لا توجد سياسات بلا هوية

بإمكاننا أن نستدل من ثلاثة أحداث سياسية احتلت العناوين بالأسابيع الأخيرة بأنه لا توجد سياسة لا ثقل فيها لسؤال الهوية. انظروا ماذا يحدث عندما تكون هناك محاولات للتعامل بشكل شفاف مع سؤال الهوية: عملياً، يحكم على الفعل السياسي بالفشل أو بالوصول إلى طريق مغلق.
توم مهاجر

 

في كل مرة أقراً ما يكتب عن “سياسات الهوية”، اتسائل إن كانت هناك أصلاً سياسات بلا هوية؟ هل هناك وضعيات اجتماعية لا تنطوي على علاقات قوة تنبع عن المكانة المختلفة للمشاركين فيها؟ مثلاً، احد الأسئلة الجوهرية في السياسة، بنظري، هي سؤال من المتحدث\ة ومن أية منصة ي\تتحدث. بإمكاننا أن نستدل من ثلاثة أحداث سياسية احتلت العناوين بالأسابيع الأخيرة بأنه لا توجد سياسة لا ثقل فيها لسؤال الهوية. انظروا ماذا يحدث عندما تكون هناك محاولات للتعامل بشكل شفاف مع سؤال الهوية: عملياً، يحكم على الفعل السياسي بالفشل أو بالوصول إلى طريق مغلق.

المثال الأول هو حملة #أنا_أيضاً التي انتشرت على شبكة الفيسبوك. تأثير الحملة المثير للانطباع هو مضاعف برأيي: فأولاً، من ناحية تاريخية، تتحدث نساء تم الاعتداء عليهن جنسياً من وجهة نظر جماعية، عابرة للدول، عن الاعتداء وبالأساس عن المعتدي الذي يطالب بدفع ثمن، حتى لو كان جزئياً: أما ثانياً، فإن الحملة تقوم بتغيير قواعد اللعبة للمستقبل بحيث تكون النساء هن من يضعن الحد فيما يتعلق باللغة واللمس، الأمر الذي خضع حتى الآن لقرار ذكوي مطلق (تقريباً). كلنا أمل بأن يكون الفتية والفتيات يتعلمون من هذه الحملة.

“سياسات الهوية” توفر لنا مبدأً توجيهياً  هاماً: يجب أن توجه الجهود لإعطاء صوت لمن يتم اسكاته وإقصائه اجتماعياً، لخلق منابر ومنصات لتعزيز صوته وصياغة رؤيا العدل بواسطته ومن خلاله.

اذا ما عدنا لمسألة “سياسات الهوية”، فهل بالإمكان تصور خطوة ملهمة كهذه دون الحديث عن هوية المتحدثات؟ عن تجربة حياتهن؟ وجهة نظرهن؟ التغيير السياسي منوط كله بمجرد الهوية- علاقات القوة، العنف الذكوري والإسكات طويل الأمد الذي تجرأت النساء على قطعه.

مثال آخر هو قضية منح جائزة بإسم “تحالف القادمين المغربيين في إسرائيل” للدكتور آفي فيكار. دون الخوض في انكار فيكار لاختطاف الآلاف من أبناء وبنات اليمن، الشرق والبلقان، لا يمكن أن نتجاهل كون القوة المحركة للاحتجاج ضد منح الجائزة (ومن أجل اعتراف الدولة بالجريمة عامةً) تأتي من صفوف الشرقيين والشرقيات الذين تقف شهادات العائلات الشرقية عن عمليات الاختطاف في مركز نشاطهم.

في المقابل، لا يمكن أن نتجاهل كذلك بأن القضية لم تدرس بالمرة في اطار الاكاديميا الإسرائيلية. لماذا عملياً؟ أكثر تفسير منطقي لهذا الاخفاق ينبع من الطابع الاشكنازي للأكاديميا في إسرائيل والذي يتسبب بإقصاء الشرقيين. تماماً مثل شهادات النساء اللواتي اسكتن على مدى سنوات على خلفية قوة الرجال (اليكس جلعادي، تومي لابيد، حاييم يفين وغيرهم) في الحلبات المختلفة، هكذا قبرت القوة الأشكنازية في الأكاديميا القضية- ذلك حتى قرر الشرقيون التحدث وقلب الموقف رأساً على عقب.

هنا يكمن، برأيي، الفشل الأخلاقي لمنظمة “نكسر الصمت” في قضية أييلت شاكيد-دين يسسخاروف. مندوبو المنظمة متحمسون لكسر صمتهم من على كل منبر لدرجة أنهم لم ينتبهوا بأنهم يقومون بذلك بإقصاء الفلسطينيين عن الخطاب، أي اقصاء من يعانون عملياً من سيطرتنا العسكرية على الأراضي (المحتلة). صحيح بأن نوايا شاكيد في القضية ليست مهنية وموضوعية بل سياسية ولكن من الذي أعفى المنظمة من التعاطي مع المسؤولية الجنائية للجنود الذين يكسرون الصمت عن أعمالهم؟ يشبه ذلك قيام الرجال بالاعتراف بالعنف الذي مارسوه ضد النساء والتوصل بشكل أحادي الجانب إلى أن الاعتراف كافي لاجتثاث ظاهرة العنف الذكوري المستأصلة. هذا عمل سياسي يتجاهل مكانة الضحية في سيرورة تحقيق العدالة. هكذا، يقوم الطرفان بقضية شاكيد-يسسخاروف بنشر مالانهاية من تسجيلات الفيديو، ارسال التعقيبات والبيانات للصحافة، واجراء المقابلات، بينما لم نسمع حتى الآن القصة الكاملة من الفلسطيني الذي تحول لأداة في نقاش يهودي-داخلي.

لست من كبار المؤمنين ب”توحيد النضالات”، فهناك شيء من الرومانسية والسذاجة في الاعتقاد بأن بإمكان كافة المجموعات المقموعة أن تشبك أيديها وتتجاهل المصالح وعلاقات القوة فيما بينها. مع ذلك، من المهم بأن نتحدث عن أخلاقيات النضال من ناحية الطريقة التي يدار بها، أحياناً حتى قبل المضمون، و”سياسات الهوية” توفر لنا مبدأً توجيهياً  هاماً: يجب أن توجه الجهود لإعطاء صوت لمن يتم اسكاته وإقصائه اجتماعياً، لخلق منابر ومنصات لتعزيز صوته وصياغة رؤيا العدل بواسطته ومن خلاله.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.