مشاريع الضم في السجال الإسرائيلي الراهن (الجزء الثاني)

تختلف إستراتيجيّة الضمّ هذه المرّة عن إستراتيجيّة ضمّ القدس؛ ففي الأخيرة قامت إسرائيل بضمّ القدس بعد احتلالها ثمّ قامت بتهويدها بينما في حالة مشروع ضمّ مناطق “ج”، فإنّ الإستراتيجيّة الإسرائيليّة كانت معكوسة، فهي تقوم بممارسات ضمّ فعليّ لمناطق “ج”، تنتهي بضمّ قانونيّ لها.
مهند مصطفى

 

للاطلاع على الجزء الأول. 

مشروع الضم جدلية المواطنة والأرض

يحاول هذا المبحث عرض السجال الإسرائيلي حول فكرة الضم وإشكالية الأرض والسكان، بمعنى ما هي حقوق الفلسطينيين التي يجب ان تتربت على ضم الضفة الغربية أو جزء منها.

ضم بدون حقوق مواطنة للفلسطينيين

تنطلق بعض التصورات من أن الضم لا يعني منح حقوق مواطنة لكل الفلسطينيين في الضفة الغربية، وسنبدأ بعرض تصور الأديب الإسرائيلي اليساري، أ.ب. يهوشواع، والذي ينطلق من ضم مؤقت ومكانة إقامة مؤقتة. أخذت فكرة ضم مناطق “ج” دعما من يهوشواع الذي كتب مقالا طالب فيه بضمها ومنح الفلسطينيين فيها مكانة إقامة (على غرار القدس)، وذلك لتخفيف عبء الاحتلال عنهم حتى تصل المرحلة التي ينضح فيها حل الدولتين، وفي تحليل لفكرة يهوشواع فانه عمليا يتبنى خطة بينيت لضم مناطق “ج”، رغم أنه يتحدث عن منطلقات وأهداف مختلفة عن تلك التي ينطلق منها بينيت.

ينطلق يهوشواع من مقاله أن البيئة الإسرائيلية والفلسطينية والإقليمية تمنع إخراج حل الدولتين إلى حيز التنفيذ، لذلك فهو يقترح حلولا جزئية تساهم في تخفيف حدة الاحتلال الذي يعاني منه الفلسطينيون، ويشير يهوشواع في مقاله أن “حل الدولتين لشعبين أصبح حاليا متاحا أقل، لذلك يجب التفكير بحلول جزئية أخرى، ذات صيغة فدرالية، تتجاوز غياب القدرة على ترسيم حدود دولية واضحة بين الشعبين في أرض إسرائيل”.[i]

لذلك يقترح يهوشواع:

“في المرحلة الأولى، ولكي نخفف من واقع الاحتلال، الذي يُسمّم الديمقراطية الإسرائيلية داخل الخط الأخضر، هنالك حاجة لمنح إقامة إسرائيلية لـ100 ألف فلسطيني في مناطق “ج” [….] منح الإقامة للفلسطينيين يعطيهم قبل كل شيء الحقوق الأساسية التي يملكها المستوطنون الذي يسكنون حولهم.، بمعنى: تأمين وطني، تأمين صحي، مخصصات بطالة، حد أدنى للأجور، حرية الحركة ومكانة قانونية قوية أمام سلطات القضاء والقانون الإسرائيليين، مثل هذه الإقامة ستمنع سلب أراضيهم (أو ستصعب ذلك) حسب قوانين التسوية سيئة الصيت، أو بموجب الأوامر العسكرية التعسفية…”.

يستدرك يهوشواع في مقاله، أنه لا يقصد بهذه الخطوة ضم المناطق إلى السيادة الإسرائيلية، وقد شدّد يهوشواع على ذلك في أعقاب الفرحة التي ضربت اليمين من أقواله في يوم دراسي التي فهمت بأنها تأييد لمشروع الضم، معتبراً أن اقتراحه لا يعني بأي حال من الأحوال تغيير مكانة هذه المناطق بل ستبقى تُعرف كمناطق نزاع، يحدد مستقبلها في اتفاق مستقبلي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

يقع يهوشواع في تناقض صارخ في مقاله بين مقولته الأخيرة وبين ما قاله في بداية المقال، ففي مقولته الأخيرة يشير يهوشواع أن مكانة الإقامة للفلسطينيين في مناطق “ج” لا تعني الضم فكما أن القدس الشرقية لا تزال حاضرة في المفاوضات وستحدد مكانتها في تسوية نهائية بين الطرفين، فكذلك الأمر بالنسبة لمناطق “ج”، فإعطاء مكانة الإقامة للسكان الفلسطينيين لا يعني، على حد تعبيره، أنها ستكون خارج مفاوضات الحل النهائي. إلا أن يهوشواع يتجاهل ما قاله في بداية نفس المقال أن “القدس نفسها، حسب هذا الحل [الدولتين] والمعدة أن يكون الجزء الشرقي الفلسطيني منها عاصمة الدولة الفلسطينية، تحولت من الناحية الفيزيائية، أكثر وأكثر لمدينة واحدة، وإمكانية أن تمر فيها بالمستقبل حدود دولية أصبحت غير واقعية تقريبا”.

يؤيد الرئيس الإسرائيلي ريفلين فكرة الضم الكامل مع مواطنة، ففي خضم هذا النقاش الراهن خرج رئيس الدولة رؤوبين ريفلين ناقداً بارزاً للسجال حول الضم، وموضحاً موقفه الأيديولوجي التقليدي، وهو موقف اليمين التقليدي منذ جابوتنسكي، معتبراً أن أي حديث عن ضم يجب أن يشمل إعطاء حقوق مواطنة كاملة للسكان الفلسطينيين.

اذن يعترف يهوشواع في بداية مقاله، أن واقع القدس تحول بعد 50 عاماً من الاحتلال إلى واقع يُصّعب تقسيمها، وهو في نهاية نفس المقال يتبنى نموذج القدس لطرح تصوره حول إعطاء مكانة الإقامة للسكان الفلسطينيين في مناطق “ج”، واليمين لا يحتاج أكثر من ذلك ليعيد إنتاج واقع القدس على هذه المناطق، حيث أن إعطاء مكانة الإقامة في مناطق “ج” تعني في نهاية المطاف حتى حسب منطق يهوشواع ضماً فعلياً ونهائياً لها.

إضافة إلى هذا التناقض الصارخ الذي أشرنا له، وجه الباحث الإسرائيلي شلومو افنيري نقداً لفكرة يهوشواع، حيث اعتبر أن اقتراحه سيساهم بالذات في تعزيز الشعور بالظلم لدى الفلسطينيين، الذي اعتقدوا أن السيطرة الإسرائيلية عليهم هي مؤقتة، ومع اعطائهم مكانة الإقامة فان ذلك سيعزز لديهم الشعور أن السيطرة عليهم هي دائمة، إضافة إلى ذلك عدّد افنيري مجموعة من الأسباب لمعارضته لفكرة يهوشواع، منها أنها تعزز عزلة إسرائيل الدولية بعد الضم، وتقضي على احتياط الأرض للدولة الفلسطينية حيث أن هذه المنطقة تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية، وتحمل انتهاكاً صارخاً لاتفاق أوسلو، وتخلق أزمة مع العالم العربي.[ii]

ضم مع حقوق مواطنة للفلسطينيين

في مقابل خطاب الضم الجزئي بدون مواطنة، يقترح أقطاب في اليمين ضم كل الضفة الغربية مع حقوق مواطنة للفلسطينيين، يعتقد هذا التصور أن الخطر الديمغرافي هو خطر وهمي وغير حقيقي وأن التوجهات الديمغرافية تلعب لصالح الطرف اليهودي، ويندرج في هذا التصور على سبيل المثال، نائبة وزير الخارجية تسيفي حوطبيلي، ورئيس الدولة ريفلين وغيرهم.

يعتبر كتاب كارولين غليك، “الضم الآن”[iii] من التنظيرات الجدية التي يحاول فيها مثقفو اليمين تبرير فكرة الضم، ودحض مزاعم الحلول الأخرى. وهو الترجمة العبرية لكتابها الذي صدر باللغة الإنجليزية وحمل عنوان The Israeli Solution: A One-State Plan for Peace in the Middle East.” والعنوان باللغة الإنجليزية يتحدث عن ضم كل مناطق الضفة الغربية من أجل إقامة دولة واحدة، فهي تنطلق من حل الدولة الواحدة، ولكنها الدولة الإسرائيلية، بحيث تتمدد سيادة إسرائيل من مناطق الـ48 إلى كافة مناطق الـ67 وإقامة الدولة الإسرائيلية الواحدة مع منح حقوق مواطنة للفلسطينيين، وتفند غليك في كتابها مزاعم الخطر الديمغرافي، وهي تعتقد أن حل الدولة الواحدة الإسرائيلية هي المعادلة الصحيحة للسلام في الشرق الأوسط. عندما صدر الكتاب في اللغة الإنجليزية اعترف الكثير من السياسيين الأميركان أن الكتاب غيّر نظرتهم إلى الصراع في الشرق الأوسط.[iv] قراءة كتاب غليك يحمل الكثير من التصورات الاستشراقية عن العرب، فهي تعتقد أنهم سيقبلون هذا الحل لأن الضم يمنحهم إمكانية العيش في ديمقراطية ليبرالية في الشرق الأوسط، دولة خالية من العنصرية والتمييز العنصري.

كما ذكرنا سابقا، يؤيد الرئيس الإسرائيلي ريفلين فكرة الضم الكامل مع مواطنة، ففي خضم هذا النقاش الراهن خرج رئيس الدولة رؤوبين ريفلين ناقداً بارزاً للسجال حول الضم، وموضحاً موقفه الأيديولوجي التقليدي، وهو موقف اليمين التقليدي منذ جابوتنسكي، معتبراً أن أي حديث عن ضم يجب أن يشمل إعطاء حقوق مواطنة كاملة للسكان الفلسطينيين.[v] ففي هذا السياق عارض ريفلين قانون التسوية (مثل باقي اقطاب اليمين التقليدي) معتبراً أن قانون التسوية، أي قانون مصادرة الأراضي الخاصة الفلسطينية، لا يجب أن يكون بدون ضم المناطق الفلسطينية وإعطاء حقوق مواطنة كاملة للفلسطينيين، حيث اعتبر أن تشريع القانون سيظهر أن إسرائيل دولة ابرتهايد.[vi]

ومن أقطاب اليمين التقليدي الذي ينسجم تصوره مع موقف ريفلين، هو موشيه آرنس، وزير الدفاع السابق عن الليكود، الذي يعتقد أن الضم هو الحل الأمثل للحالة التي تتواجد فيها إسرائيل، ورغم أن آرنس يتبنى فكرة الضم أيديولوجياً ولا يحتاج إلى تبريرها سياسياً أو أمنياً إلا أنه في مقاله يتوصل إلى هذا الحل عبر إلغاء الخيارات الأخرى، فهو يعتقد أنه لا يمكن عقد اتفاق سلام أو تسوية سياسية مع الفلسطينيين، ومن يراهن على اتفاق مع السلطة الفلسطينية فستصيبه خيبة أمل على حد تعبيره، فحماس لا تعترف بمحمود عباس وهي تسيطر على قطاع غزة، وأبو مازن غير قادر على تنفيذ التزاماته تجاه إسرائيل في أي اتفاق مستقبلي، بالنسبة للخيار الأردني يعتقد آرنس أن الأردن لا تريد هذا الخيار. بناء على ذلك يعتقد أن الحل هو إعطاء الجنسية الإسرائيلية للفلسطينيين في الضفة الغربية، ويدحض الادعاء أن ذلك سيقوض ديمقراطية إسرائيل أو وجودها. في هذا الصدد يقول آرنس:

“ماذا سيحدث إن فرضت إسرائيل سيادتها على يهودا والسامرة واقترحت على الفلسطينيين مواطنة إسرائيلية؟ من يرون في الاحتلال واقعاً شرساً وغير مقبول سوف يشعرون بالتأكيد براحة، لان إسرائيل سوف تتحرر من عبء الاحتلال، سيحصل الفلسطينيون على حق التصويت في الانتخابات في إسرائيل، وإسرائيل ستبقى ديمقراطية وموجودة على الرغم أن بنيتها الديمغرافية سوف تتغير بشكل كبير، إلا أن على إسرائيل أن تواجه تحدياً ليس بالبسيط، وهو دمج السكان الفلسطينيين في يهودا والسامرة في المجتمع الإسرائيلي”.[vii]

في نفس السياق، تشير الكاتبة اليمينية، ميري شاليم، (وهي تشغل منصب مديرة عام معهد الاستراتيجية الصهيونية اليميني)، أن فكرة الضم التي يطرحها اليمين تأخذ بعين الاعتبار حقوق الفلسطينيين أكثر من فكرة حل الدولتين التي يطرحها اليسار، وتشير أن “اليسار الليبرالي والمنفتح يطلق كل ادعاء من أجل دعم حل الدولتين مقل الخوف من خسارة الأكثرية اليهودية في إسرائيل، أو خسارة الدولة اليهودية الديمقراطية، في المقابل، فان اليمين المحافظ يدعم الضم والحياة المشتركة، ويعبر عن اهتمامه بمصير الفلسطينيين بعد الانفصال ويخشى عليهم من حالة الفقر والمعاناة التي يعانون منها، كما هو حال الغزيين اليوم، لذلك انتبهوا: يستعمل اليسار مصطلحات قومية، بينما يستعمل اليمين مصطلحات الحقوق والرأفة”.[viii]

يعتبر داني ديان، رئيس مجلس المستوطنات السابق وقنصل إسرائيل الحالي في الولايات المتحدة الأميركية، من اليمينيين الذين يؤيدون ضم كل الضفة الغربية. عارض ديان خطة التهدئة التي طرحها نفتالي بينيت خلال انتخابات الكنيست الأخيرة. حيث يؤكد ديان أن موقفه هو إقامة دولة واحدة يهودية في كل “أرض إسرائيل”، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين وحتى تحسين ظروفهم الإنسانية وإزالة الحواجز وهدم الجدار الفاصل، ولا يفصّل في توجهه حقوق الفلسطينيين السياسية، أو أنه يتجاهلها.

أما الصحفي اليميني حجاي سيغل فيقترح ضم مناطق في الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية ليس حرصاً على حقوق الفلسطينيين السياسية بل تحقيقاً للمساواة للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية

يشير ديان خلال لقاء معه في صحيفة “هآرتس” انه بدأ يلحظ تحسناً في تعامل الدبلوماسية العالمية مع المستوطنين، ففي الماضي قاطعهم الدبلوماسيون، إلا أن الوضع تغير نسبياً، فهو على سبيل المثال ضيف دائم لدى سفير الولايات المتحدة الأميركية في إسرائيل، ويلتقي مع ممثلين دبلوماسيين في الخارج، ويعود هذا الاهتمام برأيه إلى أن هنالك تفهماً أن الحل لا يمكن أن يقفز عن المستوطنين، بل يجب أن يكونوا جزءاً من كل حل، وأنه بات مع الصعوبة إخلاءهم وتفكيك المستوطنات، “تفسيري أنه لأول مرة في العشرين سنة الأخيرة، بدأ العالم يفهم أنه غير متأكد أن هنالك حاجة للسفر في شوارع سريعة بين دولتين”.[ix]

وكان ديان أكد على هذه المقولات في مقال سابق نشره في صحيفة “هآرتس” قال فيه: “كل عاقل يفهم أنه لن تكون هنالك حدود سياسية بين البحر والنهر، ولن تكون هنالك سيادة غير السيادة الإسرائيلية…. ولذلك علينا الاهتمام أن تكون حياة اليهود والعرب حياة عادية قدر الإمكان في ظل الظروف القائمة. الحق في الحياة، أو بكلمات أخرى الحرية من الإرهاب هو الحق الأسمى… نهاية هذه الصيرورة ستكون إزالة الجدار الفاصل الذي يجرح البلاد، ويشوهها ويقلق من راحة الكثيرين- يهوداً وعرباً”.[x]

ضم مع حكم ذاتي فلسطيني

تعتبر خطة التهدئة التي عرضها حزب البيت اليهودي، جزءاً من تصور الضم مع إعطاء حكم ذاتي للفلسطينيين، ولكنها لا تفرض القانون الإسرائيلي على كل الضفة الغربية. داني دانون، عضو كنيست سابق عن الليكود، وسفير إسرائيل الحالي للأمم المتحدة، وأحد القيادات السياسية الصاعدة في الحزب ويعتبر أحد المثابرين في حملة التشريعات القانونية العنصرية في الكنيست السابقة، لا يخفي موقفه من قيام دولة فلسطينية، ففي لقاء معه طرح عملياً حل الدولة ونصف الدولة، أي أن تشكل السلطة الفلسطينية الحل النهائي للمسألة الفلسطينية وتضم إسرائيل باقي المناطق، الفرق بين دانون ونتنياهو ليس في الجوهر بل في المصطلحات المعبرة عن الجوهر، ففي حين يعتبر نتنياهو السلطة الفلسطينية الحالية دولة، لا يسميها دانون، وبحق، بهذا المسمى. يقول دانون:

“قناعتي هي مختلفة عن الرأي السائد حول حل الدولتين، لدي تصور طويل المدى لثلاث دول: الأردن، إسرائيل ومصر، وفي إطارها يعطى حل للموضوع الفلسطيني، من خلال وضع السيادة الإسرائيلية على التجمعات اليهودية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، المجموعة التي تدير السلطة الفلسطينية هي عامل غير مستقر بحيث تستطيع إدارة مفاوضات لمدة طويلة. مصلحتنا هي الحصول على أكبر مساحة من الأرض وأقل عدد من الفلسطينيين، ……النقاش ليس حول يهودا والسامرة، وإنما حول قيام الدولة، لا نريد السيطرة على الفلسطينيين، عليهم إدارة حياتهم. مصلحة الشعب اليهودي ألا تقام دولة إرهاب في ساحتنا الخلفية……. أنا أؤمن بإدارة الصراع وليس بنهاية الصراع”.[xi]

اما الصحفي اليميني حجاي سيغل (عضو المجموعة الإرهابية اليهودية في سنوات الثمانينات ويشغل منصب رئيس تحرير الصحيفة اليمينية “مكور ريشون”)، فيقترح ضم مناطق في الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية ليس حرصاً على حقوق الفلسطينيين السياسية بل تحقيقاً للمساواة للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية، يشير سيغل انه منذ عام 1967 تغيرت مكانة الفلسطينيين في الضفة الغربية فهم يتمتعون بحكم ذاتي في مناطق السلطة، وبقي المستوطنون اليهود خاضعين لسيادة عسكرية، القوانين التي تسري عليهم لا تشرعن في الكنيست وإنما في الجيش، لذلك يقترح سيغل الضم في ثلاث خطوات، الأولى ضم المستوطنات للسيادة الإسرائيلية، ثم ضم مناطق “ج” بعد ذلك، وبعدها ضم الضفة الغربية، ويقول في هذا الصدد: “إن  تطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنات سيوضح للفلسطينيين بأنه لا فائدة للانتفاضة، لأننا هنا كي نبقى هنا. سنبقى في الجليل، والمثلث والنقب وأيضا في يهودا والسامرة […] ترددنا المستمر انتهى، والذي ساهم في تغذية التمرد العربي لعشرات السنوات في يهودا والسامرة، جاءت ساعة الحسم”.[xii]

ضم مع خيار أردني معدل

يمكن اعتبار اريئيل شارون صاحب هذا التصور حتى لو لم يصرح به، ولكن توجهه نحو فك الارتباط عن الضفة بعد غزة، كان سيؤدي إلى هذا التصور في النهاية. في هذا الصدد اقترح الباحث والكاتب يئير شيلغ إعادة إحياء الخيار الأردني، فهو يعتقد أن السجال في إسرائيل يدور بين خيارين، حل الدولتين والضم، ويعتقد أن الفلسطينيين لن يقبلوا بحل الدولتين حسب الشروط الإسرائيلية، كما أن الانسحاب من غزة قدم نموذجاً سيئاً من الناحية الأمنية، أما الضم فهو يهدد إسرائيل حيث أن تصورات اليمين بضم الأرض وإعطاء مكانة إقامة للفلسطينيين على غرار الواقع في القدس لن يتعايش معه العالم ولا الفلسطينيون، حيث ستمارس ضغوط على إسرائيل لإعطاء حقوق مواطنة للفلسطينيين، ويعتقد أن سكوت العالم على هذا النمط من الضم لا يعني أنه سيوافق عليه في الضفة الغربية كلها، وسكوته على الوضع في القدس نابع من اعتقاده أن هذا الوضع مؤقت، كما أنه يشمل جزءاً من الأرض والسكان في الضفة الغربية وليس كلها.

يقترح شيلغ الخيار الأردني بشكل مختلف، فهو يقترح أن تقوم الأردن بالسيطرة على المناطق التي يديرها الفلسطينيون اليوم، بينما تقوم إسرائيل بضم المناطق التي تسيطر عليها وتديرها وتعطي مواطنة للسكان الفلسطينيين الذين يسكنون فيها.[xiii] لا يختلف شيلغ في فكرته عن فكرة ضم مناطق “ج” فهي المناطق التي تديرها وتسيطر عليها إسرائيل بشكل كامل وشامل في الضفة الغربية، يختلف شيلغ عن مشروع اليمين في هذا الشأن في أنه لا يريد إعطاء حكم ذاتي للفلسطينيين في مناطق السلطة الفلسطينية (أ و- ب)، بل يريد ان تصبح هذه المناطق جزءاً من السيادة الأردنية، اذن فهو يقترح مشروعي ضم، واحد تقوم به الأردن لمناطق السلطة الفلسطينية، والأخر تقوم بها إسرائيل لمناطق “ج”.

خاتمة

يسعى اليمين إلى استغلال البيئة الدوليّة والإقليميّة من أجل تحويل مشروع الضمّ الفعليّ الاستيطانيّ الكولونياليّ على الأرض إلى ضمّ قانونيّ رسميّ، ويَعتبر اقتراح قانون ضمّ مستوطنة “معاليه أدوميم” للسيادة الإسرائيليّة الخطوة الثانية (بعد ضمّ القدس عقب احتلالها عام 1967) في هذا الاتّجاه، إذا جرى إقراره في الكنيست الإسرائيليّ. تختلف إستراتيجيّة الضمّ هذه المرّة عن إستراتيجيّة ضمّ القدس؛ ففي الأخيرة قامت إسرائيل بضمّ القدس بعد احتلالها ثمّ قامت بتهويدها، عبْر مشروع كولونياليّ استيطانيّ مُحْكَم يقوم على الاستيطان والتضييق على المقدسيّين وتهجيرهم (من خلال قوانين الإقامة). بينما في حالة مشروع ضمّ مناطق “ج”، فإنّ الإستراتيجيّة الإسرائيليّة كانت معكوسة، فهي تقوم بممارسات ضمّ فعليّ لمناطق “ج”، تنتهي بضمّ قانونيّ لها.

يرى اليمين أنّ البيئة الحاليّة توفّر فرصة تاريخيّة لتنفيذ مشروعه السياسيّ الاستيطانيّ الكولونياليّ على الأرض، ولذا فإنّ جزءًا من اليمين يتعامل مع مجيء ترامب بمصطلحات دينيّة وخلاصيّة؛ فقد وصف وزير الداخليّة أرييه درعي فوز ترامب بحدث يشبه مجيء المسيح المخلّص، واعتبر نتنياهو أنّ ترامب يمثّل “عالَم الغد” أمام “عالَم الأمس” الناقد لإسرائيل. وبدأ رئيس بلديّة القدس، نير بركات، حملة توقيعات على عريضة من مواطنين إسرائيليّين ترحّب بقدوم ترامب إلى البيت الأبيض بعد سنوات أوباما التي يرى بركات أنّها كانت معادية لإسرائيل، وتطالب ترامب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس. وقد وصف المحلّل السياسيّ في صحيفة “هآرتس”، يوسي فارتر، اليمين الإسرائيليّ بعد ترامب وكأنّه يرى لأوّل مرّة الأرضَ الموعودة.[xiv]

* نشرت المادة للمرة الأولى في العدد ال-66 من مجلة قضايا إسرائيلية الصادرة عن “المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية-مدار”. 

 

[i] . أ.ب. يهوشوع، “نحو تخفيف حدة الخبث في الاحتلال الإسرائيلي”، هآرتس، 29\12\2016، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3185366 (شوهد في 24\4\2017).

[ii] . شلومو افنيري، “لماذا أ.ب. يهوشوع مخطأ”، هآرتس، 29\2\2017، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3185298 (شوهد في 25\4\2017).

[iii] . كارولين غليك، الضم الان، (القدس: منشورات سيلع مئير، 2016).

[iv] . https://simania.co.il/bookdetails.php?item_id=975749 (اخر مشاهدة 25\4\2017).

[v] . يهوناتان ليس، “عشية لقاء ترامب-نتنياهو: الرئيس ريبلين يطالب بفرض السيادة على كل المناطق:، هآرتس، 14\2\2017، ص.1

[vi] . يوسي فارتر، “ريبلين حول قانون المصادرة: ستبدو إسرائيل دولة ابرتهايد”، هآرتس، 12\2\2017، ص.3.

[vii] . موشيه ارنس، “مواطنة إسرائيلية للفلسطينيين”، هآرتس، 2\6\2010، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/1.1204701 (شوهد في 19\4\2017).

[viii]. ميري شيلام، “اليمين يهتم بالفلسطينيين، واليسار يخشى على الدولة اليهودية”، موقع nrg، 26\2\2017، أنظر الرابط: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/866/207.html (شوهد في 23\4\2017).

[ix] . باراك ربيد، “وزير خارجية المستوطنين”، هآرتس، 21\6\2013، ص.15.

[x]. داني ديان، “حاجز تل أبيب”، هآرتس، 27\8\2012، ص. 13.

[xi] . لقاء مطول مع داني دانون في ملحق “هآرتس” الأسبوعي: دورون حلوتس، “دانون القومي”، ملحق هآرتس، 29\6\2012. ص. 38-39.

[xii] . حغاي سيغل، “ضم يهودا والسامرة لإسرائيل، حان الوقت لخلع القفازات”، موقع nrg، 7\1\2017، أنظر الرابط: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/747/186.html (شوهد في 21\4\2017).

[xiii] . يئير شيلغ، “الخيار الأردني: لا ضم ولا حل الدولتين”، موقع nrg، 20\2\2017، أنظر الرابط: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/865/132.html (شوهد في 23\4\2017).

[xiv] يوسي فارتر، “في الجهاز السياسيّ يعتقدون أنّ نتنياهو وصل إلى نهاية عهده”، هآرتس، 20\1\2017، ص. 3.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.