"لو سمح لنا بالعودة إلى بغداد لما ترددنا"

لذكرى لويز كوهن التي نشطت في حركة “الفهود السود” الشرقية وفي “القوس الديمقراطي الشرقي”
اللسعة

 

في مجموعة من الرسائل التي أبرقتها على مدى السنوات لرؤساء الحكومات، وزراء التربية ومدراء المؤسسات بسطت لويز كوهن، التي نشطت في حركة “الفهود السود” الشرقية وفي “القوس الديمقراطي الشرقي”، قصة حياة مليئة بالمحن والمعاناة والآلام. أيضاً في هذه الرسالة التي ننشر مقتطفات منها فيما يلي اثر وفاتها الأسبوع الماضي، تصف كوهن الواقع الذي اصطدمت به هي وعائلتها بعد أن هاجرت من العراق إلى إسرائيل، ومثلها الكثيرون من اليهود الذين قدموا من الدول العربية وأرسلوا إلى حياة قلة ومستقبل مجهول لتوطين الضواحي النائية للدولة الناشئة.

 

10 حزيران، 1969

السيدة المحترمة جداً،

الموضوع: اعيدي لي ابني الوحيد من بير جفجافة، اعيدي لي ابني حياً- لا تسلميني جثته

.. لساعات التصقت، اتكأت على المذياع المضبوط على اكثر صوت منخفض. متوترة ومشدودة لساعات إلى أن سمعت ما تاقت روحي لسماعه كثيراً: انبعاث اقامة دولتي. ابتهجت، لم أعرف ماذا أفعل بنفسي من شدة الفرح. يهودية فخورة أنا وفي دولتي سأعيش. بدأت استعدادات حثيثة: بيع شامل، أثاث، سجاد، كماليات، أواني فضية وذهبية، وكله من كله.. بحقيبتين معدنيتين كبيرتين واخرتين سمينتين طرنا إلى دولتنا، ترشدنا صهيونيتنا والأحلام الذهبية التي نسجناها.

وصلت إلى البلاد ملكة شابة، مزدهرة، عشرون وأربعة ربيعاً فقط مع كنز ثمين من أربعة أمراء مشرقين. استيقظت في مستطيل كبير يعج بالأسرة الحديدية الضيقة والمنخفضة. كل ربة بيت سريرها هو بيتها وممتلكاتها، لا شيء لديها سواها. الأطفال تغنجوا للحصول على الحليب كما كان بالأمس. لم أقلق، ففي دولتي أنا. خلال بضعة أيام سيقدم والدهم شهادة الطبيب التي يحملها وسيحصلون على كل شيء.

سافر إلى تل أبيب لعمل ما، كما قال. ثلاث مرات باليوم وقفت في الطابور الطويل، أهز الصغير بين ذراعي والبنات الثلاث تجرجر خطاها ورائي. الجميع بكى، رثى حاله. موظفين، حرفيين، تجار صغار، حصلوا على معازق ووزعوا في بقاع نائية من البلاد. شعرت بثقل قلبي، تألمت لألمهم، بكيت لانكسارهم. هناك من عرضوا همومهم أمامي وعبروا عن ألمهم. شجعتهم، أوجاع ولادة قلت، ما عليكم إلا أن تتعلموا العبرية وعندها سيعمل كل واحد في مهنته (ويحاً لي كم أخطأت). شهرين في معسكر القادمين (الجدد) “شاعر علياه”.

لو سمح لنا بالعودة إلى بغداد لما ترددنا. نحن نريد العودة إلى العراق. عشرون عاماً عانينا مهانة الجوع، اتركونا نغادر إسرائيل.

آلاف القادمين (الجدد) أتوا وذهبوا مع مجارف ومعازق. والدكتور عاطل عن العمل. من كان من المفترض أن ينقل لنا المال ما زال في العراق. بقينا بلا مليم. الصغير، الأمير التعيس، مرض بالحميراء. لأنه يرضع تغلب على المرض وتعافى. بينما كان هو يتعافى تهاوت اخته الصغيرة، كانت بعمر ربيعين فقط. محتقنة ومحمرة من أخمص قدميها وحتى رأسها، تنضح بالسخونة، شفتاها ناشفة وليس لدينا بمى نرطبها. لا يمكن وصف عذابي حينها. للمستشفى لم أرضى ارسالها. من يدري؟ فقد يكون مصيرها كمصير الأولاد اليمنيين (من بينهم من اختطفوا من المستشفيات). لا يوجد حليب، وعن الحلمة أعرضت. حلبت في الكأس.. ومع الحليب نزلت دمعة.. اولى دمعاتي في إسرائيل. لا توجد زجاجة للرضاعة، نقطت على فمها، غرغرت وبلعت. رويداً رويداً تحركت رموشها السوداء الطويلة، نظرت إلى عيني وكأنها تقول شكراً أمي وخفضت جفونها. قلبي خفق. أنا الانتقائية في أطايب الطعام، الكعك المحلى والمربى بلعت كل ما قاموا بتوزيعه، الخبز الأسود، المارغرين،  والعصائد المقرفة، المهم بأن يكون لدي حليب لكلاهما. هكذا نجت من موت مؤكد. ثلاثة أشهر ونحن في معسكر الاستجمام هذا ولا يوجد عمل. علينا الخروج، قلت، وإلا فسنقبر أولادنا في معسكر الموت هذا. وعدوه بعمل في مستشفى بالقدس. شهرين في خيمة بمعبرة “مكور حاييم”، نأسف قالوا، لا مكان لك.

وصلنا لمعبرة “بيتاح تكفا”، حصلنا على عنبر دون باب وشبابيك، دون بلاط. الصغار الأربعة تركوا للرمال. رمال في كل شيء، في الطعام، في الشراشف، في ضفائر البنات. أربعتهم مرضوا. زنابق خدودهم التي أحضرناها من بغداد ذبلت. شحوب موت بان في وجوههم. سعال مزمن. بالطبع رفضوا مساعدتنا للحصول على سكن يليق ببني البشر. اشترينا شقة بقروض اسكانية. بعد 11 شهراً من العمل، بدل الحصول على تثبيت، أرسلوا مكتوب فصل. توجهت للمدير أراد في “بيتاح تكفا” وسألته عن سبب الفصل، وقد أجاب لدهشتي: “امرأة وأربعة أولاد اجر عالي”. ادفعوا له كما تدفعون للعزابي، توسلت، فليس لدينا كسرة خبز. أولادي يموتون من الجوع. آسف قال: “نحن لسنا في العراق، هذه دولة متطورة- هناك قوانين، نقابة عمال، نهتم بالعامل وعائلته”.

د. كوهن عمل بالصحراء في تموز وآب، عمل مكان الاشكناز الذين خرجوا لإجازات، عمل بالكيبوتسات البعيدة، كله دون جدوى. رفضوا بشدة أن يمنحوه التثبيت. وقعنا وقعة مدوية. حزن وعصبية. القلة تتسبب بالانفجار. د.كوهن ترك البيت وبعد ذلك البلاد. المرأة أصبحت أرملة والأولاد تيتموا. ابنتي اتقنت بجيل 3 سنوات ونصف قراءة العبرية في كتاب التناخ. في العراق لم يكن لدينا كتاب واحد لتعلم العبرية. كم كنت صهيونية، والدي الحاخام يوسف دوري عليه السلام كان قاضياً، رئيس المحكمة. المعلمة في مدرسة “مطلون” محت أسماء بناتي. أعطتهن أسماء أخرى دون أن تسألني. لن أسامحها يوماً، حتى اليوم أشعر بالوحشة تجاه الأسماء التي اعطتهن اياها. مرت سنة وتسجل ابني مرة أخرى للطب، ورفض مجدداً. رئيس الرابطة لحقوق الانسان قال لي: “سيدة كوهن، هل تريدين سترة بيضاء لابنك ليكون ممرضاً؟”. توجهت لمحكمة العدل العليا، المدعي العسكري قال: “لقد حصل على 4 في الامتحان”، ابني قال بأنه لم يكن هناك أي امتحان.

بتاريخ 15.12.1969، في اليوم الذي عرضت فيه جولدا مئير حكومتها على الكنيست السابعة أرسلت لها برقية: “سرحي ابني وحيدي من الجيش لنتمكن من مغادرة إسرائيل. اقرئي سفر الخروج، الاصحاح الثاني والعشرين، الآية الثالثة والعشرون، لا تسئ الى ارملة ما ولا يتيم، ان اسئت اليه فاني ان صرخ الي اسمع صراخه، فيحمى غضبي واقتلكم بالسيف فتصير نساؤكم ارامل واولادكم يتامى. بالأمس أرسلتم له شرطي للجامعة. هدمتم حياته. نحن 60% في الجيهة أما في الكليات ف- 11% فقط. والده تعلم الطب في بغداد على حساب الحكومة العراقية. لو سمح لنا بالعودة إلى بغداد لما ترددنا. نحن نريد العودة إلى العراق. عشرون عاماً عانينا مهانة الجوع، اتركونا نغادر إسرائيل. اذا كنت قاسية لدرجة أن لا تسرحي ابني فسأغادر إسرائيل بدونه وأطلب من شعوب العالم أن تعمل لصالحه.

نسخة: السيد الياهو اليشار، رئيس الفيدرالية السفرادية.

*رسائل لويز كوهن نشرت في العدد الثاني عشر من مجلة “هكيفون مزراح”.

المزيد:

التوزيع أم التمييز السكاني؟

التوزيع غير العادل: المستوطنات الدينية أولى من اوفاكيم!

“اليهود العرب”: قراءة في القومية والديانة والاثنية

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.