مقصلة الاحتلال الحقيقية

في يوم السبت الأخير بان اليساري-المحرض-الارهابي على حقيقته: احد المتظاهرين حمل قطعة كرتون على شكل مقصلة! “تحريض”، صرخ الاعلام. “الاغتيال السياسي القادم أصبح في الطريق”، زأر السياسيون. صدمة واستنكارات من حائط صهيوني إلى حائط صهيوني تملكت المنظومة كلها.
جلعاد ملتسر

 

عندما اجتمعنا، بعض العشرات من النشطاء، قبل أكثر من سنة في بيتاح تكفا لنحتج على مماطلة المستشار القضائي للحكومة والشرطة في قضايا الهدايا، الفساد، الغواصات ومسكن رئيس الحكومة- حافظ الاعلام الإسرائيلي على صمته. الجمهور اليميني صمت هو الآخر حيال الاحتجاج والقضايا نفسها. فلم يكن هناك شيء.

عندما تحولت العشرات إلى مئات، رأينا بوادر اولى من التقارير الصحافية بيد أن غالبية وسائل الاعلام استمرت في تجاهلها. على صعيد الشبكات الاجتماعية، بدأ اليمين بإظهار القليل من الاهتمام: هدف جديد بالإمكان الاستهزاء به. أما بموضوع الاحتجاج- أي الفساد- فلم يقل شيئاً. فلم يكن هناك شيء.

عندما تحولت المئات إلى آلاف، وعندما طالب مندلبليت، بالتنسيق مع الشرطة، ابعاد الاحتجاج عن منطقة بيته في بيتاح تكفا، بادعاء أنه يشكل مصدر ازعاج عام، اضطر الاعلام فجأة على تداول الموضوع. قليلاً فقط. أي التبليغ عن مطالبتهم بنقل الاعتصام، ومن ثم بأن المحكمة حكمت بأنه بالفعل يجب نقل المظاهرة بضعة مئات الامتار من بيت المستشار القضائي، وبأنها حكمت، في أعقاب الاستئناف، بأنه بالإمكان العودة لنقطة البداية. أصبحت هناك قصة: مستشار، محكمة، متظاهرين وشخص يدعى ميني نفتالي (كان مدير شؤون منزل رئيس الحكومة وأصبح أحد قادة الحراك).

اليسار الحقيقي، الخطير، اليساريون اياهم، محبي العرب على أنواعهم، لم ينهروا ويستنكروا بصوت عال ولم يغنوا طالبين السماح. لم يستنكروا يستنكروا يستنكروا. القليل القليل ربما ولكن ليس بما فيه الكفاية بحسب مقياس الاستنكار والعفو. نقاشات في الاستوديوهات. سجالات على الشبكات. ها قد قلنا لكم، هم لا يستنكرون.

عندما بدأ الآلاف يخرجون إلى الشوارع كل يوم سبت ليس فقط في بيتاح تكفا بل كذلك في بلدات أخرى، وعندما بدأت الشبكات (الاجتماعية) تسخن وصار هناك من يتهم المتظاهرين بأنهم يساريون، بأن هذه محاولة انقلاب، وبأن ذلك منافي للديمقراطية وغيرها من الجواهر (ذلك عدا عن الانتقال إلى المستويات الشخصية وممارسة الارهاب ضد ميني نفتالي بواسطة دعاوى التخويف)، حصل أمران بشكل متوازي:

اليمين تخوف من قيام غيره بسرقة “الشارع” منه ومن تفسير صمته في الحيز العام كتعاون مع اليساريين في مظاهراتهم، على اعتبار بأن المظاهرات ضد الفساد هي بالتأكيد من صنع اليساريين. لذلك فقد قام اليمين بتنظيم مظاهرات بميزانيات ضخمة، تشمل المواصلات، ونجح في تجنيد بضعة عشرات المتظاهرين الذين تصدرهم رئيس الائتلاف (احتياط) عضو الكنيست دافيد بيطان. من بين آلاف المتظاهرين “اليساريين” وثلة المتظاهرين اليمينيين المناهضين، كان الشخص المركزي الذي قامت وسائل الاعلام بمقابلته هو عضو الكنيست بيطان- وقد كان ذلك قبل بكثير من استدعائه لتقديم تفسيرات على بضعة أمور أخرى تفوح رائحتها بالفساد. ونذكر هنا بأنه هو والمتظاهرين المناهضين لم يتفوهوا بكلمة واحدة ضد الفساد بل فقط ضد اليسار المعادي للديمقراطية والفوضوي حتى.

عندما كبرت المظاهرات أكثر في أعقاب الكشف عن القضايا الجديدة، أي تلك التي يبدو بأن رئيس الائتلاف (احتياط) متورط فيها إلى جانب آخرين، تقرر نقل مركز الحراك إلى جادة روتشيلد في تل أبيب. الاعلام واظب على التبليغ عن أعداد سخيفة من المتظاهرين حتى عندما أظهرت الصور الجوية غير ذلك- بأن الحديث عن عدد جدي جداً وعن عشرات الآلاف. صمت. تلعثم. ولا أي كلمة عن الفساد، عن الغواصات التي تم شرائها، خلافاً لتوصية قائد القوات العامة ودون مناقضة، من شركة يحفل سجلها بالفساد بمساعدة وسطاء مشبوهين اتضح بأنهم، بطريقة أو بأخرى، مرتبطين أو يعملون مع رئيس الحكومة (الذي لم يعرف شيئاً- فمن قال بأن على رئيس الحكومة أن يعرف عن أكبر صفقة أسلحة تقوم بها إسرائيل في السنوات الأخيرة؟)، والكثير من الكلمات في مذمة “مصالح المتظاهرين”، وعن “شبهات للقيام بأفعال مشينة”بحق ميني نفتالي وعن كون الحراك “سياسياً” (وكأن الحديث عن شيء معيب!). وبالطبع سيمفونية دفاعية من قبل كلاب الحراسة للمسكن في شارع بلفور (منزل رئيس الحكومة) وصمت تام فيما يتعلق بالآثام التي يدور الحديث عنها.


وعندها، وبينما خرج في يوم السبت ألأخير عشرات الآلاف من أبناء إسرائيل للتظاهر، سياسة أو لا، مصالح أم لا، بان اليساري المحرض الارهابي على حقيقته: احد المتظاهرين حمل قطعة كرتون على شكل مقصلة. “تحريض”، صرخ الاعلام. “الاغتيال السياسي القادم أصبح في الطريق”، زأر السياسيون. صدمة واستنكارات من حائط صهيوني إلى حائط صهيوني تملكت المنظومة كلها. لكن اليسار الحقيقي، الخطير، اليساريون اياهم، محبي العرب على أنواعهم، لم ينهروا ويستنكروا بصوت عال ولم يغنوا طالبين السماح. لم يستنكروا يستنكروا يستنكروا. القليل القليل ربما ولكن ليس بما فيه الكفاية بحسب مقياس الاستنكار والعفو. نقاشات في الاستوديوهات. سجالات على الشبكات. ها قد قلنا لكم، هم لا يستنكرون.

حسناً هذا ردي: عندما يعتذر السياسيون الفاسدون في الحكم عن مليون ونصف المليون طفل تحت خط الفقر، سأعتذر عن الذوق المعيوب لمتظاهر واحد في مظاهرة لعشرات الآلاف.

عندما تقوم الحكومة وأعضاء الائتلاف ومهزومي المعارضة كذلك في الاعتذار عن التنكيل بالضعفاء، طرد اللاجئين، الخنق المعماري لعرب إسرائيل، مواصلة التنكيل بجيل آخر من الشرقيين في الضواحي والأحياء الضعيفة في المركز، المعاملة التعسفية غير المنتهية بحق نجاة الكارثة والمسنين وذوي الاعاقات، عدم تحقيق العدالة وتعويض العائلات التي اختطف أولادها، التدمير والتسخيف القومي لجهاز التربية، تفكيك مكابح الجهاز القضائي، تدمير الاعلام المستقل- عندها سأعتذر لأننا نحن اليساريين نعتقد بأن “اورشليم من ذهب” هي أغنية عنصرية وقومجية، وبأن خسارة “مكابي تل أبيب” أمام فريق يوناني ليست كارثة، وبأننا بين الحين والآخر نقوم بتمرير شيك، نعبر عن تأييدنا أو نتظاهر لدعم منظمات مثل “نكسر الصمت”، “اللجنة ضد التعذيب”، “بتسيلم”، “مركز ادفا”، وحتى، ارحمنا يا الله، وسيلة اعلام مثل “هعوكتس”(موقع اللسعة بالعبرية).

عندما يعتذر الفاشيون عن مقصلة الاحتلال الحقيقية سأعتذر عن مقصلة الكرتون ضد الفساد. واضح للجميع أية سكين تتسبب بسفك أكبر للدماء.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.