العالم يرضخ للاحتلال الإسرائيلي: السؤال هو ماذا سيفعل الفلسطينيون؟

اذا ما نقلت السفارة للقدس أم لم تنقل، المقلق بحق في الانفجار الحالي هو العبثية البنيوية في تراجع القضايا الفلسطينية التي كانت مفهومة ضمناً في الماضي أما اليوم فهناك نقاش فلسطيني داخلي حولها.
عبد أبو شحادة

 

في أعقاب اعلان الرئيس الأمريكي ترامب الذي أشعل النيران بمسألة القدس والاعتراف الذي منحه للقدس كعاصمة إسرائيل- حان الوقت لمراجعة المسلمات التي توجه القيادة الفلسطينية وكذلك القيادة الصهيونية. من أجل ذلك، هناك حاجة للاعتراف بأن الاحتلال ليس فقط حقيقة على الأرض بل أنه يتواجد بمساعدة خطاب الاحتلال السياسي الذي يسعى للحصول على شرعية للتواجد الإسرائيلي في الأراضي المحتلة واسقاط الشرعية عن الشعب المحتل بالتوازي مع ذلك.

غضب القادة الفلسطينيين والعرب ازاء الاعتراف بالقدس كعاصمة الكيان المحتل ينطوي على ادراك بأن العالم رضخ للقوة العسكرية، السياسية والبيروقراطية للاحتلال، وبأنه سيتفاوض على الحقوق الأساسية للشعب المحتل. مجرد الاعتراف بالكيان الصهيوني كدولة شرعية داخل الخط الأخضر، الاعتراف بأن دول العالم (بما يشمل دول عربية وإسلامية) تقيم معها علاقات دبلوماسية وتتبنى فكرة كون الولايات المتحدة جسماً دولياً شرعياً بإمكانه أن يشرعن الاحتلال، وتجاهل الجرائم اليومية التي يقترفها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني بذات الوقت. أي بأن نتائج ذلك الخطاب السياسي الذي يجري في هذه اللحظات هي بالضرورة خسارة للشعب الفلسطيني وبالضرورة انتصار للكيان المحتل: في أفضل حالة، سيحظى الاحتلال باعتراف دولي أما في الحالة الأسوأ فستعترف الولايات المتحدة بالقدس فقط دون أن تنقل سفارتها إلى هناك بيد أن بقية دول العالم ستعترف بالوضع القائم للاحتلال مما سيؤدي إلى مفاوضات وتسوية حول القدس على حساب بقية القضايا.

 ما دام الاحتلال هو الذي يعرف قضايا النضال، سنجد أنفسنا في حلقة مفرغة تطرح فيها قضية جديدة في كل مرة حسب المشروع الحالي للاحتلال الذي يعمل وفق مصالحه.

تبعاً لذلك، يتوجب على السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير أن تسأل نفسها بصراحة ما الخطير بهذه الدرجة بنقل السفارة من يافا إلى القدس؟ فالاحتلال يعمل في المكان والزمان وفق رؤيا توسعية منهجية دون هوادة بينما يواظب قادته على أدق التفاصيل الاختبارية والاحصائية- من الديموغرافيا التي يحسبون فيها كم طفل فلسطيني ولد مقابل كم طفل يهودي وحتى كيفية رد الرأي العام العالمي على كل خطوة وخطوة، مما يؤكد بأن مسألة الاعتراف بالقدس كعاصمة هي بالتأكيد خطوة بمبادرة الاحتلال. في المقابل، بدل معارضة ومقاومة منظومة الاحتلال برمتها، تنشغل السلطة في تجنيد الأموال في العالم للحفاظ على جهازها البيروقراطي ك”جمعية عليا”. أي بينما يحمل الاحتلال رؤيا منهجية واضحة تستند إلى اجماع قومي، تنشغل السلطة في البقاء دون أن تحمل رؤيا أو أن تتوصل إلى توافق على قضايا كانت مفهومة ضمناً بالماضي.

اذا ما نقلت السفارة للقدس أم لم تنقل، المقلق بحق في الانفجار الحالي هو العبثية البنيوية في تراجع القضايا الفلسطينية التي كانت مفهومة ضمناً في الماضي أما اليوم فهناك نقاش فلسطيني داخلي حولها. فإذا ما كان هناك اجماع من الحائط إلى الحائط على قضية اللاجئين، فقد أصبحت اليوم وهماً يحلم به نشطاء مثاليون: في الماضي لم يكن هناك اعتراف بالاحتلال بكل حدوده أما اليوم فقد أصبح الاعتراف منتشراً: في الماضي لم يكن هناك قبول لأية مستوطنات في أراضي 67 أما اليوم فالمستوطنات التي تحولت لمدن أصبحت مفهومة ضمناً: وإذا ما شعرت منظمة التحرير بالماضي بأنها ملزمة، كقيادة الشعب الفلسطيني، تجاه سلامة وأمن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر فنراها اليوم لا تصدر حتى استنكاراً لهدم البيوت من النقب وحتى الشمال. قسوة الاحتلال اذاً هي حقيقة ولكن المقلق بالذات هو تراجع القيادة الفلسطينية عن المفهوم ضمناً في مقاومة الاحتلال لصالح مفاوضة الاحتلال.

قبل عدة أسابيع، اقترحت وزيرة المساواة الاجتماعية جيلا جمليئيل اجراء ترانسفير لسكان غزة لشبه جزيرة سيناء. بالأمس أعلن الوزير افيغدور ليبرمان عن مقاطعة يجب اتباعها ضد سكان وادي عارة. وزراء من الحزب الحاكم يطرحون اقتراحات متطرفة ربما كانت تعتبر بسنوات الثمانينات واهية أما اليوم فهناك عدة آراء حولها. بهذه الوتيرة، اذا لم يطرأ أي تغيير جوهري استراتيجي على القيادة الفلسطينية، فسيقوم الاحتلال بالمستقبل القريب باتخاذ خطوات تؤدي إلى هيجان مؤقت وتتحول بعد ذلك إلى واقع قائم. لن نتفاجئ اذا ما كانت الخطوة التالية هي التخطيط لإجراء ترانسفير للفلسطينيين من كافة مناطق فلسطين التاريخية- الخطوة التي ستتحول لنضال بحد ذاتها.

اذا ما عدنا لطروحات ألبير مامي المعروفة بخصوص العلاقات بين طرفي الاحتلال ولمقولته بأن “أفضل سلاح بيد القامع هو وعي المقموع” سنعي بأنه لا يهم ما تقوله الولايات المتحدة أو الاحتلال بل أي وعي جمعي يتشكل وسط الشعب الفلسطيني وماذا بمقدوره أن يفعل. ما دام الاحتلال هو الذي يعرف قضايا النضال، سنجد أنفسنا في حلقة مفرغة تطرح فيها قضية جديدة في كل مرة حسب المشروع الحالي للاحتلال الذي يعمل وفق مصالحه. حان الوقت لإحياء خطاب المقاومة السياسي الذي تقف في مركزه اعادة الدفة من الاحتلال إلى المحتل.

ناشط وطالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.