لماذا يتحفظ الإسرائيليون من دولة الرفاه؟

اكبر تخوف لدى الجمهور الذي يدعم اليسار الاقتصادي مبدئياً ولكن يجفل منه عملياً- هو التخوف من كون دولة الرفاه غير قابلة للتطبيق أو أنها تؤدي إلى أزمة اقتصادية. ما ينقصنا هو طرح النموذج العملي الناجح لدولة الرفاه الذي يفند معادلة الرفاه=أزمة.
يريف موهر

 

بحث لعالم الاجتماع نواح لفين ابشطين يظهر بأن غالبية الإسرائيليين يؤيدون تقليص الفجوات الاجتماعية-الاقتصادية. لماذا اذاً يتحفظ الكثيرون في إسرائيل، أيضاً في اليسار، من دولة الرفاه؟ لا موارد لدي لإجراء بحث مواقف، لهذا فأنا أراهن هنا: خذوا أناساً من المركز السياسي أو اليسار الناعم من ناحية اقتصادية-اجتماعية (من الذين يعتقدون بأن على الدولة الاهتمام بالضعفاء والعمال ولكنهم يؤمنون بالسوق الحر)، واسألوهم اذا كانوا يؤيدون دولة الرفاه أو اعتماد سياسة ديمقراطية اشتراكية في إسرائيل. غالبيتهم سيتأتئون ويتحفظون، ويردوا بشيء من هذا القبيل: “هذه فكرة جميلة ولكنها لا تنجح! جربوا ذلكّ! كيف سنمول ذلك؟ انظر إلى اليونان واسبانيا.”!

ماذا لن يقولوا؟ لن يقولوا: “أنا اؤمن بقوة الفرد، كل شخص مسؤول عن مصيره”. أعني بأنكم، بتقديري، لن تجدوا هنا صلة أيديولوجية متأججة بالرأسمالية، بل العكس. التخوفات تنبع من امكانية تطبيق دولة الرفاه على الأقل دون خلق ديون ثقيلة وأزمة اقتصادية. اليمين الاقتصادي يغذي هذه التخوفات بالطبع ويقويها بطريقة تأطيره للأمور: فكل مقالة ثانية في هذا الجانر تتساءل ان كنا نريد أن نصبح مثل اليونان، فنزويلا أو شمال كوريا- كل بحسب مستوى الديماغوجية عديمة الخجل.

كيف يستطيع اليسار الاقتصادي مواجهة هذا الوضع على المستوى التوعوي؟ يبدو من المنطقي بأن يقوم بالتأكيد على نماذج رفاه أثبتت جدواها وأثمرت أيضاً عن رفاه وأيضاً عن استقرار اقتصادي- النموذج الاسكندنافي. هكذا يستطيع اليسار الاقتصادي أن يبدد اكبر تخوف لدى الجمهور الذي يدعمه مبدئياً ولكنه يجفل منه عملياً- التخوف من كون دولة الرفاه غير قابلة للتطبيق أو أنها تؤدي إلى أزمة اقتصادية. ونحن نتحدث عن جمهور من السهل نسبياً تجنيده.

ما لم يكن قوياً في إسرائيل في يوم من الأيام هو البند الأخير- طرح نموذج بديل لا يبدو جيداً على الورق فقط بل بالإمكان أن نقنع الناس بأنه عملي ومستديم وأفضل من الوضع القائم.

ولكن ما هو الصوت السائد في اليسار الاقتصادي عملياً؟ مرة أخرى، لم أجري بحثاً ولكن انطباعي بأن الصوت الخافت لليسار الاقتصادي الذي يصل إلى الاعلام هو “صوت المطالب”، ذلك نتيجة للاهتمام الذي تحظى به عادةً الاحتجاجات والاضرابات التي ترفع مطالب اجتماعية لها معان تمويلية (احتجاج ذوي الاعاقات، الاحتجاج الاجتماعي، المعلمين والخ). كما يحضر صوت المطالب عند مناقشة بنود الميزانية ابان المصادقة عليها في الكنيست: عندها يقاتل النواب الاجتماعيين القلائل على تمويل بنود مثل الاسكان الجماهيري، ضمان الدخل، مخصصات الشيخوخة والخ. لا شك بأن “صوت المطالب” هو صوت هام وضروري لتفصيل الأجندة الاجتماعية لبنود سياسة ولإسماع صوت المجموعات المستضعفة المختلفة. من جهة أخرى فلصوت المطالب تأثير سلبي كذلك: فهو يدعم تخوف المركز السياسي واليسار الناعم من معادلة- دولة الرفاه معناها عجز كبير، ديون ثقيلة وأزمة اقتصادية. كما أنه يسهل على اليمين الاقتصادي تدعيم هذه المعادلة أكثر، والحديث عن “ثقافة أنا استحق” و”من أين المال”. صوت اجتماعي خافت آخر في الخطاب الجماهيري هو صوت الوعود ابان الانتخابات: سنكبر ميزانيات الاسكان الجماهيري، نرفع الحد الأدني للأجور وإلخ. هذا الصوت أيضاً يدعم التخوف من معادلة الرفاه = أزمة.

ما ينقصنا هو بالتحديد الصوت الذي يشير الى نموذج دولة الرفاه الذي يعمل، ويعمل بنجاح، دون ديون ودون أزمة انما إلى جانب نمو اقتصادي- النموذج الاسكندنافي. صوت الرؤية العملية البديلة يجب ألا يشير فقط إلى البديل انما أن يمرر هذه الرسالة بصورة قوية، بسيطة وقادرة على جذب الناس حتى يتغلغل في الوعي.

من المقبول في النظرية الاجتماعية المتعلقة بتحريك الناس لعمل جماعي ناجح الحديث عن عدة مركبات ضرورية للتغيير الاجتماعي: 1. شعور بعدم العدل 2. شعور بأن عدم العدل هذا هو من صنع الانسان (خلافاً لطبيعة الكون) وبأنه بالإمكان الاشارة الى المذنبين 3. شعور بالقدرة على التأثير على الواقع بواسطة قوتنا وتغييره 4. رؤيا بديلة تبدو أيضاً ممكنة وعملية وأيضاً أفضل مقارنة بالوضع الحالي. بالإمكان القول بأن البنود 1 و- 2 تتطور جيداً في إسرائيل، والكثيرون صاروا يتحدثون عن أصحاب المال، الشركات الاحتكارية، المركزية الاقتصادية والعائلات ال-19 التي تسيطر على ثلث السوق وتحصل على غالبية الزبد من الناتج القومي. الاحتجاج الاجتماعي (من عام 2011) سمح لنا على الأقل بأن نتذوق البند الثالث- أي شعور القوة واحتمالات التصميم الجماعي. ما لم يكن قوياً في إسرائيل في يوم من الأيام هو البند الأخير- طرح نموذج بديل لا يبدو جيداً على الورق فقط بل بالإمكان أن نقنع الناس بأنه عملي ومستديم وأفضل من الوضع القائم.

عندما يحدث ويتحدثون هنا عن رؤيا اجتماعية بديلة، هناك ميل لذكر دولة الرفاه التي اقامها حزب “مباي” في الماضي وانجازاتها. وهنا يكمن عنصر ضروري آخر لتحريك الناس بصورة ناجحة من أجل احداث التغيير الاجتماعي: ترديد الصدى الثقافي. أي بأن على الرسائل أن “تعزف” بطريقة ايجابية على تجارب الحياة، ثيمات وحساسيات جمهور الهدف. الكثيرون في إسرائيل، وخاصة الشرقيون والعرب، نظروا إلى حكم “مباي” كاشتراكية فاسدة، غير ناجعة وتمييزية على خلفية اثنية أو على خلفية القرب من آليات القوة في الحزب. هذه الرؤيا، على الاختلاف من رؤيا النموذج الاسكندنافي، ربما تبدو عملية (حتى لو لم تكن مناسبة بوقتها) ولكنها ليست أفضل من الوضع اليوم- بالطبع ليس من ناحية الكثيرين ممن كانوا بعيدين عن تعريف أنفسهم مع مراكز القوة في “مباي” والتماهي معها.

هكذا يبقى الجانب العملي غائباً تقريباً عن بلاغيات اليسار الاقتصادي أو بأنه يثير في الوعي نموذجاً فاشلاً، فعلياً وأخلاقياً، ولا يتجاوب مع التخوف الأول لأكثر جمهور محتمل وقابل للإقناع.

 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.