عندما يتهم اليمين الاستيطاني الآخرين بالعنصرية!

عندما أكسر الصمت فأنا أقاتل أولاً من أجل وقف قمع ملايين الفلسطينيين في الأراضي (المحتلة) ولكن أيضاً من أجلنا- لكي نتمكن نحن في المجتمع الإسرائيلي من اجراء تعديل جذري لتلك العنصرية التي تتواجد في أعماق نفسنا القومية.
عيدو ابن باز

 

بعد أن نعتوني ب”الخائن” و”الجاسوس”، تقوم منظمات المستوطنين الآن باستخدام المدسوسين لتحاول وصمي بالعنصرية كذلك. لذا فبدل الاعتماد على عنوان في محطة تلفاز لا تشكل الاخلاقيات والاستقامة جزءاً من أسسها الصحافية المتينة، أريد أن أتحدث عن العنصرية وكيف يحاولون بواسطتها اسكات هؤلاء الذين يحاربونها.

قامت القناة 20 مؤخراً بنشر مقتطفات من محادثة وثقها مدسوس يميني رافقنا في “نسكر الصمت” لمدة أشهر مع كاميرا خفية. الهدف: تجميع أكبر كم ممكن من المواد التي يمكن نشر مقاطع منها بهدف المس بصورة المنظمة ونشطائها. المقطع الذي نشرته القناة 20 سعى إلى احراجي وإحراج أصدقائي وتصويري كعنصري تجاه الشرقيين والعرب.

لكي تحقق هذه الخديعة هدفها، لكي تستفز من يسمعها، يجب أن تقدم الأمور خارج سياقها السوسيولوجي ودون تطرق إلى قمع المجموعات المستضعفة. لهذا، فقد أسقط المقطع في المحادثة المسجلة الذي يتم فيه تداول خوف الناس من الفلسطينيين- كما أذكر- من التسجيل عند تحريره.

ماذا قيل حقاً في تلك المحادثة؟ تحدثت إلى أصدقائي بالمنظمة وقلت لهم بأنني، مثلي مثل غالبيتنا، استوعبت الخوف من العرب منذ صغري في عدد لا يحصى من المناسبات والأطر التربوية على مدى حياتي، وبأن الخوف من كل العرب ليس بالأمر العقلاني تماماً كأن يقول أحدهم بأنه يخاف من كل الشرقيين أو كما وصفتهم بالتسجيل- العرب اليهود. هكذا حاولت أن أبين بأن هذه عنصرية وهذه عنصرية ولا فرق بينهما. لكن الحقيقة لا تعني المدسوسين ولا القناة 20، الحقائق ليست مهمة، السياق ليس مهماً ولا توجد لديهم أية معضلة أخلاقية لتحويل شخص لعنصري- ان كان الحديث عن ناشط في “نكسر الصمت” أو عن أي يساري آخر يعارض الاحتلال.

أنا أعرف بأن العنصرية، وهي نتيجة سياسة سياسية هدامة وخطيرة، لا تبقى في طرف واحد من الحاجز بل تقطع الخط الأخضر معنا- في الاجازات، في العطل العادية، في المواطنة- وتصبح جزءاً منا.

أنا اشكنازي كبر وسط النخبة صاحبة الامتيازات، ولأنني آتي من هناك بالتحديد فأنا أعرف كمية العنصرية في ذلك الوعي الأبيض.أنا أعرف كذلك بأنها هي التي منحتني أدواتاً- القيم الليبرالية وعلى رأسها كرامة الانسان والمساواة- لكي أرى تلك العنصرية وأعارضها. عندما أكسر الصمت فأنا أقاتل أولاً من أجل وقف قمع ملايين الفلسطينيين في الأراضي (المحتلة) ولكن أيضاً من أجلنا- لكي نتمكن نحن في المجتمع الإسرائيلي من اجراء تعديل جذري لتلك العنصرية التي تتواجد في أعماق نفسنا القومية.

تعلمت من التجارب التي تراكمت في حياتي حتى الآن- كفتى، كجندي، كناشط في “نكسر الصمت” وكمعلم لعلم الاجتماعي بدراستي- بأن هناك مظالم غير أخلاقية تقودها النخب، وبأن هناك من يحاربون النخب لتغيير وتعديل ما هو غير أخلاقي. في الماضي كان الحديث عن هيمنة “مباي” أما اليوم فهو عن هيمنة اليمين الاستيطاني. رأيت بأن هؤلاء الذين يحاربون باسم الأخلاق والعدل يدفعون الثمن غير المعروف وغير المتوقع والباهظ بأحيان كثيرة. رأيت كي يحاول القوي، وينجح في كثير من المرات، بتحريض المجموعات المختلفة ضد بعضها البعض لكي يحافظ على مكانته. عايشت ذلك كجندي وأنا أشعر به اليوم كمواطن إسرائيلي. خلال خدمتي العسكرية في الأراضي (المحتلة) كنت جزءاً من ذلك الطرف القوي الذي يسيطر بالقوة على حياة ملايين الفلسطينيين. تجولنا في الشوارع المدن والقرى المزدحمة، قمنا بتفريق المظاهرات بالعنف واقتحمنا البيوت في منتصف الليل لكي نقمع أية غريزة للتمرد والاحتجاج.

الهدف من كل هذا هو السماح باستمرار النهب والعنف وهي جزء لا يتجزأ من الاحتلال. القوة، القمع والكراهية التي يعرفها كل جندي خدم في الأراضي (المحتلة) عن قريب تخدم بالدرجة الاولى الهيمنة الاستيطانية الجديدة التي تشكلت في ظل هيمنة “مباي” القديمة. أنا أعرف بأن العنصرية، وهي نتيجة سياسة سياسية هدامة وخطيرة، لا تبقى في طرف واحد من الحاجز بل تقطع الخط الأخضر معنا- في الاجازات، في العطل العادية، في المواطنة- وتصبح جزءاً منا.

للأسف، العنصرية ليست غريبة عن اليسار ومن المهم بأن نراها، بأن نتحدث عنها ونحاربها: لكن لا يمكننا أن نتجاهل نفاق اليمين الاستيطاني عندما يتهم شخصاً آخراً بالعنصرية. فهم بأنفسهم أشكنازيون أصحاب امتيازات. ليس جميعهم، واضح. ولكن تكفي مراجعة الاواسط التي تأتي منها قيادتهم السياسية- في الكنيست، في السلطات المحلية وفي المنظمات المختلفة- لكي نفهم بأنهم يتهمون الآخرين بالعنصرية لكي لا نرى كم هي بشعة عنصريتهم تجاه الشرقيين، العرب، الأثيوبيين، اللاجئين وبقية المجموعات المستضعفة. هذه النخبة الجديدة تستثمر كل جهودها لتقتسم قطعة أخرى من الكعكة لمن شبعوا ولتدك البقية بالكراهية، الخوف والعنصرية. كل جهودهم مخصصة لنهب المزيد من الأرض والمزيد من الموارد من بقايا دولة الرفاه الفاشلة من أجل أنفسهم. في المستوطنات يعيش أناس يشبهون بعضهم البعض ومن حولهم جدار.

صحيح بأننا ما زلنا بعيدين عن أية امكانية حقيقية لتوحيد النضالات لكنني أريد أن استغل هذه المنصة لكي اؤكد على أهمية التضامن بين النشطاء المختلفين الذين يناضلون من أجل مجتمع عادل مقابل النخبة التي تسعى إلى الحفاظ على قوتها وبقائها في الحكم بواسطة تهييج المشاعر وشرذمة المجتمع الإسرائيلي. تضامن من النبي صالح حتى حي “الارجازيم”، أمام الحاخام لفينجر وحتى الأخوة عوفر، من جمعية “عمرام” وحتى نكسر الصمت. عسانا ننجح. فقط هكذا سنستطيع التقدم باتجاه مجتمع متساوي أكثر.

مركز الفعاليات التربوية في منظمة “نكسر الصمت”.

 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.