النكبة الفلسطينية، الأشكنازيون والشرقيون

النكبة الفلسطينية عام 1948 جاءت نتيجة ايديولوجية أوروبية هدفها الأساسي تهويد البلاد. المسلمات الاجتماعية والثقافية التي أدت إلى اختطاف الأولاد اليمنيين وإلى التعامل التمييزي مع الفتية الشرقيين في جهاز التربية تكشف هي الأخرى عن وجهة النظر الكولونيالية ذاتها.
توم مهاجر

 

“النكبة الفلسطينية، الأشكنازيون والشرقيون” هو الاسم الذي اخترناه لمجموعة البحث التي أشرف عليها بالسنة الأخيرة في منظمة “ذاكرات”. ما علاقة مجموعة نقاش كهذه بالوضع السياسي اليوم؟ كيف من الممكن بأن تدفع المواضيع التي طرحت والطرق التي يجب اعتمادها باتجاه العدل والمساواة والمصالحة في البلاد؟

المشترك للمواضيع التي طرحت للنقاش في المجموعة، ان كان من وجهة النظر الفلسطينية أو الشرقية، هو الانكار العابر للمعسكرات من قبل الجهاز السياسي اليهودي في إسرائيل، ويبرز ذلك بالأساس وسط هؤلاء الذين يحملون راية العدل والمساواة. فكيف حصل بأن منظمات حقوق الانسان في إسرائيل لم تناقش حتى اليوم بشكل جدي مسائل مثل حق العودة الفلسطيني، المحو التام لمئات القرى خلال حرب 1948 وبعدها، والطرق لإصلاح هذه الجرائم والمظالم؟

على نحو شبيه، فإن منظمات المجتمع المدني لم تناقش بشكل جدي القضايا التي تشغل الحراك الشرقي. قضية اختطاف أولاد اليمن، الشرق والبلقان مثلاً كانت على مدى سنوات طويلة ملفاً مغلقاً في الخطاب الجماهيري بإسرائيل، حتى طرح على الأجندة بالسنوات الأخيرة فقط بفضل نشاط المنظمات الشرقية. كذلك توجيه الطلبة الشرقيين في جهاز التربية إلى المساقات المهنية المتدنية هي ليست بالقضية التي تشغل محاربي العدل وحقوق الانسان في البلاد رغم أنه بالإمكان الادعاء بكل ثقة بأن الحديث عن ممارسة عنصرية وخرق خطير للحق بالتربية والمساواة وكذلك لحقوق الانسان الأكثر أساسية.

ما العلاقة اذاً بين هدم مئات القرى الفلسطينية، الطرد ومصادرة الأراضي، وبين اختطاف آلاف الأولاد وجهاز التربية العنصري؟

ممكن ويجب الوقوف على جذور النظام الإسرائيلي التي خصصت لخدمة مصالح القادمين الأوروبيين دون اسقاط المسؤولية عن الجمهور اليهودي كله عن الظلم المستمر بحق الشعب الفلسطيني حتى اليوم.

القاسم المشترك لهذه المواضيع هو كونها تكشف عن الطابع الكولونيالي للنظام الإسرائيلي. النكبة الفلسطينية في 48 جاءت نتيجة ايديولوجية أوروبية هدفها الأساسي تهويد البلاد. مصطلحات مثل احياء الصحراء، أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، احتلال الأرض، انقاذ الأراضي واحتلال العمل، كل هذه تشكل تعبيراً واضحاً عن التوجه الكولونيالي الذي يسعى إلى نقل الموارد، وخاصةً الأراضي، من يد سكان البلاد الأصلانيين لمستوطنين (“طلائعيين”) أوروبيين. النتيجة هي معادلة بمجموع صفري بين التواجد اليهودي في البلاد والتواجد الفلسطيني، ولهذا نرى بأن الأسئلة التي تتعامل معها الصهيونية، وفي أعقابها دولة إسرائيل، هي أسئلة ديمغرافية وجغرافية- أقل عدد من الفلسطينيين على أقل مساحة من الأرض والعكس، أكبر عدد من اليهود على أكبر مساحة ممكنة.

المسلمات الاجتماعية والثقافية التي أدت إلى اختطاف الأولاد اليمنيين وإلى التعامل التمييزي في جهاز التربية تكشف هي الأخرى عن وجهة النظر الكولونيالية. فرجال الأيديولوجية الصهيونية آمنوا بكل قلوبهم، حتى أنهم دعموا ذلك بالنظريات الأكاديمية، بأن ثقافة “أبناء الطوائف الشرقية” متدنية أكثر. كانت هناك عائلات شرقية عرفتها مؤسسات الرفاه ك”متخلفة”، الأمر الذي استخدم كتبرير لإخراج الاولاد من حضن عائلاتهم واختطافهم، وفتية شرقيون تم تعريفهم من قبل مسؤولو وزارة التربية بأنهم غير قادرين على التفكير بشكل مجرد ولهذا توجب ارسالهم للمساقات المهنية. وجهة النظر هذه، من مجال العائلة والتربية، تفترض بأن هناك تفوق أبيض للأشكنازيون على القادمين من الدول العربية والاسلامية.

ممارسات الحكم هذه التي يبدو بأن لا صلة فيما بينها تخلص في نهاية الأمر لامتيازات وحقوق فائضة للأشكنازيون. المجالس الاقليمية والحركة الكيبوتسية ما زالت تجثم على مساحات كبيرة في البلاد بينما تبقى بلدات التطوير (وغالبيتها شرقية) والبلدات العربية في الخارج. وليس هذا من قبيل الصدفة بالطبع: في فيلم “صالح هذه دولة إسرائيل” الذي صدر مؤخراً، بإمكاننا أن نرى كيف تم تقسيم الغنائم، على هيئة أراضي، من حرب 1948 على أساس عنصري داخل المجتمع اليهودي: القادمين الأوروبيين أرسلوا إلى مركز البلاد بينما أرسل القادمين من شمال أفريقيا لبلدات التطوير بالإكراه والتهديد. في المقابل، ما زال جهاز التربية يحول دون نجاح الفتية الشرقيين، الأمر الذي يساهم في النسبة الكبيرة للاشكنازيين في الأكاديميا الإسرائيلية ويمس بمستقبل الشرقيين. هكذا تشكلت السلسلة الغذائية الإسرائيلية التي ما زال الأشكنازيون يتصدرون طرفها الأعلى حتى اليوم.

على الرغم من هذه الاستنتاجات التاريخية المذكورة أعلاه، علينا ألا نتجاهل دور الشرقيين، وعامة الجمهور اليهودي غير الاوروبي، في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ممكن ويجب الوقوف على جذور النظام الإسرائيلي التي خصصت لخدمة مصالح القادمين الأوروبيين دون اسقاط المسؤولية عن الجمهور اليهودي كله عن الظلم المستمر بحق الشعب الفلسطيني حتى اليوم. في الأيام الأخيرة، اقترح وزير الأمن افيغدور ليبرمان مرة أخرى سحب المواطنة بشكل جمعي من أهالي وادي عارة العرب، كما هدد عميرام لفين بالتطهير الاثني للضفة الغربية من سكانها الفلسطينيين. المسؤولية عن معارضة مثل هذه التصريحات تقف على عتبة الجمهور اليهودي كله.

ربما من المبالغ به بأن ندعي بأنه “لا فرق بين اليمين واليسار في إسرائيل” ولكن لا يمكننا أن نتجاهل بأن كلا المعسكرين غير معنيين بطرح مواضيع مثل هدم القرى الفلسطينية واختطاف أولاد اليمن، الشرق والبلقان على الأجندة الجماهيرية والعمل باتجاه اصلاح الغبن التاريخي. من وراء التجاهل الفظ لمعسكر اليسار لقضايا العدل والمساواة في سياق النكبة الفلسطينية والحراك الشرقي تقف مصالح القادمين الاوروبيين وأبنائهم. دون طرح هذه المواضيع، التي تعرف النظام الإسرائيلي بدرجة كبيرة، هناك احتمال ضئيل بأن ننجح في تحقيق العدل والإصلاح في البلاد.

ندوة بموضوع “النكبة الفلسطينية، الأشكنازيون والشرقيون” ستعقد يوم الثلاثاء، 19.12.2017، في مكاتب منظمة “ذاكرات” في تل أبيب. للتفاصيل زوروا صفحة الحدث على الفيسبوك.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.