قد تستغرق سنيناً طوال. أما التنكّر لما مرّت به الناجية فيؤدي أحياناً لضرر جسيم في نفسية الناجية قد يتسبب بدوره بأمراض نفسية مزمنة وفي بعض الحالات بانتحار الناجية.

يبقى الاحتمال في تلفيق التهم والكذب حول وقوع اعتداء جنسي وارداً، ولا ادعي هنا بان كل من تصارح بقصة اعتداء جنسي تكون صادقة دائماً. لكن هذا الامر جائز بكل مخالفة واعتداء، على اختلاف أنواعها. في أي طرفان بينهما خلاف، ممكن ان يكذب احدهما او حتى كلاهما لغرض كسب القضية او الخلاف. من هنا ينبع تساؤل آخر: هل هذا شائع اكثر في مجال الاعتداءات الجنسية؟

يصعب على المجتمع “هضم” من ترفض التعريف عن نفسها ك”ضحية” وتعرَف نفسها كناجية، وتحاول أن تتخطّى ما مرت به بطريقة غير مألوفة. المجتمع يشترط تضامنه بإبقاء الضحية ضحية، مهزوزة، ضعيفة، تتلاءم مع توقعاته مِمن مرّت باعتداء جنسي.

الإجابة على هذا السؤال هي: لا. فقد قامت المحامية يعراه شاحف بالتوجه لوزارة العدل، استناداً إلى قانون حق الجمهور بالمعرفة، لتلقي معلومات حول قضايا تلفيق قدمت للمحاكم بين العامين 2012 و-2014. وفقاً للمعلومات التي تلقتها، فقد قدمت 182 قضية تلفيق في تلك الاعوام، منها 173 قضية ضد رجال قاموا بتلفيق تهمة معينة لغيرهم، و-9 نساء فقط. بالإضافة إلى ذلك، تقول المحامية عدي عوز في دراستها، بعد أن قامت بدراسة 231 قراراً لمحاكم مركزية وللمحكمة العليا الإسرائيلية في قضايا اغتصاب، انه تمت تبرئة المتهم في 23 حالة فقط. التبرئة، وفقا لعوز، لم تمنح بسبب تلفيق التهمة ضد المتهم، وتمت في 10 حالات فقط اثر تلميح القضاة بأن المشتكية لم تقل الحقيقة.

ثم ان مستوى الاثبات في القانون الجنائي يعتبر أعلى من القانون المدني، مما يصعب أحياناً على النيابة العامة اثبات التهمة ضد المتهم دون وجود “شك معقول” كما يتطلب القانون الجنائي. ومن الواضح بأن هذا لا ينتقص من صحة شهادة المشتكية، وبأحيان كثيرة لا علاقة له بشهادتها أصلاً.

في المعطيات التي تلقتها المحامية شاحف او حتى القضايا التي درستها المحامية عوز، لم يتم التطرق لصعوبة تلفيق التهم لدى الفلسطينيات اللواتي يعانين أصلاً من الغياب التام من ناحيتهن لجهاز الشرطة والقضاء الإسرائيليين. فالتوجه لجهاز الشرطة الإسرائيلي هو بمثابة المرور مجدداً بتجربة الاعتداء من ناحية الناجية، بكل ما تحمله التجربة من أسى. كم بالحري حين يتطلب ذلك من الضحية استعادة هذه الذكريات بلغة ليست لغتها- لشح المحققات والمترجمات للغة العربية في الشرطة- لا سيما في ظل العلاقة المركبة سياسياً مع هذا الجهاز المحتل.

بإختصار، نحن لا ندعي بأن كل قصة اعتداء قد حدثت فعلاً لكن ما سوق أعلاه يبين، ولو قليلاً، لماذا يكون من شبه المستحيل بأن تلفق النساء الفلسطينيات تهماً جنسية ضد الرجال. لهذا، فمن غير المعقول بأن يتحول النقاش أحياناً من سؤال “كيف نحتوي ونعالج ثقافة الاعتداء” إلى “كيف نثبت أن هذه التهمة لفقّت ولم تحدث أصلاً”.

ثالثاً- نمذجة الضحية واشتراط التضامن

لكي تقوم احداهن بتلفيق تهمة ضد أي كان، فيجب أن تكون لديها “مصلحة” أولاً في تلفيق تلك التهمة. كما من المفترض بأن تشعر بالثقة تجاه الجهاز الذي تود استخدامه وتكريسه لمصلحتها. في حالة الناجيات العربيات اللواتي نجين فعلاً من اعتداء جنسي، فهنّ يفتقرن لهذين العاملين، ولهذا لا تكشف حوادث الاعتداء الجنسي التي حدثت فعلاً في معظم الأحيان فكم بالحريّ الحوادث الخرافية التي لا تمت للحقيقة بصلة. وفي حين تطرقت سابقاً لانعدام الثقة بجهازي الشرطة والقضاء الإسرائيليين، سوف أتطرق الآن للإشكالية الاجتماعية وهي الأصعب من حيث الناجيات الفلسطينيات.

نحن مجتمع محافظ، لا ريب في ذلك. إن الكشف عن قصة اعتداء جنسي تتطلب من الناجية أن تكشف نفسها، أولاً، لذكريات من الطبيعي انها تودّ أن تمحوها من ذاكرتها، ومن ثم فإنها تكشف نفسها لجملة من الأسئلة الطاعنة بأخلاقها، كما ذكرت سابقاً. الناجية لا تعرّض نفسها فقط للجلد الاجتماعي بل انها تفتح جبهة جَلد جماعية لعائلتها، لأولادها، لأنساها ولكل من يعرفها.

لذلك، ومع كل الألم، فلا زلنا حتى اليوم، نحن الناشطات والناشطين، الحقوقيات والحقوقيين، نعمل على تعزيز الناجيات لكي يشاركن بما مررن به ويشفين من الم الاعتداء بالدرجة الأولى ذلك قبل أن تقدم أية شكوى. لا زلنا بالحلقة الأولى من مسلسل طويل يلازم الناجية من لحظة انتهاء الاعتداء- ذلك فيما لو لم يكن الاعتداء متواصلاً.

لذلك، فنحن، في مجتمعنا الفلسطيني داخل إسرائيل، نصبو، في احسن الأحوال، إلى الكشف عن قصص اعتداء جنسي حدثت فعلاً، واسماع صوت الناجيات على الملأ لكشف حجم وعمق ثقافة الاعتداء الجنسي. نحن بعيدون جداً من ان نصل لمرحلة تلفيق قصص لم تحدث بأريحية وسهولة.

نحن مجتمع قاسِ، مررنا بنكسة ونكبة مستمرة حتى اليوم. لذلك فإن تضامننا واهتزازنا الداخلي تجاه قضية ما يتطلب ان تمتزج هذه بالدم، بأقل ما يمكن. حيث يصعب على الكثيرين التضامن مع ناجية لا تبكِ حين تحكي قصتها. يصعب على المجتمع “هضم” من ترفض التعريف عن نفسها ك”ضحية” وتعرَف نفسها كناجية، وتحاول أن تتخطّى ما مرت به بطريقة غير مألوفة. المجتمع يشترط تضامنه بإبقاء الضحية ضحية، مهزوزة، ضعيفة، تتلاءم مع توقعاته مِمن مرّت باعتداء جنسي. المجتمع الذي يشكك أصلاً بحدوث أي اعتداء جنسي “دون وجود سبب” من ناحية الناجية، لن يتضامن معها اذا لم تثبت له انها بالحضيض.

هذا هو النفاق الذي ينطبق عليه قول محمود درويش بسياق اخر: “دونية المتعالي وغطرسة الوضيع”. ومن المؤسف ان هذه الغطرسة لا تقتصر على البسطاء انما تأتي أحيانا كثيرة من قبل نشطاء وناشطات وحتى حقوقيات: تهب كثيراً من الاعلام الذي يتباهى بشجاعته لأنه يعنى بشؤون المجتمع المعرّفة ك “تابو” لكنه يسخّر جميع المصطلحات الهدّامة ليبث الذعر حول كشف كل ما يتعلق بثقافة الاعتداءات الجنسية. هكذا حصل مثلاً حين قامت احدى محطات الراديو العربية في البلاد باستضافة احدى الناشطات النسويات حول حملة “وانا أيضا” التي انتشرت على الفيسبوك قبل عدة أسابيع، حيث سألها المذيع: “وهو فش يعني نسويات يحكوا قصتهن، انتوا بتقنعوا النساء تحكي وفش حدا فيكو بحكي؟”. كان يجب ان يُسأل هذا المذيع: “وانتوا فش حدا فيكو زلمة واحد يطلع يعتذر؟” هذا السؤال يعكس لب المشكلة، فهو يفترض بأن النساء النسويات محصّنات من الالم او ربما بأنهن الأنسب لتقديم انفسهن كقرابين أولى.

انا أعارض استعمال شعارات مثل “اليوم هي بكرا اختك” أو “لو انها امك شو كنت بتعمل” لان هذه الشعارات تعمل على مجسّات رجعية أود لو انها تنقرض.

هذه هي نمذجة الناجية التي عليها أن تخوض نضالها بطريقة محسوبة لتفوز بحق التضامن معها. هذا النهج المتعالي مرفوض. تسليط الضوء على الناجية يجب أن ينبع من نيّة لتعزيزها أن تختار طريقتها الخاصة لخوض نضالها، والتي تستحق الدعم مهما كان شكلها، إن كان بتقديم شكوى أو بدون تقديم شكوى. بناء برنامج يتصدى لمثل هذه الثقافة يجب ألا يشترط تقديم قرابين علنية تُبنى على ظهرها سياسات توعوية، فحتى دون الخروج إلى العلن مع قصص “صاخبة” كما تريد الصحافة لكسب “ريتينغ” أعلى، نحن نعرف تماماً ان هناك ثقافة كاملة تنال من بناتنا، نسائنا واطفالنا، في المدارس، الشوارع, والبيوت.

نهايةً، لا شك أن مجتمعا يعيش تحت الاحتلال وفي ظل قضايا صارخة، من تهويد القدس وتهجير النقب ونهب الجليل، لكن من المؤلم جداً أن نرى كيف تتم دحرجة القضايا التي تتعلق بالنساء إلى ذيل قائمة القضايا الصارخة بالنسبة للمجتمع الفلسطيني كما لو أن هناك أولويات.

هذا النهج الذي يُقصي كل ما هو مركّب دينياً واجتماعياً إلى خارج حلبة النضال لأنه يحرج القيادات التي تحتاج لأصوات الناس والتي لا مصلحة لها بإحداث “ضجة” حول مثل هذه المواضيع، فنراها لا تدخل أصلاً بقضايا قتل النساء ولا تشارك بندوات وجلسات تتعلق بموضوع الاعتداءات الجنسية بل وترفض أن تقدم أي رأي بكل ما يتعلق بحقوق النساء المطلقات. كل هذا لسبب واحد “سيبونا من وجع الراس”، وقد يكون الأدق بأن هذه المواضيع “ما بتجيب أصوات”(!).

اقصاء مثل هذه المواضيع هو اقصاء للنساء ولحقهن في تقرير مصيرهن. لا يمكن ان يصعق احد القادة لان جهة حزبية تمنع مشاركة النساء بالمظاهرات بحجة أن هذا “رجعي” ومرفوض لكنه يعتذر كل مرة عن اتخاذ موقف واضح وصريح بقضية قتل النساء على خلفية جندرية.

الرد الأنسب على هذا الواقع هو خلق واقع بديل نرى فيه النساء بمناصب اتخاذ القرار مثل المجالس البلدية، الجمعيات المدنية والشركات التجارية. لكن من غير المنصف أن نطالب النساء فقط ببذل مجهود- مع الاخذ بعين الاعتبار بأن المجهود المطلوب منهن هو مضاعف بأحسن الأحوال- بل يجب معاندة كل من يخجل من فضح قضية اعتداء جنسي من باب العيب وليس من باب أن الناجية لا تود ذلك.

يجب الإجابة بشكل صريح على سؤال ذلك المذيع: عندما يتوقف المجتمع عن صلب ورجم كل من قامت بفتح فاها ضد من اعتدى عليها، وعندما يقوم رجل عربي واحد جريء ويعتذر انه تحرش واعتدى جنسياً، سيكون لديك الحق بمسائلة الناشطات النسويات لماذا لا يتكلمن.

توثيق قصص الاعتداء الجنسي هو بصيص النور في بداية الطريق الطويل. مبادرة “تسكتيش” التي انبثقت عن صوت الشارع وعن أصداء همس الناجيات، شكّلت للكثيرات منبراً حراً وآمناً. تسليط الضوء على قصص الناجيات ينبع أولاً من الحاجة لتعزيزهن على التوقف عن الإحساس بالعار والذنب: تسليط الضوء على الناجية ليس كونها آثمة مشاركة فيما حصل ولا من باب تأليه وتقديس كل من تشارك باعتداء جنسي حصل لها.

علينا أن نكون عادلين منصفين مثلما يصبو كل حر بأن يكون موقفه خالياً من التعالي. معلوماً لنا ان هذه الثقافة منتشرة اكثر بكثير مما ينشر في الاعلام، كما انه معلوماً لدينا أن المعطى العالمي الذي يشير الى أن امرأة من بين كل ثلاث نساء تعرضت للتحرش الجنسي لمرة واحدة على الأقل خلال حياتها ينطبق، بأحسن الأحوال، على مجتمعنا.

انا أعارض استعمال شعارات مثل “اليوم هي بكرا اختك” أو “لو انها امك شو كنت بتعمل” لان هذه الشعارات تعمل على مجسّات رجعية أود لو انها تنقرض. الوعي والعمل المطلوبين في قضية الاعتداء الجنسي عليهما أن ينبعان عن معرفة وإيمان بأن المرأة ليست غرضاً لإشباع الرغبات نتناولها كلما سنحت لنا الفرصة أو كلما رنّ زامور الشهوة. علينا أن نعي بان الاعتداء الجنسي يحدث عندما تُخترق حرمة جسد المرأة التي تحدد هي نفسها فقط ما هي حرمته. أي أن كون الشخص لم يقصد أو “كانت مجرد مزحة” لا يمنع كون هذا التصرف يحدث بدون إرادة المرأة الناجية وكون هذا التصرف اعتداء جنسي ممنوع.

أتمنى لو بأتي اليوم الذي تكون فيه ثقافة الاعتداءات الجنسية كلها هامشية وألا تستنزف مني، كامرأة أولاً وكناشطة وحقوقية في مجال الاعتداء الجنسي ثانياً، كل هذه الموارد العاطفية والفكرية التي كنت سأستثمرها في قضايا مجتمعية أخرى تهمني، ولكن، ما العمل، لا يمكن تجزئة المواقف. لا يمكن تجزئة الايمان بالحريات، ولا يمكن تجزئة الحقوق بتحقيق المصير. كل ما أتمناه أن تحظى الناجيات بقسطاً وفيراً من الثقة بأنهن لسن السبب، وأن يكن للناجيات مرجعاً آمناً في بيوتهن وبلداتهن ليستطعن فيما بعد خوض النضال المشترك لتحرير ما تبقى من الأرض.

 محامية وناشطة 

[1] كل من تم الاعتداء عليهنّ/م جنسيا هن ناجيات وناجين وليسوا ضحايا. تسليط الضوء على قصص النجاة ينبع قصداً من باب تعزيز وتقوية الناجية، واستنكاراً لتسليط الضوء عليها فقط لدى المحاسبة والاتهام كما هو متبع عادة بحالات الاعتداء الجنسي.

[2]  هناك دراسات كاملة حول استعادة الذكريات بعد مرور سنين على الصدمة (“التراوما”)، ولهذا تم تمديد التقادم على المخالفات الجنسية داخل العائلة حتى تبلغ الناجية جيل 28.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.