وفجأة تذكر عباس بأنه قائد

أبو مازن بدأ يفهم بأن عليه أن يتولى القيادة لكنه ينسى بأن الوحش البيروقراطي الذي أقامه من حوله سيعارض تغيير الوضع القائم، وحتى ان أراد أن يتبنى خطاً حربياً فهم والطبقة البرجوازية الجديدة سيقومون بكل ما في استطاعتهم لمنع ذلك.
عبد أبو شحادة

 

ألقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) قبل عدة أيام خطاباً أمام المجلس المركزي الفلسطيني في رام والله وأعلن، من ضمن أمور أخرى، بأن اوسلو قد انتهى وبأنه ليس بإمكان الولايات المتحدة أن تتوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد اليوم. بلا أي مشروع سياسي في الأفق ودون تواجد حماس والجهاد الإسلامي في القاعة، لم يكن خطابه إلا سلسلة من التهديدات الموجهه للولايات المتحدة وإسرائيل.

بعد مرور عقدين حاول خلالها أن يحيى عملية مفاوضات فارغة من خلال قمع بقية الفصائل الفلسطينية- بما يشمل تيارات داخل فتح تعارض الخط الذي يقوده بواسطة قوات الأمن الإسرائيلية ومؤسسات التنسيق الأمني- ها هو يتذكر الآن بأنه قائد (ذلك رغم كونه قائداً غير شرعياً منذ أن رفض قبول قواعد اللعبة الديمقراطية ونتائج الانتخابات من عام 2005) شعب يتواجد تحت الاحتلال وبأن عليه أن يقود نضالاً للتحرر القومي عوضاً عن المفاوضات.

أفضل شيء يستطيع القيام به الآن هو أن يخلي كرسيه لمروان البرغوثي الذي يتمتع بإجماع فلسطيني واسع سيسمح له باتخاذ قرارات غير سهلة بعد سلسة الاخفاقات التي تسبب بها أبو مازن.

وقد بدى جريئاً وأثار الأصداء عندما قال لدونالد ترامب “يخرب بيتك” لكن المشكلة لا تبدأ بقرارات ترامب، وعباس يقلل من مساهمة رؤساء الولايات السابقين للمستوطنات ولقمع الشعب الفلسطيني. وحتى اذا ما قبلنا فرضيته القائلة بأن الحكم الأمريكي الحالي غير صالح لأخذ دور في توسط المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين وبأن ذلك الذي جلس هناك من قبل كان أعقل بقليل- فإن ذلك لا يعني بأن المشكلة ليست بأبو مازن نفسه ان كان بعدم قدرته على تحصيل شيء من المفاوضات وإن كان بعدم قدرته على الحكم على الأمور كما هو متوقع من القادة بحيث يستوعب بأن مآل المفاوضات أن تفشل وبأن كل جوهرها هو الحفاظ على بيئة هادئة لا تشوش على مصنع الاستيطان.

خلافاً لموقف عشرات المثقفين والنشطاء الفلسطينيين الذين حذروه من مصيدة المفاوضات، فقد استمر بما يقوم به بكل ثمن مستغلاً الأموال الأمريكية. وقد عزز مكانته من خلال تعيين مقربيه لوظائف هامة في أجهزة الأمن وإقامة منظومة بيروقراطية بليدة وغير ناجعة- المهم بأن تحول المعاشات دون تفكير أبناء شعبه بالمقاومة. الآن بدأ يفهم بأن مدينة الملاهي المبهرجة التي بناها من الألم الفلسطيني على وشك أن تصل لنهايتها وبأن عليه أن يتولى القيادة لكنه ينسى بأن الوحش البيروقراطي الذي أقامه من حوله سيعارض تغيير الوضع القائم، وحتى ان أراد أن يتبنى خطاً حربياً فهم والطبقة البرجوازية الجديدة سيقومون بكل ما في استطاعتهم لمنع ذلك.

وهكذا كان بأن المنتصر الكبير من كل هذا الوضع البائس هو سارق السيارات من طولكرم- محمد دحلان والذي نجح منذ أن أبعده عباس ببناء علاقات في الامارات ومصر ومع ليبرمان والولايات المتحدة تدو حول مشروع معادي “للاخوان المسلمين” في العالم العربي، ذلك أيضاً من خلال ضخ الأموال لخلايا في الضفة الغربية تتسبب بالكثير من المشاكل لقوات الأمن الفلسطينية. بإمكان دحلان أن يستغل الوضع لكي ينحي أبو مازن ويصبح بمساعدة إسرائيل القائد الفلسطيني الجديد. هناك من يعتقد بأن هذا التقدير منقطع عن الواقع- فالحديث عن شخص مكروه بنى نفسه من سرقة السيارات والعلاقات مع أطراف خارجة عن القانون: ولكن في واقع تصعد فيه طبقة برجوازية جديدة تستثمر المليارات في مشاريع ضخمة مثل مدينة “روابي” وتفعل فيه منظومة بيروقراطية كاملة أي شيء للحفاظ على بقائها- كل شيء ممكن.

تهديدات أبو مازن ليست إلا تهديدات فارغة. في السنوات التي استمتع وتنقل فيها بالعالم بصفته “قائد”، أدرك الوعي الفلسطيني بأنه جزء من المشكلة بعدم قدرته على أن يكون جزءاً من الحل. بعد كل هذه السنوات التي اعتقل، قمع ونكل فيها بالناس، لن توافق بقية الفصائل على قبوله كقائد. وعليه، فإن أفضل شيء يستطيع القيام به الآن هو أن يخلي كرسيه لمروان البرغوثي الذي يتمتع بإجماع فلسطيني واسع سيسمح له باتخاذ قرارات غير سهلة بعد سلسة الاخفاقات التي تسبب بها أبو مازن. نهايةً، يبدو بأن أكثر شيء مسلي خرج من كل هذه القصة هي المقابلة التي اجريت مع أفيغدور ليبرمان: بعد سنوات استخدم فيها أبو مازن ككيس للضربات من أجل كسب الأصوات في الانتخابات، قرر الآن أن يهدئ أبو مازن وأن يطلب منه بطريقة حسنة ألا “يخرب البيت” وأن يبقى بخط المفاوضات(!!).

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.