تصوير يدفع للحراك

لا يكتفي المصورون والمصورات أعضاء حراك “أكتيفستيلز” بعكس الواقع القاتم من خلال تمثيله. بل إنهم يقترحون رؤية وفهما أكثر فاعلية للتصوير، بحيث يلعب دورًافي نضال مجموعات الناس التي يقومون بتصويرها. عن الكتاب الذي يحتفي بمرور 10 سنوات على نشاط “أكتيفستيلز”. تنشر هذه المراجعة بالتعاون مع مجلة “توهو”.
نديم كركبي

 

Vered Maimon and Shiraz Grinbaum (eds.) Activestilles: Photography as Protest in Palestine/Israel. London: Pluto Press. 2016. 320 Pages

سألني صديق مؤخرًا: “هل الوضع في العالم يزداد تفاقمًا وخطورة فعلا أم أنني ببساطة اعرف عنه اليوم أكثر”؟ إن الجواب على هذا السؤال كما يبدو هو: هذا وذاك معًا. من الممكن الافتراض ان الوضع، في معظم أرجاء العالم ، لا يتحسن بل إننا في عصر المعلومات الرقمية والمشاركة في الشبكة، نتعرض يوميا لحشد من الصور التي تعرّفنا بعدد غير مسبوق من الصراعات والحوادث الجارية في وقت متزامن في كل أرجاء العالم حول انعدام العدالة اجتماعيا وسياسيا.

بمقدورنا ان نلاحظ ونشخص العلاقات بين الجشع الاقتصادي، الفساد السياسي، الكوارث البيئية، الحروب، وأزمة الأخلاق التي تجتاح البشرية. ولكن حتى حين تسنح لنا فرصة توسيع نطاق معرفتنا. فهناك سيرورتان تمنعاننا من التحرك والعمل. الأولى هي أن السيل الهائل للمعلومات السريعة التي تغمرنا، تؤدي الى تبلد المشاعر لتبقي المشاهد المتوسط في حالة من الشلل والخوف أمام القوى المنظمة التي تعمل عليه بواسطة منظومات قمع دولية. ان رد الفعل الاكثر شيوعا على ذلك هو اللامبالاة “المتظاهرة بالذكاء” أو التحول الى الجهل مطبق.

اكتيف ستيلز

أما العامل الآخر الذي يمنع خروج الناس محتجين الى الشوارع فهو سياسة “ما بعد الحقيقة”، التي تستند الأكاذيب في إطارها على “حقائق بديلة”، بينما يتم عرض الحقائق على أنها معلومات كاذبة. إن المناليّة الواسعة واستخدام خدع الصور الرقمية تستغل – أكثر حتى من الإحصاءات، النظريات العلمية او الشهادات والوثائق – تلك المناليّة الواسعة، وقدرة التدخل فيها تستخدم لغرض تمويه الحد ما بين الحقيقة والكذب وبين الحقائق والاوهام، او لغرض خدمة أجندة سياسية محددة وتقويض أجندة أخرى. وهكذا فان المشاهد يعيش حالة من التشكك الدائم في كون الواقع الذي يراه قد تعرض “لمعالجة ما”.

في هذا السياق، لا يكتفي المصورون والمصورات أعضاء حراك “أكتيفستيلز” بعكس الواقع القاتم من خلال تمثيله. بل إنهم يقترحون رؤية وفهما أكثر فاعلية للتصوير، بحيث يلعب دورًافي نضال مجموعات الناس التي يقومون بتصويرها.

لقد اختار مصورو “اكتيفستيلز” بشكل قاطع الوقوف إلى جانب المظلومين المقموعين من قبل قوى منظمة راسخة، بواسطة توثيق حياة الناس اليومية خلال المعاناة، خلال الاحتجاج، او خلال تحقيق الانجاز. بالإضافة الى ذلك فإنهم يوجهون جهودهم نحو تجنيد التصوير لمساعدة المظلومين ولوضعه في خدمتهم. ومن خلال جعل هذه المجموعات الاجتماعية تنكشف على صورها الذاتية، فان “اكتيفستيلز” يلتزم بالتصوير الذي يشكل نشاطا سياسيا مباشرا من تقديم الشهادات، التذكّر والمقاومة.

ولا عجب ان مجموعات الناس المذكورة تدعو مصوري “اكتيفستيلز” الى توثيق أشكال الظلم الواقعة عليهم من قبل الدولة أو الجيش، أو انها تضمهم اليها في نشاطات الاحتجاج1. وفي هذا المشروع المشترك، لا يشكل المصورون عيونا لأعضاء هذه المجتمعات فقط بل إنهم ذراع إضافية في نضالهم من اجل العدالة.

تأسست منظمة “اكتيفستيلز” عام 2005 من داخل النشاط الاحتجاجي. مجموعة طلاب التصوير الذين رافقوا الاحتجاج الاسبوعي لـ “تحرريون ضد الجدار” في بلعين، قرروا تعميم وكشف نضال أهل القرية والخروج ضد التغطية المنحازة في الإعلام الإسرائيلي. وسرعان ما تطورت المجموعة لتضم نحو 10 أعضاء من إسرائيل، فلسطين ودول أخرى و 5 مشاركين إضافيين. انهم يقومون بتوثيق طيف واسع من الاحداث على طول حدود الفصل بما في ذلك قطاع غزة المحاصر، ومؤخرا في عواصم العالم ايضا مثل نيويورك ولندن2. ان مثل هذا التعاون بين إسرائيليين وفلسطينيين هو تعاون نادر هذه الأيام. ويشكل دليلا على أن مثل هذه النشاطات المشتركة ليست موجودة فقط، بل بإمكانها الوقوف على أرضية صلبة، حيث يعترف المحتلون بحقوقهم الزائدة وبامتيازاتهم وينضمون الى من هم تحت حكم الاحتلال في العمل المشترك لإلغاء تلك الامتيازات. إن هذا الهدف السياسي يظهر في إعلان نوايا “اكتيفستيلز” وكذلك في إنتاج أعمالهم، نشرها وعرضها.

ينشر أعضاء “اكتيفستيلز” الصور التي يوثقونها في وسائط اخبارية بديلة مثل موقع “سيحا مكوميت” و”الكترونيك انتفاضة” واللتين يشاركانهما توجههم الإيديولوجي. علاوة على ذلك، ففي حين يعرضون مواد مصورة على وسائل إعلام محلية ودولية، يسمحون أيضًا باستخدامها من قبل منظمات حقوق الانسان والمجموعات التي يعملون معها.

إن معارض الشارع هي طريقة إضافية لنشاط المجموعة، وهي تتحدى التصوير الصحفي التقليدي وكذلك الصيغة المحافظة لمعارض الفن. فالصور تُعرض في فضاءات عامة، وخصوصا في المواقع التي التقطوا الصور فيها. فمن دون إطارات فاخرة للصور ولا طباعة فخمة، ومن خلال عروض عفوية لطباعات بسيطة تُلصق على جدران عامة، يشكل هذا الفعل استمرارية للنضال الذي توثقه الصور. فالصور تجسد النشاط الذي أنتجها وتؤسس لحدث استعراضي يعرض أحداثا من الماضي. المعارض العامة تعرض مواد خام تتحدى أيضا ومن مسافة قريبة العيون اللامبالية لعابري السبيل. هذه المواد هي شهادة حقيقية تعلن عن جرأة الأشخاص المصوَّرين أو عن الظلم اللاحق بهم.

اكتيف ستيلز
فيضانات في مخيم اللاجئين جباليا، قطاع غزة، 16.2.2017 (تصوير: أكتيفستيلز)

الكتاب هو مجموعة مدهشة لأكثر من 500 صورة من أرشيف “اكتيفستيلز”، وهو يحتفي بمرور 10 سنوات على نشاطهم الملتزم، وخصوصا في النضال الشعبي للفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي؛ لكنه يتناول أيضا مواضيع مثل طالبي اللجوء، حقوق النساء، المثليين ومتحوّلي الجنس، والسكن في اسرائيل. لا توفر الصور للقارئ فقط ومضات من خلف كواليس النضال والصمود، بل تنجح أيضا في نقل مشاعر الغضب، الخوف، الألم والفرح التي ترافق الواقفين أمام الممارسات الوحشية للنظام العنصري، الاستعماري والاستيطاني في فلسطين.

يضم هذا الإصدار الخاص ايضا نخبة لافتة من المقالات، المقابلات وشهادات لنشطاء، صحفيين، أكاديميين، وللمصوِّرين أنفسهم ولمن قاموا بتصويرهم. إن هذا المجلد الضخم، الذي قامت بتحريره فيرد ميمون وشيراز غرينباوم ، يروي قصة “اكتيفستيلز” من خلال عرض عملهم، ومن خلال الخوض في الجوانب المختلفة وجوهر المصور الناشط الفعال في فلسطين/ اسرائيل اليوم. المقالات موزعة على قسمين – اكتيف (ناشط) وتصوير فوتوغرافي (ستيلز). يتناول القسم الأول أفعال الانخراط البصري التي بادر اليها اعضاء “اكتيفستيلز” في سياق النضالات داخل اسرائيل/ فلسطين. فتكتب أريئيلا أزولاي عن صور جدار الفصل التي التقطتها المجموعة؛ ويطرح حجاي مطر تساؤلات عن الروابط التي تنتجها المجموعة بين نضالات مختلفة، وخصوصا بين هدم البيوت في جفعات عمال في تل ابيب وبين منطقة التفاح في مدينة غزة؛ بينما يتحدث رمزي بارود عن التغيرات في الإعلام الغربي وبزوغ الصحافة المدنية في الشرق الأوسط؛ فيما يتقصى سايمون فوكنر معارض الشارع التي انتجتها “اكتيفستيلز”، وتلقي المقابلات مع النشطاء حزمة ضوء على وظيفة التصوير في النضالات السياسية.

القسم الثاني من الكتاب يتمحور في جوانب نظرية نقدية بصور “اكتيفستيلز”. فيتناول مقال فيرد ميمون وظيفة العرض التي تؤديها الصور؛ مئير فيغودار يكتب عن جانب التفكير التأملي الذاتي في المعارض العامة؛ وتستعرض شارون فليزنسكي سلسلتي الصور بورتريه، الاولى لطالبي لجوء أفارقه في سجن حولوت والثانية لمجموعة مناهضات الاحتلال نساء بالسواد؛ اما روتي غنسبورغ فتركز على الخط المموّه بين أن يكون الفرد مصورًا وأن يكون ناشطا؛ وأخيرا يساهم اعضاء “اكتيفستيلز” بأفكار ومدارك حول عملهم.

ان هذا المجلد الخاص يشكل مساهمة ملموسة وحيوية في الأدبيات التي تتناول ما يحدث مؤخرا في النضال الوطني الفلسطيني وفي احتجاجات اجتماعية أخرى في اسرائيل. انه يقدم أيضا للقارئ استخلاصات ومدارك قيمة حول نظرية التصوير، أفكارا حول المعنى الراهن للنشاط البصري، وبالطبع يقدم كذلك مجموعة متميزة من الصور الهادفة لهزّنا وإخراجنا من مشاعر الشلل واللامبالاة نحو الانخراط في النشاط المباشر.

بهذا المعنى فإن صورة اكتي ستيلز لا تكشف المشاهد فقط على حقائق غير قابلة للإخفاء، بل تحوّل الجمود والخوف والتلبك الى تحرك ونشاط.

*نشر المقال للمرة الأولى في مجلة “توهو” الالكترونية، ترجمة هشام نفاع. 

  • لمزيد من القراءة، يُنظر مقال روتي غنسبورغ في الكتاب.
  • أعضاء المجموعة اليوم هم: احمد الباز، فايز أبو رميلة، شيراز غرينباوم، كيرن منور، آن باك، ريان رودريك بيلر، يوتام رونين، تس شيفلان، أورن زيف، وباسل يازوري. المشاركون الاضافيون هم: أحمد أبو رحمة، ماريك لاوكن، طالي مئير، عومر سمير، شاحف بولاكوف. يُنظر: http://activestills.org/about.php

 

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.