"دولتان- وطن واحد": الطريق إلى السلام تمر بدولتين بحدود مفتوحة

نحن نؤيد وجود دولتين في حدود 1967، لكننا نقترح بأن تكون الحدود بينها مفتوحة: بهذه الطريقة، سنعيد بدرجة كبيرة فلسطين للفلسطينيين دون أن نأخذها من اليهود الإسرائيليين. الشراكة بين الدولتين والحدود المشتركة سوف تعتمد على أساس الاعتراف بصلة الشعبين بكل البلاد دون الحاجة لتقطيع اللحم الحي لهذا الوطن المشترك.
أمير فاخوري

 

شيء غريب طرأ على حل الدولتين. من جهة، ينظر اليه منذ حوالي 25 سنة كالطريق الوحيد للتوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: هكذا تتصوره غالبية الجمهور في إسرائيل، بما يشمل جزءاً معتبراً من الوسط-يمين، وهكذا ينظر اليه جزء كبير من الجمهور الفلسطيني، داخل إسرائيل وفي الضفة الغربية وغزة، وبالطبع من المجتمع الدولي. المبادرة السعودية وقرار مجلس الأمن للأمم المتحدة من العام الماضي يشهدان على ذلك بدورهما. ولكن، من جهة أخرى، فرغم الاجماع الكبير عليه، لم يجلب هذا الحل تسوية، حتى أنه بإمكاننا أن نقول أنه أحدث العكس تقريباً.

بإمكاننا أن نندب الوضع أو أن نحاول أن نفهم لماذا لم يجلب هذا الحل النتائج المرجوة. وهذا ما سأحاول فعله هنا.

برأيي، هناك ثلاث أسباب مركزية لهذا الفشل: الأول بأن إسرائيل ببساطة قوية جداً. بعد الانقلابات والثورات التي جرت في العالم العربي، اقتنع جزء معتبر من اليهود الإسرائيليين أكثر بأنه يجدر بهم أن يفضلوا الوضع القائم على التسوية المقترحة. هذا استنتاج منفعي صافي من ناحيتهم، فلا يمكن أن يشرعن أي موقف أخلاقي المصادرة المستمرة لحقوق الانسان والمواطن التي تنبثق عن نظام الابرتهايد في الضفة الغربية.

التفسير الثاني هو بأن الحد الأقصى الإسرائيلي لا يصل للحد الأدنى الفلسطيني. الحد الأدنى من ناحية الفلسطينيين هو دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة في الضفة الغربية وغزة في حدود 1967 بدون المستوطنات والاحتلال الاسرائيلي. لكن إسرائيل غير معنية بإخلاء مستوطنات على مستوى كبير لأنها تخشى من أن تعرض خطوة من هذا النوع وحدة الشعب واستقرار المنظومة السياسية للخطر لدرجة تتدهور فيها الأمور لحرب أهلية. حتى لو افترضنا بأن إسرائيل تكبل نفسها بمسألة المستوطنات عمداً، لا شك بأن هذه تشكل تقييداً لا يمكن تغاضيه.

علينا أن نعترف بأنه في مرحلة ما على مدى مئة عام من الصراع ولد ونمى هنا شعبان، ولهذا فإن هذا هو وطنهم المشترك. من الممكن أن تعتبر هذه ولادة خاطئة من ناحية الفلسطينيين ولكنها ولادة. وعليه، فالحديث بالأساس عن الاعتراف المشروط بإصلاح الظلم دون خلق ظلم جديد.

التفسير الثالث بأنه لا يوجد حماس حقيقي في الجانب الفلسطيني لتسوية الدولتين بصيغتها الحالية: لا يوجد حماس لتسوية تبقي بيد الفلسطينيين خمس وطنهم التاريخي دون اصلاح الظلم الذي وقع عليهم في 1948 بواسطة اعادة اللاجئين إلى أماكنهم. ليس ذلك سراً بأن دعم جزء كبير من الفلسطينيين لحل الدولتين ينبع من الاعتراف بموازين القوى التي تميل لجهة إسرائيل وليس من الاعتراف بحق الخصم. عادةً ما يتم التطرق الى ذلك بواسطة المصطلح المغسول “العدل النسبي” الذي يشكل ثيمة مركزية في الخطاب الفلسطيني. ولكن الحديث عملياً ليس عن عدلاً نسبياً بل عن تعامل صوري مع العدل. التسوية التي تتم بهذه الصورة من الممكن بأن تزيد المرارة والإهانة في صفوف الفلسطينيين.

من الممكن بأن يكون أصعب يوم في تاريخ الشعب الفلسطيني بعد سنة بالذات من توقيع اتفاقية بحسب الصيغة الحالية لتقسيم البلاد لدولتين، ذلك لأنهم سيفهمون عندها بأن الصراع الذي استمر مئة عام أبقاهم مع دولة منقوصة، دون امكانية لتوفير بيت قومي حقيقي لشعبهم ودون أن يرفع الظلم الذي وقع عليهم بحرب 1948. هذا الاحباط بإمكانه أن يحول اتفاقية حل الدولتين لهدنة بين حربين، لا أكثر ولا أقل.

في المقابل، أنشط منذ عام ونصف في حركة اسمها “دولتان – وطن واحد”، حيث نقترح في هذه الحركة الشراكة فيما ينظر اليه الطرفان كوطنهما. لا بد أن أؤكد هنا بأن الغالبية الساحقة من الفلسطينيين لا تستطيع الاعتراف بأن إسرائيل هي “وطن تاريخي” لليهود. ولكن يمكن ويكفي بالتأكيد الاعتراف بالصلة التاريخية للشعبين بهذه البلاد. علينا أن نعترف بأنه في مرحلة ما على مدى مئة عام من الصراع ولد ونمى هنا شعبان، ولهذا فإن هذا هو وطنهم المشترك. من الممكن أن تعتبر هذه ولادة خاطئة من ناحية الفلسطينيين ولكنها ولادة. وعليه، فالحديث بالأساس عن الاعتراف المشروط بإصلاح الظلم دون خلق ظلم جديد.

الاعتراف بالصلة المتبادلة لا يقود بالضرورة لدولة واحدة. هذا الاقتراح غير واقعي، فلا يبدو بأن سيحظى بدعم المجتمع الدولي بالمستقبل القريب ولا بأي دعم جدي داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي الذي يخشى من فقدان الطابع الحالي لدولة إسرائيل.

لهذه الأسباب فنحن نؤيد وجود دولتين، فلسطين وإسرائيل، في حدود 1967، لكننا نقترح بأن تكون الحدود بينها مفتوحة. بهذه الطريقة، سنعيد بدرجة كبيرة فلسطين للفلسطينيين دون أن نأخذها من اليهود الإسرائيليين. الشراكة بين الدولتين والحدود المشتركة سوف تعتمد على أساس الاعتراف بصلة الشعبين بكل البلاد دون الحاجة لتقطيع اللحم الحي لهذا الوطن المشترك بواسطة جدران قبيحة ومقبحة. هذه التسوية ستسمح للاجئين الفلسطينيين بأن يعودوا إلى فلسطين، أن يصبحوا مواطني الدولة الفلسطينية المستقلة وأن يتنقلوا بحرية في أنحاء وطنهم التاريخي، بما يشمل ما يعتبر إسرائيل اليوم.

هذه الشراكة ستسمح للمستوطنين كذلك بأن يبقوا كمقيمين في دولة فلسطين بعد أن يتم تفكيك البنى التحتية الكولونيالية التي بنيت عليها المستوطنات، على أن يتم ذلك دون المس بأصحاب الأراضي الفلسطينيين أو بإقامة دولة قومية فلسطينية قابلة للحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة. نحن لا نستخف بالطبع بكون المستوطنات تشكل جريمة حرب اليوم ولكن في اطار اتفاق شامل وواسع، وخاصة في خضم سيرورة تفكيك الاستعمار، من الممكن بأن يتحول المستوطنين والمستوطنات لمسألة بالإمكان تسويتها.

الفلسطينيون والإسرائيليون، اليهود والعرب، بما يشمل بالطبع الفلسطينيون مواطنو إسرائيل الذين لن تتغير مكانتهم، سيكونون كذلك مواطني دولهم وكذلك سكان الوطن المشترك الذي سيستطيعون التحرك به، المتاجرة والسكن بحرية. في المرحلة الأولى، وحتى يتم تثبيت التسوية، سيتم تنفيذها بشكل تدريجي يخضع للرقابة، كما ستضمن مؤسسات مشتركة الشراكة بين الدولتين بالصيغة المقترحة. هذا الحل يتجاوز عقبتين من ضمن تلك التي ذكرتها في البداية: الصعوبة التي تواجهها اسرائيل بإخلاء المستوطنات، والصعوبة التي يواجهها الفلسطينيون بالاكتفاء بعشرين بالمائة من وطنهم التاريخي. كما أنه قد يسهل على التعامل مع العقبة الأولى- أي نظرة الإسرائيليين إلى التسوية كغير محبذة- لأنه مبني على مبدأ “هذا يسفيد وهذا يستفد أيضاً”.

كما أن تسويةً من هذا النوع ستحسن بشكل كبير العلاقات المتضعضعة بين الأغلبية اليهودية الحاكمة وبين الأقلية القومية (غير المعترف بها) الفلسطينية في إسرائيل لأنها ستضمن قيام دولتهم القومية بإدارة علاقات قريبة مع دولتهم (المدنية). ليس من غير المعقول بأن تتوقع بأن قيام دولة قومية فلسطينية بائسة، محبطة وبالتالي عدائية تجاه إسرائيل- الوضع الذي يحاول الحل المقترح أن يحول دونه، سيؤثر بشكل سلبي على علاقات اليهود والفلسطينيين داخل إسرائيل.

بإختصار- دولتان ولكن وطن واحد. هذه هي الطريق.

محامي، عضو في حركة “دولتان- وطن واحد”

يعقد اليوم مؤتمر للحركة في “بيت مزبا” بالقدس سيشارك به، من ضمن آخرون، الحاخام آفي جيسر، النائب أيمن عودة، النائب تمار زندبيرغ وغيرهم إلى جانب نشطاء الحركة. لكافة التفاصيل ولشراء تذاكر.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.