كيف ستبدو فلسطين؟ الصهاينة يتخيلون فلسطين ليلة 29 تشرين الثاني، 1947

عندما هدأت الاحتفالات في تلك الليلة، وأطلّ ،مع الفجر، مستقبل يهودي جديد على شوارع تل أبيب وحقول جفعات برنر، كيف تخيل اليهود دولتهم والأقلية الفلسطينية الكبيرة بداخلها؟
  ألون كونفينو

                                             

كانت ليلة لا مثيل لها. كان الصوت الوحيد المسموع ذاك السبت هو الصوت القادم عبر الراديو، ثاقباً نحيب أبناء آوى في البعيد. ناقلاً حادثةً وقعت وراء البحار. في النهاية، بينما كان سكان الأرض مأخوذين وواعين باللحظة التاريخية، اختبروا الخلاص واليأس، وانقسموا على هذا الأساس،  فلكل جماعة مشاعرها، ,والكل مليء بالريبة والهواجس: ماذا سيجلب المستقبل؟ اليوم 29 تشرين الثاني، 1947، وقد قررت الأمم المتحدة للتو تقسيم فلسطين.

فرحة اليهود في الييشوف، مجتمع الجالية اليهودية التي سكنت فلسطين قبل عام 1948، لم تعرف حدوداً. في تل أبيب، كما كتب الشاب نحميا رابوبورت إلى أخيه يوسكي، الذي كان متمركزاً في مخيم للنازحين اليهود بالقرب من تورينو في إيطاليا: “الساعة الاّن الثالثة صباح يوم السبت، وقد مرت ساعتان على الإعلان عن الأسس لقيام دولةٍ يهودية.” وكان والدا رابوبورت، اليعازر وهانا، قد هاجرا  إلى فلسطين من فيلنا عام 1934، واستقرا في وسط مدينة تل أبيب بالقرب مما يسمى اليوم “ميدان رابين”. وأضاف نحميا في رسالته: “عند منتصف الليل، كانت الحشود تقف في الشوارع مستمعة بفارغ الصبر إلى اجتماع الأمم المتحدة عبر مكبرات الصوت. كانت الفرحة التي تلت الأخبار كبيرة، تأنق جميع سكان  تل أبيب وخرجوا إلى الشوارع ليرقصوا ويغنوا. أما أنا فعدت إلى المنزل لأنني قررت أن أجلس وأراسلك هذه الليلة خصيصاً. فقد حدث أمر  تاريخي.”[1]

مع ذلك، اختلطت مشاعر الفرح بمشاعر الخطر، فقد أنهى نحميا رسالته قائلاً “العواقب القادمة لن تكون صغيرة أو طفيفة على الإطلاق.”  على نحو مماثل، وليس بعيداً عن تل أبيب، عبر  نمرود ليفيت، البالغ من العمر 22 عاماً، عن مثل هذه المشاعر في رسالة إلى حبيبته هاجر التي كانت تعمل في إيطاليا لتشجيع الهجرة اليهودية غير القانونية. بدا نمرود في رسالته وكأنه نتاج الدعاية الصهيونية فهو شاب، وسيم، ضابط في البلماح- سرايا الصاعقة التابعة للقوات اليهودية، ضليع في الأدب والثقافة ولا سيّما من روسيا وشرق أوروبا. “الجميع يحتفل،” كتب لهاجر. “لكن لا بد لي من الاعتراف بأنني أشعر بقليل من الحزن أيضاً .”  هناك مشكلة الحرب الوشيكة، وأيضاً “لدينا مشكلة العلاقات مع الأقلية العربية الكبيرة في الدولة اليهودية، فهم يشكلون حوالي ثلث السكان…. وبوجه الإجمال، هناك مشاكل ومزيد من المشاكل، ليس احتفالات فقط، لهذا أشعر بقليل من ’الحزن.”[2]

قرار الأمم المتحدة المتعلق بإقامة دولة يهودية وضع الييشوف أمام جوهر ومشكلة الصهيونية: كيفية تحقيق سيادة أغلبية يهودية على أرض معظم سكانها من الفلسطينيين. وفقاً لخطة التقسيم، تتألّف الدولة اليهودية من 45% من العرب و 55% من اليهود. أي أنها بعيدة كل البعد عن وجود أغلبية يهودية قوية.

ولكن ما هو نوع الدولة التي تخيلها اليهود، خاصة إذا أرادت الدولة أن تكون ديمقراطية وتعطي حق التصويت للجميع، وفقًا للفكرة التي سادت في حينه؟ ماذا يجب أن يكون الموقف تجاه الفلسطينيين في المناطق التابعة للدولة اليهودية، الآن في أسابيع وأشهر الحرب المقبلة؟ هل ينبغي معاملتهم كمواطنين مستقبليين؟ أم ينبغي معاملتهم كمشكلة يجب حلها،  مع الإشارة إلى أن مصطلح “المشكلة العربية” أصبح شائعاً منذ الثلاثينيات بين الصهاينة. ما هي “المشكلة” التي يشكلها العرب في فلسطين؟ فبالنسة لهدف إقامة دولة ذات سيادة ذات أغلبية يهودية قوية، كانت “المشكلة” هي الغلبة الديموغرافية للفلسطينيين، والتي يمكن حلها من خلال واحد أو مجموعة من الطرق منها: هجرة اليهود أو إبعاد الفلسطينيين أو الاتحاد.

للقبض على هذا التصوّر، سوف أركز على سجلّين من الزمن. يغطي الأول الكلمات والأفعال المعبر عنها تحت التأثير العاطفي لقرار الأمم المتحدة في الأيام التي تلت 29 تشرين الثاني، بينما يعيدنا الثاني إلى الماضي الصهيوني، ويحاول تأطير هذه التعبيرات داخل سلسلة إجراءات صهيونية طويلة الأمد تجاه الفلسطينيين.

عندما هدأت الاحتفالات في تلك الليلة، وأطلّ ،مع الفجر، مستقبل يهودي جديد على شوارع تل أبيب وحقول جفعات برنر، كيف تخيل اليهود دولتهم والأقلية الفلسطينية الكبيرة بداخلها؟

على الرغم من أهمية السياق والظروف  لفهم ما حصل عام 1948، إلا أنهما لا يستطيعان وحدهما تفسير الأحداث. وسيؤدي التركيز الضيق على سياق الحرب الذي تعززه أدلة عملية دقيقة، وبشيء من البساطة، إلى تحميل المبادرة التاريخية والمسؤولية إلى قوى مجهولة، ويبعدها عن اليهود المشاركين في عملية التهجير وعن الفلسطينيين المسؤولين عن فشل قيادتهم المحلية والوطنية.

من الجدير طرح هذا السؤال، لسببين: أولًا، لأن الفلسطينيين طاردوا المخيلة الصهيونية منذ بداية الصهيونية. وثانياً، لأنه يشير إلى اتجاه جديد من حيث أسلوب وتفسير  النكبة. التفسير الذي أطرحه، استناداً إلى دراسات أجراها علماء بارزون في المجال، وهو يقترح نهجاً وشرحاً جديدين.[3] فأنا أستطيع أن أحدد ثلاثة تفسيرات رئيسية للنكبة في التأريخ المعني بهذا الشأن. مؤرخة الصهيونية آنيتا شابيرا تعتبر النزوح خطأ  الفلسطينيين بشكل رئيسي. فحتى لو قامت القوات اليهودية بطرد الفلسطينيين في بعض الحالات ومنعهم حقاً من العودة، إلا أن السبب الحقيقي للنزوح كان “انهيار المجتمع الفلسطيني وحكمه مما أدى إلى الهروب الجماعي .. عندما اشتد القتال، تلاه الذعر وفر كل من استطاع الفرار.” تستخدم شابيرا السياق العالمي للتطهير العرقي في أوروبا والقارة شبه الهندية في الأربعينيات ليس للاعتراف بما حصل في فلسطين، بل لاستبعاده وتبريره: “خلق تجانس عرقي وإزالة العناصر العدائية التي تتحمل ذنب الحرب … اعتبرت تدابير مناسبة.”[4]

إذا أضاف عمل شابيرا بشكل عام إلى معرفتنا حول الصهيونية، فإن الهدف من ذلك هو الدفاع عن الصهيونية. المعنى العام من قصة شابيرا هو أن الييشوف كان مراقباً لهجرة الفلسطينيين فقط دون أي أثر يذكر. كما لو أن 750,000 شخصاً  قد  قرروا فجأة الرحيل ولم يكن لقرارهم علاقة بطرق الحياة والأفكار والأفعال اليهودية قبل وأثناء الحرب. أعتقد أن شابيرا عرفت أن الأمور كانت أكثر تعقيداً، كما كانت قد وثقت في بعض كتبها. ولكنها، بوعي أو دون وعي، تتفادى الأسئلة الصعبة وتقدم تاريخاً أقل بشاعة.[5] وهكذا، فإن تفسيرها لا يستند حقيقةً إلى ما حدث في الماضي، بل إلى ما يريد بعض المؤرخين الصهاينة تصديق أنه حدث.

واقترح بيني موريس مقاربة ثانية في تفسيره الذي أصبح ركيزة أساسية للتأريخ للنكبة. مفاد هذه المقاربة هو أن “مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وليدة حرب عام 1948.”[6] يتمحور هذا التفسير حول السياق والظروف.  من ناحية، هذه حجة منيعة، ولكن لأنها صحيحة فهي أيضا غير كافية، إذ يحدث التطهير العرقي عادةً في سياق الحرب، وبالتالي، ففي حين أن الحرب هي سياق ضروري لوصف الظروف التي حكمت أفعال الناس، إلا أنها غير كافية لإخبارنا عن الثقافة الأوسع – عن الأحاسيس والذكريات ومفاهيم الأخلاق – التي جعلت هذا السياق ممكنا ومرجحاً.[7] كل ما فعله اليهود في عام 1948 كان مرتبطاً بالعقليات والتصورات التي وجدت قبل الحرب. أبسط حجة هي ما يلي: على الرغم من أهمية السياق والظروف  لفهم ما حصل عام 1948، إلا أنهما لا يستطيعان وحدهما تفسير الأحداث. وسيؤدي التركيز الضيق على سياق الحرب الذي تعززه أدلة عملية دقيقة، وبشيء من البساطة، إلى تحميل المبادرة التاريخية والمسؤولية إلى قوى مجهولة، ويبعدها عن اليهود المشاركين في عملية التهجير وعن الفلسطينيين المسؤولين عن فشل قيادتهم المحلية والوطنية. وبالفعل، رغم أن موريس نجح في تسليط الضوء على أدلة حاسمة حول النزوح العربي، إلا أنه ابتعد عن استخلاص النتائج البديهية التالية من مصادره: إن ممارسة اليهود الواسعة لطرد العرب التي شملت جميع مناحي الحياة والوكالات المحلية والحكومية والمدنيين والجنود، لا يمكن اختزالها بحكاية سياسية عسكرية تحددها ظروف الحرب. بل تدعو إلى تدارس الثقافة اليهودية التي جعلت من التهجير أمراً متصوراً ومبرراً.[8]

ويقدم إيلان بابيه تفسيراً ثالثاً في كتابه التطهير العرقي في فلسطين حيث يستعرض “خطة رئيسية” صهيونية، الخطة “دالت” التي شكلت”حالة واضحة لعملية التطهير العرقي .. مع تخطيط منهجي .. من قبل مجموعة من القادة المجتمعين فقط بهدف تخطيط وتدبير طرد الفلسطينيين.” وعلى عكس موريس الذي يرى أن التهجير كان نتيجة للظروف، فإن كل شيء، حسب بابيه، كان محددًا سلفاً. يرى بابيه أن “قصة عام  1948 ليست معقدة على الإطلاق” لأنها تعني “جسامة الجرائم التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون.”[9] ويسعى كتابه المذكور إلى فهم 1948 في إطار التطهير العرقي. لكن التقسيم المطلق لتاريخ 1948 بين جهات فاعلة سيئة وأخرى جيدة منفصلة غير كاف لرصد الاحتمالات والتقلّبات التي تتضمنها الحرب. فبينما تقوم شابيرا بإنكار الدور الفاعل اليهودي في النكبة، يقوم بابيه بالمبالغة في هذا الدور، وبالتالي ينكر  دور الفلسطينيين وكأنهم مجرد دمى في عالم يسكنه ويسيطر عليه اليهود فقط. وإن سادت لدى شابيرا لهجة المدافع، نجد لدى بابيه لهجة المدّعي. وبطبيعة الحال، يبقى تفسير ما حدث في عام 1948 صعبًا على نحو خاص بسبب الهويات والصراعات السياسية الحالية. إن للماضي نزاهته الخاصة،لأنه لم يكن ماضياً في ذلك الوقت، وفي نهاية المطاف،لا يفسر تأويل بابيه   أفعال اليهود حينها،  لأنه [ أي بابيه] حدّد معالم عالمهم الثقافي الإجرامي قبل أن يبدأ تحقيقاته. وبالتالي فهو غير دقيق حول كيفية بناء اليهود والفلسطينيين لعوالمهم.

أتاحت دراسات جديدة حول 1948 آفاقاً جديدة. إحدى هذه الدراسات التي تمثل إتجاها جديدا هي دراسة عادل مناع، نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل، 1948-1956.[10] مستخدماً مفهوم “الناجين” كدليل سرديّ وتفسيريّ، يخطّ مناع حكاية الفلسطينيين الذين بقوا في شمال فلسطين. ويكتب التاريخ من القاعدة، استناداً إلى روايات شخصية وتاريخ شفوي ويوميات تم استخدام العديد منها في دراسته لأول مرة. فكانت النتيجة حكاية تعطي الأهمية لتجربة الناجين في بوتقة مأساة عام 1948 والحياة في دولة  إسرائيل. وبواسطة الابتعاد عن الروايات الوطنية المألوفة، سواء أكانت إسرائيلية أم فلسطينية، تمنح دراسة منّاع للناجين صوتاً ووجهاً، وبالتالي فهي تؤنسنهم.

يقدم مناع تحليلاً معقداً عن أصل ومسار عملية التطهير العرقي عام 1948. حيث ينقل التركيز التفسيري من البحث عن مخطط منظم للتهجير متمثلا بأمر واضح، مكتوب أو لا، إلى فهم أكثر تعقيداً للسياسات الصهيونية والثقافة التي جعلت التطهير العرقي ممكناً. ويشير مناع بحصافة إلى أن “سياسة التطهير العرقي كانت أوسع وأعقد من أي خطة مكتوبة.”[11]يرتبط هذا الرأي ارتباطاً وثيقاً بالنهج الوارد في هذا المقال، والذي أود هنا أن أوضحه أكثر.

لم تعبر الخطة دالت عن فكرة رائدة بقدر ما عبرت رسمياً عن حقيقة التهجير الذي كان يحصل ببطء، كما عبرت عن أفكار مشتركة ومنتشرة في الييشوف حول الرغبة بوجود عدد أقل من الفلسطينيين في الدولة اليهودية. طرد اليهود الفلسطينيين قبل الخطة دالت، وكانوا سيواصلون القيام بذلك بعد نيسان 1948 مع أو بدون الخطة.

يمثل تفسير بابيه التركيز التأريخي على البحث عن خطة رئيسية يهودية للتهجير والإيمان بأن خطة كهذه تفسر كل شيء. وإذا كنت تبحث عن خطة، ستجد واحدة بالضرورة. ولكن ما مدى أهمية خطة كهذه لفهم ما حصل على أرض الواقع؟ إن إصدار الخطة “دالت” في نهاية آذار 1948 يخبرنا القليل عن الظروف السياسية والعقليات التي جعلت التهجير محتملاً بين الجنود اليهود والمدنيين في ساحات القتال والبلدات والمدن والمجتمعات الزراعية. لم يتم تحديد معنى النكبة في نهاية المطاف بإصدار هذه الخطة أو تلك التي لم يقرأها ولم  يعرف معظم الجنود بوجودها، بل تم تحديدها من خلال عدة أفعال تمت على نطاق ضيق قبل نيسان 1948، مثل تفجير المنازل والنهب واستغلال الأراضي العربية المهجورة والترحيل. شعر اليهود في الييشوف، وكان شعورهم صحيحًا، أن هذه الأفعال كانت متغاضى عنها ومتوقعة- وإن لم يكن من قبل الجميع- سواء نفذّت حسب خطة أو بدون خطة. شرح هذا ضروري لفهم النكبة أكثر من الإيمان بالطاقة التفسيرية الطاغية لخطة رئيسيّة مفترضة.

وقد أظهرت الدراسات التي أجريت مؤخراً حول التطهير العرقي والإبادة الجماعية أن هذه الانتهاكات غالباً ما ترتكب دون خطة رئيسية مكتوبة، في حين أن أحد العوامل الحاسمة هو التفاهم الثقافي السائد بين المعتدين حول ما هو متوقع ومسموح به. القضية التاريخية الكلاسيكية هي الهولوكوست فلم يكن هناك أبداً أمر واحد مكتوب لمحاكمة وإبادة اليهود. وفّر مؤتمر وانسي في كانون الثاني 1942، الذي ناقش تنفيذ “الحل النهائي للمسألة اليهودية” تفاصيل إدارية للإبادة الجماعية التي كانت أحداثها قد بدأت من قبل، في ذلك الحين. وكنت قد ألّفت قبل عدة سنوات كتاباً عن الخيال النازي الذي جعل اضطهاد وإبادة اليهود أمراً يمكن تصوره وتبريره.[12] في الكتاب تتبعت قصة عن كيفية خلق النازيين لعالم ثقافي اعتبر فيه حلم “عالم دون يهود” منطقياً وبديهياً وذا رواج وشعبية. كان تصور عالم دون يهود منذ عام 1933 باكورة الأعمال المعادية لليهود قبل الحرب وأثناءها.

من الممكن تطبيق النهج الذي استخدمته لتفسير الهولوكوست على تفسير أحداث عنف جماعي أخرى، لكنني أود أن أوضح، قبل الخوض في ذلك، أنني أميز بحزم بين الهولوكوست (إبادة جماعية) والنكبة (تطهير عرقي) وأرفض أي تلميح إلى  مساواة اليهود بالنازيين. من ناحية ثانية يتشارك الحدثان قاسمًا تاريخيا دفع الدول القومية، قبل وبعد الأربعينيات من القرن الماضي، إلى إنشاء مجتمعات متجانسة عبر إزالة الجماعات التي اعتبرت غير منتمية.[13] وهنا أتساءل ما هي المخيلة التي جعلت النكبة ممكنة؟ من هذا المنظور، فإن الخطة “دالت”، التي لم تطلق أبداً بصورة رسمية ومنسقة، كانت خطة مهمة ليس لأن حشوداً من الجنود اليهود قاموا باتباعها بسرعة وطاعة. إن هذه نظرة تبسيطية للأفعال والدوافع البشرية. وأنا اعتقد، في المقابل، أنها كانت مهمة كوثيقة ثقافية تبين ما كان من الممكن تخيله من قِبل القادة والمدنيين والجنود على حد سواء لتأمين مناطق الدولة اليهودية المستقبلية، وقد سمحت للقادة العسكريين ب”تدمير القرى (الحرق المتعمد، الهدم، وسرقة الآثار).” ولم تكن ثمّة حاجة للتوضيح أن القرويين أيضاً لا ينبغي أن يظلوا جزءاً من الدولة اليهودية. لم تعبر الخطة دالت عن فكرة رائدة بقدر ما عبرت رسمياً عن حقيقة التهجير الذي كان يحصل ببطء، كما عبرت عن أفكار مشتركة ومنتشرة في الييشوف حول الرغبة بوجود عدد أقل من الفلسطينيين في الدولة اليهودية. طرد اليهود الفلسطينيين قبل الخطة دالت، وكانوا سيواصلون القيام بذلك بعد نيسان 1948 مع أو بدون الخطة.[14]

وعليه، وعودة إلى النقطة التي انطلق منها هذا النقاش، فإن السؤال كيف تخيل اليهود فلسطين ليلة 29 تشرين الثاني 1947، يشير إلى تحول في وجهة النظر إلى الموضوع: انتقال من ماذا حدث فعلاً خلال الحرب إلى ماذا اعتقد الفلسطينيون واليهود أنه كان يحدث، من اعتبار اليهود إما عصابة متآمرين أو جمهور ملائكة إلى التحقيق في الثقافة الصهيونية التي جعلت من النكبة أمراً ممكناً ومبرراً. وأشير هنا إلى أن هذا المقال الذي يركز بشكل خاص على يوم 29 تشرين الثاني 1947 يأتي ضمن مشروع أكبر.

في ظل التأثير العاطفي لقرار التقسيم، اتخذ مباي، الحزب السياسي الرئيسي في الييشوف، خطوة تأسيسية حقيقة عبر إنشاء لجنة مكونة من ثلاثة عشر عضواً برئاسة بنحاس لافون -شخصية رئيسية في الحزب- “لبحث العلاقات مع العامل العربي” في الدولة اليهودية المستقبلية. على عجلة من أمرها، اجتمعت اللجنة في الثاني والخامس من  كانون الأول.[15] في الوقت نفسه، في الثالث من كانون الأول تحدث أهم صوت للقيادة الصهيونية، ديفيد بن غوريون، في اجتماع للجنة المركزية لحزب مباي قائلاً “معجزة الدولة اليهودية أصبحت حقيقة”، وبدا بن غوريون الهادئ منفعلا عاطفياً. إلا أنه سرعان ما عاد إلى “طبيعته الرصينة التحليلية” قائلاً : “أعطتنا الأمم المتحدة إطاراً لدولة يهودية، علينا الآن أن نملأه بالمحتوى؛ وهو الهجرة والاستيطان.” وأضاف أن الدولة اليهودية سوف تقوم على أساس المساواة الكاملة بين جميع مواطنيها، اليهود والعرب، دون أي تمييز مهما كان، باستثناء الهجرة، التي ستتاح لليهود فقط.

من المؤكّد، أن نقاش العلاقات اليهودية  مع العرب بدأ مع بداية الصهيونية نفسها. وحتى منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين، نظر العديد من المفكرين الصهاينة مثل بينسكر وهيرتسل وإحاد هعام و بن غوريون إلى الوجود السياسي في فلسطين ضمن إطار أوسع، مثلاً وجود إمبراطورية ممتدة أو التعايش مع العرب في فلسطين. وقد قدّم ديميتري شومسكي قراءة دقيقة لكتابات هؤلاء المفكرين في سياق زمنهم، فقد جاءوا من إمبراطورية هابسبورغ النمساوية والإمبراطورية الروسية المتعددات الجنسيات  في أوروبا الشرقية والوسطى. وحتى عام 1918، نظروا إلى الصهيونية أيضاً من داخل إطار الإمبراطورية العثمانية متعددة الجنسيات. أثر هذا السياق على هؤلاء المفكرين. وإذا لم يكن طموح إقامة دولة قومية أساسياً قبل الأربعينيات، كما يحاجج شومسكي بشكل مقنع، فإذًا كانت هنالك خطط لتحقيق نوع من العيش المشترك مع العرب.[16]

تغير هذا في أعقاب وصول هتلر للسلطة وإصدار الكتاب الأبيض والحرب العالمية الثانية وإبادة اليهود في أوروبا. وكانت النتيجة التراكمية لهذه التغيرات هي برنامج بيلتمور الذي اعتمده بن غوريون والقادة الصهاينة في نيويورك  في أيار 1942، والذي عبر عن انفصال عن السياسة الصهيونية التقليدية بطلبه لأول مرة “أن يتم جعل فلسطين كومونويلثاً يهودياً.” كان التحليل السائد كما كتب كولين شيندلر أن اتفاق بيلتمور “أعطى الأولية لإقامة دولة يهودية بدل تحقيق السلام مع العرب. وقد عزز إدراك جسامة الهولكوست هذه الأولوية.”[17]

مع ذلك، كان الاختلاف بين الصهاينة حول كيفية العيش مع العرب كبيراً، حيث تواجدت العديد من الخطط السياسية للحياة المشتركة في فلسطين. قامت حركة هشومير هتسعير، الحركة الصهيونية الاشتراكية، بصياغة وثيقة تضّمنت خطة تفصيلية في ربيع الأول 1946 بعنوان “حل ثنائي القومية لأرض إسرائيل.”[18] وهي وثيقة مذهلة، في بعض جوانبها، تتناول الدستور والإطار القانوني والبرلمان وحكومة التسوية السياسية في المستقبل. أدى مزيج من الصهيونية والاشتراكية إلى معارضة هشومير هتسعير للتقسيم لأنها ترغب في الحفاظ على أرض إسرائيل كاملة مع عربها. [19]ومن الجدير بالذكر أن مجموعات مهمة من المعسكر الصهيوني عارضت التقسيم، وليس العرب فقط.

إذاً، فبغض النظر عما فكر به اليهود يوم 29 تشرين الثاني، كانوا يعملون ضمن تقليد متنوع وإن كان مقصرًا في الحديث عن العرب والارتباط بهم في فلسطين.  وهنا أود القول، أن هذا التقليد كان مسكونًا بنمط قديم شكّل الأفكار والأفعال.

لعل التعبير الأكثر دلالةً عن مكانة العرب في المخيلة اليهودية هو مصطلح “المشكلة العربية”. وعلى غرار مصطلح “المشكلة اليهودية ” الذي صاغه غير-اليهود في أوروبا، المعنى الرئيسي للمصطلح لم يتطرق إلى الاقتراحات المختلفة المقدمة لحل المشكلة بل إلى خلق مجموعة عرقية أو دينية كمشكلة. إي أنك أولاً تقوم بتعريف المجموعة كمشكلة تاريخية، ثم تبذل جهدك لإيجاد سبل لحلها.

كانت لجنة لافون وخطاب بن غوريون عبارة عن استجابات سياسية وعاطفية فورية لقرار الأمم المتحدة. حيث خلطوا مشاعر السعادة بالمسؤولية حول مستقبل الدولة اليهودية وهدف التخطيط المسبق. لكن فكرة السياسة التي تحاول بطريقة أو بأخرى دمج الفلسطينيين في الدولة  المستقبلية لم تدم طويلاً. لم تعلن هذه الفكرة لليهود أو للعرب. ولم تلتق لجنة لافون أبداً بعد 5 كانون الأول، في حين بنى بن غوريون فكرته عن الحقوق المتساوية للفلسطينيين على افتراض أن هناك الكثير منهم في الدولة اليهودية المستقبلية. “تفتقر الدولة كما أقرتها الأمم المتحدة إلى شيء واحد أساسي وهو أخطر وأكثر ما يضعفها: تفتقر الدولة لليهود.. حيث أن أربعين في المئة من السكان هم من غير اليهود. هذه التركيبة لا تشكل أساساً مستقراً للدولة اليهودية. ويجب أن نراعي هذه الحقيقة بكل وضوحها وشدتها.”[20]

يذكر هذا بوجهة نظر بن غوريون التي عبر عنها قبل عدة أشهر في 27 أيار 1947، عندما قال في اجتماع للجنة المركزية لحزب مباي قبل وصول لجنة الأمم المتحدة إلى فلسطين “إنه لمن دواعي الارتياح عدم وجود عرب هنا، لكنه أيضاً من الممكن وجودهم هنا.”[21] هذه المساحة بين واقع الأشياء وما هو مرغوب فيه هي، حسب رأيي، المفتاح التحليلي لرصد مخيلة اليهود في 29 تشرين الثاني حول ما يتعلق بمكانة الفلسطينيين في الدولة اليهودية. لم تنحت هذه المساحة في الصخر، بل كانت مرنة ومتحولة وفقاً للسياق المتواجد، رغم وجود عامل ثابت واحد وهو الرغبة في التقليل من وجود العرب أو القضاء عليه. وقد تغيّرت هذه الرغبة نفسها مع مرور الوقت، فكان لها عدة أشكال وعدة معارضين؛ وجرى النظر إليها كأمر قد يتحقق أو لا يتحقّق. لم تكن تلك خطة رئيسية؛ بل كانت خطط الناس مرهونة بسياقات متغيرة. لكن هذا الأفق الممتد بين ما هو موجود وما هو مرغوب يشكل أحد المفاتيح لفهم الأفكار والأفعال اليهودية.

تشكلت المخيلة الصهيونية في 29 تشرين الثاني ليس فقط بسبب الحادثة الدرامية تلك الليلة، بل أيضاً عبر طرق الحياة والتفكير الصهيونية على مدى العقود. لم يأت الصهاينة إلى فلسطين للاختلاط مع السكان المحليين بل لتحمّلهم بدرجات متفاوتة وهم يبنون ثقافة ومجتمعاً يهودياً بغض النظر عن تعريفاتهم المختلفة له. لم يكونوا مهاجرين شبيهين باليهود أو الإيطاليين أو الإيرلنديين الذين ذهبوا إلى أميركا للاندماج في أرضهم الجديدة الموعودة، للإتحاد في هويتهم الأميركية الجديدة بينما يحافظون على هوياتهم القديمة. أتى الصهاينة إلى أرضهم الموعودة ليبنوا مجتمعهم المتميز المنفصل عن المجتمع العربي الذي كان ينظر إليه على أنه مختلف ثقافيا وعرقياً، ومتخلف حضارياً، وبأنه أساساً لا يمكن أن يكون جزءاً من أساليب الحياة والفكر اليهودية. [22]

يمكن لليهود والعرب العيش جنباً إلى جنب، بوئام، كما في حيفا، ولكن سياستهم العرقية الأساسية ومخيلتهم كانت مبنية على الفصل الثقافي والاجتماعي والمكاني. جسدت حيفا خيال الفصل اليهودي. لم ينضم اليهود إلى المدينة العربية الموجودة، في حين انضموا كمهاجرين إلى مدينة نيويورك خالقين بذلك مدينة ومجتمعا مزدوجين. حصلوا على خدماتهم من الإدارة اليهودية، ولم يعتمدوا بشكل كبير على إدارة المدينة العربية القائمة. تطورت المدينة، لكن ليس بصورة طبيعية مع سكانها ومهاجريها، وإنما نتيجة الاستعمار اليهودي وحداثته المفروضة.

وسارت جوانب أخرى من الحياة اليهودية على نهج الفصل نفسه، فمثلاً، مفهوم العمل العبري، بمعنى توظيف اليهود فقط، فصل اقتصاد المجموعتين فخلق في الذهن والممارسة فصلاً بين اليهود والفلسطينيين ومساحة ممنوعة على الفلسطينيين. وحتى لو أنه لا ينبغي أن نبالغ في الفصل بين اليهود والعرب، إلا أن الصهاينة قاموا حقاً بخلق مجتمع مزدوج. انعكس ذلك في معرفة اللغة العربية، حيث عرف عدد قليل من اليهود اللغة العربية وقت الانتداب. في هذا السياق، تقول ليورا هالبرين في كتابها الجديد بابل في صهيون: اليهود، القومية والتنوع اللغوي في فلسطين 1920-1948 أن “معرفة العربية لم تكن تعتبر وسيلة للاندماج مع الجيران العرب بل أداة للقضاء على تهديدهم.. ولم يقد الاهتمام اليهودي باللغة العربية إلى المصالحة بل إلى الاستخبارات العسكرية. “[23]

ولعل التعبير الأكثر دلالةً عن مكانة العرب في المخيلة اليهودية هو مصطلح “المشكلة العربية”. وعلى غرار مصطلح “المشكلة اليهودية ” الذي صاغه غير-اليهود في أوروبا، المعنى الرئيسي للمصطلح لم يتطرق إلى الاقتراحات المختلفة المقدمة لحل المشكلة بل إلى خلق مجموعة عرقية أو دينية كمشكلة. إي أنك أولاً تقوم بتعريف المجموعة كمشكلة تاريخية، ثم تبذل جهدك لإيجاد سبل لحلها. وكان بين المستخدمين للصياغة المذكورة، وعلى نطاق واسع، كذلك قادة اليسار الاشتراكي، فمثلا، استخدمها يعقوب حزان، زعيم هشومير هتسعير في 22 كانون الثاني 1948، في مؤتمر الحزب الثاني، لوصف تحديات ما بعد التقسيم.[24] أحد الفروقات بين “المشكلة اليهودية” و “المشكلة العربية” هو أن الأغلبية في أوروبا جعلت من الأقلية مشكلة بينما في فلسطين كانت الأقلية من جعلت الأغلبية مشكلة.

لم يتجاهل الصهاينة العرب أبداً، بل على العكس من ذلك تداولوا أمرهم وردوا عليهم بشكل مستمر. حيث خلقوا طيفاً وهمياً من كيان سياسي يهودي، يعتبر فيه السكان الفلسطينيين إضافة ثانوية للخطط والرغبات الرئيسية لليهود. وأنا أدعي أن ممارسة الحياة اليهودية التي خلقت مساحة يهودية في فلسطين خلال فترة قصيرة جداً متحدية قيم وإرادة السكان الأصليين حتى 29 تشرين الثاني 1947، كانت أكثر أهمية من أي بيان سياسي صهيوني.

اعتباراً من عام 1937،بعد تقرير لجنة بيل لتقسيم فلسطين الذي اقترح نقل 225،000 فلسطيني من الدولة اليهودية إلى الدولة العربية، ضم هذا الطيف الوهمي فكرة الترحيل المعترف بها دولياً لبعض السكان العرب.[25] تكمن أهمية هذه الخطوة ليس فقط في الناحية الدبلوماسية، بل في تطور الخيال اليهودي، فلأول مرة تم تصور الوجود اليهودي في فلسطين حتى ولو جزئياً تقريبا من دون العرب. كانت الفكرة مطروحة ومنتشرة في الفضاء العام، وظلت كذلك حتى عام 1948.  وكما هي طبيعة الأفكار،أخذت الفكرة  مسارها الخاص في جعل التفكير بإزالة العرب ممكناً مع أو بدون موافقة محلية ودولية. وكما بين بيني موريس وآنيتا شابيرا، تعاملت التيارات الرئيسية في الصهيونية مع نقل العرب على أنه تطور مرغوب به، حتى لو كان، كما يصفه مارك مازوير “السياسة التي لا يجرؤون على ذكر اسمها، هي حل واضح لمشكلة غير مرغوب بها ولا يمكن الاعتراف بها علناً دون الإضرار  بالقضية.”[26]

وراء النهج الذي شرحته بإيجاز هنا، هنالك فكرة معينة عن السببية التاريخية والأدلة. لا يمكن دائماً التعبير عن المعتقدات، ولا حتى في الرسائل الخاصة واليوميات، بينما غالباً ما تكون الدوافع مخفية ومطمورة ومتناقضة. كثير ما نروي لأنفسنا قصصاً نود أن نؤمن بها عن أنفسنا، ولكنها في الحقيقةً تحجب أكثر مما تكشف. لا تقل أهمية ما زعم الصهاينة أنهم يفعلونه بخصوص حقوق العرب في فلسطين عما يقومون به حقاً في بوتقة الحياة اليومية وبناء مجتمع يستثني العرب. وأود أن أشير إلى أن دراسة الخيال الصهيوني تفتح إمكانيات تفسيرية جديدة، فهي تحول تركيز التاريخ الصهيوني من التشديد على الخطط السياسية وما قاله الصهاينة إلى التركيز على معاني ما فعله الصهاينة وعلى بناء مخيلة معقولة لليهود عن الوطن والاستقلال ومكانة العرب في كل ذلك. كان اليهود مجموعة من المستوطنين الذين وصلوا حديثاً، عازمين على عيش حياة مستقلة تتحمّل السكان الأصليين دون الاندماج معهم. في ظل هذه الظروف، ماذا كان موقع العرب في المخيلة السياسية اليهودية في 29 تشرين الثاني؟ هذه المخيلة، كما أعتقد، لم تكن مجرد خلفية للأحداث السياسية والعسكرية الأكثر أهمية، بل كانت أحد المحركات الأساسية التي أتاحت وقادت الأحداث. وفي نهاية المطاف، لم تكن نتيجة عام 1948 من تشريد الفلسطينيين والاستقلال اليهودي مجرد صدفة خلقتها الظروف ولم تكن ضرورة مطلقة مدرجة في التاريخ.

دعوني  أعيد صياغة حجتي بكلمات أخرى، قد يبدو الخيال الصهيوني – الميل إلى فصل حياته عن حياة السكان الأصليين والتركيز على طرق الحياة والفكر اليهودي- واضحاً، إلا أنه ليس كذلك، وله عواقب كبيرة من حيث الأسلوب والتفسير. كان هذا العنصر الأكثر أهمية في المخيلة الصهيونية ولم يتغير مع الحرب العالمية الثانية. ولكنه حمل معاني مختلفة في فترات مختلفة فيما يتعلق بالسياسة الصهيونية تجاه الفلسطينيين. قبل عام 1939، كان الفصل العرقي الصهيوني جزءا من الخيال الصهيوني الاستقلالي والفدرالي وثنائي القومية حيث تقطن المجموعتان العرقيتان جنباً إلى جنب ضمن نوع من إطار سياسي مشترك. وربما يمكننا هنا أن نتحدث عن اللامبالاة البناءة تجاه الآخر العربي. بعد عام 1939، تغيرت الأمور نتيجة عواقب الحرب وتراجع بريطانيا والهولوكوست: تحولت اللامبالاة البناءة إلى تجاهل تام للآخر الفلسطيني وحقوقه السياسية والجماعية، مع نتائج مدمرة.

بمعنى ما، بعد عام 1939، تخيل اليهود السكان  الفلسطينيين حاضرين وغير موجودين في نفس الوقت.

وهكذا، بينما حاول نحميا رابوبورت ونمرود ليفيت وبنحاس لافون وبن غوريون في 29 تشرين الثاني فهم مستقبل الفلسطينيين في الدولة اليهودية، كانت مشاعرهم تتشكل بفعل الحدث الدرامي غير المتوقع في حينها، فقاموا، في الوقت نفسه، بوضع المسألة، بوعي أو دون وعي، ضمن هياكل قوية سبقتها وأعطتها معنى. يشكل هذا الموضوع إحدى العلاقات بين الصدف التاريخية وبنى القوة. قَبِل اليهود قرار التقسيم، لكن هل قبلوا حقاً أيضاً أقلية بنسبة 45% من العرب؟ في الواقع، قبلوا الأقلية ضمن إطار البنية القوية للبحث عن الطرق اليهودية للحياة السياسية، وهو بحث يحده المشروع الصهيوني للسيادة في مساحة يسيطر عليها اليهود، ويعتبر العرب فيها إضافة ثانوية كسكان أصليين. يمكن لهم أن يبقوا، ولكن من الأفضل ألا يفعلوا.

بالطبع، هناك جانب آخر لحكايتنا. لا ينبغي أن نروي قصة تلك الفترة كقصة يهودية أو فلسطينية محلية، بل كجزء من علاقة متطورة بين اليهود والعرب في فلسطين. وفي تحليل أوسع، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ردود فعل الفلسطينيين والدول العربية قبل وبعد قرار التقسيم، وبشكل أعم، دور العلاقة بين اليهود والعرب في فلسطين. لا أستطيع أن أدعي أنني أنصفت هذه الموضوعات في هذا المقال. رغم ذلك، أعتقد أن القصة التي حكيتها توفر لمحة مهمة عن تاريخ الصهيونية.

إحدى الطرق لقراءة خيال 29 تشرين الثاني، وعواقبه في الحرب هو أن نسأل، ماذا لو لم يمر قرار التقسيم؟ وقد مر بفارق ضئيل في النهاية. احتاج إلى أغلبية الثلثين، وحصل على 72% من الأصوات (33 لصالح التقسيم، 10 ضد، أي ما مجموعه 43 صوتا. امتنعت عشر دول عن التصويت وغابت دولة واحدة فلم تحسب أصواتهم في النتيجة النهائية). احتاج الأمر إلى ثلاث دول فقط لرفض القرار. في التأريخ، يتوقف الكثير على قرار التقسيم الذي لا تزال أصداؤه تصل إلى النقاشات السياسية اليوم. ماذا لو؟ من الجيد أحياناً أن نسأل أسئلة بسيطة، تبدو إجاباتها واضحة، لأنها قد تأخذنا في اتجاهات جديدة وغير متوقعة. ماذا كان يمكن أن يحدث بشكل مختلف حينها؟

لا شيء، أو بالأحرى لا شيء مثير. أعلن البريطانيين أنهم سيغادرون فلسطين، والحرب حصلت لأن البريطانيين قرروا المغادرة، وليس بسبب قرار التقسيم. مع القرار أو بدونه، كان البريطانيون سيغادرون، وكانت الحرب ستندلع (كما حصل عند تقسيم الهند والباكستان قبل بضعة أشهر فقط عام 1947)، كان اليهود سيدخلون الحرب مع فكرة مسبقة عن موقع الفلسطينيين في دولتهم، كانوا  سيكسبون الحرب ويأسسون دولة يهودية. لذلك يجب علينا تهميش الهيمنة التفسيرية لقرار التقسيم. وقد يكون أحد أسباب أهمية القرار في التأريخ من ناحية ما، هو أنه أعطى إسرائيل شرعية قانونية دولية. كما وظل حجة يستخدمها اليهود لانتقاد العرب على رفضهم القرار.

في 29 تشرين الثاني، التقت ريبة وتنوّع التفكير اليهودي حول العرب بأنماط قديمة من طرق الحياة والفكر. لا عجب إذن أن يشعر البعض بالقلق بعد أن أصبحت الدولة ممكنة، ولكن مليئة بالعرب. فمثلا، قال حاييم بن آشر، عضو في حزب مباي وأحد مؤسسي كيبوتس جفعات برينر، في اجتماع اللجنة المركزية لمباي المذكور أعلاه في 3 كانون الأول: “إننا نواجه أسئلة ثورية. على سبيل المثال، مسألة العمالة العربية في الدولة اليهودية. ليس من الواضح ما إذا كنا سنعطي العرب إعانات البطالة كما نعطي اليهود؟ أو إذا كان العمال اليهود فقط هم من سيشقون الطرق إلى النقب أم العمال العرب كذلك؟… هل سيحصل العرب واليهود على أجر متساو؟ هل سنفعل ذلك على الفور أو بعد فترة انتقالية؟”[27] عكس هذا بعض القلق بالإضافة إلى  الحزن.

وهكذا، في الأيام والأسابيع التي تلت 29 تشرين الثاني وحتى عام 1948، شنت حرب في فلسطين. لم يعرف أحداً ما ستجلبه الحرب في أعقابها. لكن الحالات الطارئة والظروف التي أنتجها قرار التقسيم لم تعن شيئاً إلا داخل بنيات القوة التي حددت تاريخ الصهيونية لبعض الوقت. أتيحت بعض الخيارات، بينما انعدمت خيارات أخرى. ومهد خيال غير ملموس الطريق إلى إسرائيل مع فلسطينيين أقل، من خلال الإكراه على الرحيل والطرد.

بروفسور تاريخ ودراسات يهودية، جامعة ماساتشوستس، أمهيرست.

* نشر النص للمرة الأولى بالعربية في العدد ال-67 من مجلة “قضايا إسرائيلية” الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار”.

[1]رسالة  نحميا رابوبورت، 30 تشرين الثاني1947، موجودة في حوزتي. وأنا أتقدم بامتناني لإيريت هالافي لمشاركتها مراسلات عائلتها معي.

[2] Nimrod Levite, At the Pick of his Days. Letters and Writings (Tel Aviv, 1959), in Hebrew, p. 215.

[3] لتقييم متوازن أنظر, Avi Shlaim, “Did they Leave or Were they Pushed?” in Shlaim, Israel and Palestine: Reappraisals, Revisions, Refutations (London, 2009), pp. 54-61.

[4] Anita Shapira, Israel: A History (Waltham, Mass., 2012), 158, 175.

[5] أنظر أيضاً تحليلي لحجة شابيراAlon Confino, “The Warm Sand of the Coast of Tantura: History and Memory in Israel after 1948,” History and Memory 27, 1 (Spring/Summer 2015): 51-52.

[6] Benny Morris, 1948  and The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947-1949. 2nd ed. (Cambridge, 2004).

[7] لتوضيح هذه الحجة في حالة تفسير الهولوكوست أنظر: Foundational Pasts: The Holocaust as Historical Understanding (New York, 2012).

[8] Benny Morris, 1948  and The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947-1949. 2nd ed. (Cambridge, 2004).

[9] Ilan Pappe, The Ethnic Cleansing of Palestine (Oxford, 2006), pp.  xii, xiii, xv, 5, xviii.

[10] عادل مناع, نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل 1948-1956 (بيروت 2015).

[11] Manna’s book in Hebrew, p. 21. Please put the page number from the Arabic edition.

[12] Alon Confino, A World Without Jews: The Nazi Imagination from Persecution to Genocide (New Haven, 2014).

[13] عن الارتباطات بين النكبة والمحرقة، أنظر العمل الممتاز الذي قام به بشير بشير وعاموس غولدبيرغ, The Holocaust and the Nakba: A New Grammar of Conflicting Historical Traumas (Columbia University Press, 2018, forthcoming).

[14] يطرح مناع نفس النقطة في Nakba and Survival, p. 21 (Hebrew edition. Please put the page number of the Arabic edition. It is the same page number as in note 11).لا أقول أنه ليس هناك أهمية سياسية وتاريخية لخطة رسمية من القادة العسكريين والسياسيين لطرد أو إبادة مجموعة مختلفة. بالطبع لا. من الضروري، من بين أمور أخرى، إثبات وجود النية وبالتالي المسؤولية القانونية. ولكن عند النظر إليها وحدها، إنها ليست كافية لتفسير الدوافع والأفعال من الأسفل.

[15] Yossi Amitay, “the Arab Minority in Israel: The Years of the Military Administration, 1948-1966,” in Anita Shapira, ed., Independence: The First 50 Years (Jerusalem, 1998), in Hebrew, online version, p. 3.  http://www.amalnet.k12.il/meida/history2/hisi3060.htm. Accessed on June 17, 2016.

[16] Dimitry Shumsky, Beyond the Nation State: The Zionist Political Imagination from Pinsker to Ben-Gurion (Yale University Press, 2018, forthcoming).

[17]) Colin Shindler, A History of Modern Israel (Cambridge, 2008), p. 37.

[18] Yosef Gorni, Policy and Imagination: Federal Plans in the Zionist Political Thinking, 1917-1948 (Jerusalem, 1993), in Hebrew, pp. 216-230.

[19] مع ذلك، على الرغم من قوميتهم الثنائية، كان أعضاء هشومير هتسعير جزءا أساسيا من فيلق ضباط بالماخ، قادة تهجير الفلسطينيين في حين أثرت كيبوتسات الحركة نفسها بالأراضي العربية دون أي تردد قبل وبعد الحرب. لمعرفة المزيد عن الكيبوتسات , أنظر دراسة أريج- صباغ خوري الممتازة, “Colonization Practices and Interactions at the Frontier: Ha-Shomer Ha-Tzair Kibbutzs and the Surrounding Arab Villages at the Margins of the Valley of Jezreel/Marj Ibn ‘Amer, 1936-1956.” Ph.D. Dissertation, The Hebrew University, 2014 (in Hebrew).

[20] Meir Avizohar and Avi Bareli, eds., Now or Never: Proceedings of Mapai (The Labour Party of Eretz Israel) in the Closing Tear of the British Mandate (Beit Berl, 1989), p. 261].

[21] المصدر نفسه., p. 51 .

[22]مفهوم الاستعمار الاستيطاني مهم هنا، ولكن مع بعض التعديلات. لا أستطيع الدخول في هذا النقاش هنا لقصر هذه الورقة.

[23] Liora Halperin, Babel in Zion: Jews, Nationalism and Language Diversity in Palestine, 1920-1948, (New Haven, 2014), pp. 157,174, 178.

[24] Amitay, “the Arab Minority in Israel,” p. 4.

[25] وجهت عملية إزالة السكان من أجل خلق دول متجانسة الدبلوماسية الدولية في العقود التي تلت معاهدة سلام فرساي عام 1918. كان النموذج معاهدة لوزان عام 1918 بين تركيا واليونان  إنظر. Eric Weitz, “From Vienna to the Paris System: International Politics and the Entangled Histories of Human Rights, Forced Deportations, and Civilizing Missions,” American Historical Review (December 2008): 1313-1343. Donald Bloxham, “The Great Unweaving: The Removal of Peoples in Europe, 1875-1949,” in Richard Bessel and Claudia Haake, eds., Removing Peoples: Forced Migration in the Modern World (Cambridge, 2009), pp. 167-208.

[26] See, for example, Anita Shapira, Land and Power (Tel Aviv, 1992), in Hebrew, p. 388: “The main [political] current [in Zionism] treated [the transfer of Arabs] as a desired development, even if things could proceed without it.” Mark Mazower, No Enchanted Palace (Princeton, NJ, 2009), p. 133.

[27] Avizohar and Bareli, eds., Now or Never, p. 268.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.