من #MeToo وحتى #WeStrike: سياسة في النسويّة

في ظهيرة التاسع عشر من تشرين اول 2016، خرجت الاف النساء في الارجنتين باضراب احتجاجي تاريخي ربط بين اشكال العنف المختلفة الموجهة ضد النساء. ماذا بامكان حركة metoo# ان تتعلم من الحراك النسوي الاخير في امريكا اللاتينية؟
ليز ماسون-ديز

Banner-wide-HaOkets-02

قبل انطلاق حملة #MeToo (أنا أيضًا) في الولايات المتّحدة بسنة، كانت نساء الأرجنتين تحارب وباء العنف ضدّ النساء، والذي قُتلت بسببه، بالمعدّل، امرأة واحدة كلّ ثلاثين ساعة. جرائم القتل هذه، في كثير من الأحيان، وحشيّة يتمّ فيها تعذيب النساء والتنكيل بجثثهن ورميها في أماكن عامّة.

ولكن نساء الأرجنتين لَسْنَ ضحايا فقط: ففي ظهيرة يوم 19 تشرين أوّل عام 2016 تركت آلاف النساء أماكن عملهنّ، وتوقّفن عن القيام بأعمال بيتيّة غير مدفوعة الأجر أو رعاية الأطفال أو تحضير الطعام؛ توقّفت النساء عن تحمّل الجهد العاطفيّ المقرون بالتنظيم السياسيّ؛ توقّفن عن التوافق مع الأدوار الاجتماعيّة النوعيّة وما تحتّمه هذه الأدوار من تقسيم العمل المرسّخ لتبعيّة النساء. كان الإضراب ردّ فعل النساء الأرجنتينيّات للعدد المتزايد من جرائم قتل النساء في الدولة، وخصوصًا القتل الوحشيّ للشّابّة لوسيا بيريز، إلا أنّهن ربطنّ، عند دعوتهنّ للإضراب، بين أشكال العنف المختلفة التي تعاني منها النساء، وبين المنظومة الاقتصاديّة التي تعتمد على اضّطهادهنّ واستغلالهنّ:

خرجت نصف مليون امرأة في بوينس أيريس إلى الشارع في 19 تشرين أوّل، تحت المطر والبرد، للتعبير عن غضبهنّ وإصرارهنّ، ومن خلال ذلك، فتح المجال أمام بناء قوةّ نسائيّة جماعيّة. شدّدت المشاركات على أهميّة إخبار شركائهنّ ورفاقهنّ الذكور “نحن اليوم لسنا هنا من أجلك”. بالفعل، نجحنّ في ذلك اليوم بتحقيق هدفهنّ بالقيام بالأعمال الضروريّة فقط للبقاء معًا، حيث كان شعارهنّ estamos para nosotras”” (نحن هنا من أجل أنفسنا). بهذه الطريقة، كشف الحراك عن الأشكال الكثيرة للأعمال التي تقوم بها النساء بشكل يوميّ؛ وشكّل رفضهن خارطة للأعمال التي تقوم بها النساء- إن كانت مدفوعة أو غير مدفوعة، رسميّة أو غير رسميّة، في البيت، في المكتب أو في المدرسة. أصبحت خطوتهنّ أداة لجمع النساء معًا، رغم اختلافاتهنّ، وللتعرّف على أوجه الشبه والاختلاف في ممارساتهنّ اليوميّة وأشكال عملهنّ المختلفة ومدى انكشافهنّ على العنف. كان الإضراب والمبادرات التنظيميّة المتصّلة به بمثابة مساحة تمكّن النساء من البدء بخلق علاقات جديدة تتحدّى انعدام المساواة والهرميّة اللتين تجعلان من العنف الجندريّ سائدًا، وكذلك البدء بتصوّر طرق جديدة لهيكلة المجتمع والعمل.

في تلك اللحظة من الزمن، بدت فكرة إضراب النساء في الولايات المتّحدة كحلم بعيد. ومع ذلك، بعد بضعة شهور فقط، خرج الملايين إلى شوارع الولايات المتّحدة ضد الرئيس الجديد الذي عبر عن كرهه للنساء بشكل علنيّ. كانت مسيرة النساء (The Women’s March) بالرغم من ميولها الليبراليّة تجربةً مهمّة قبل كل شيء، لأنها جعلت العديد من النساء يتساءلن حول العالم ما بعد النسوي الذي من المفترض اننا نعيش به. إذا كنا، فرضًا، نتمتّع بمساواة جندريّة، كيف يمكن إذًا لرجل يتباهى بشكلٍ علنيّ بإهانته للنساء، ولا يحاول إخفاء ازدرائه لنا، أن يصبح رئيسًا؟ كيف لم يثُر الناس من ملاحظاته أو من عنفه؟ انطلاقًا من هذه الأسئلة بدأنا نفكّر بتجربتنا: تجربة انعدام المساواة والتمييز والعنف. كانت المسيرة بالنسبة للعديد من النساء تجربتهنّ الأولى في العمل الجماعيّ الجماهيريّ وكسر العزلة المفروضة علينا، ليس فقط من منظومة السّلطة الأبويّة والمضايقات اليوميّة، وإنّما أيضًا من الرأسماليّة النيوليبراليّة، والدافع لحل المشاكل بشكلٍ فرديّ.

كان الإضراب والمبادرات التنظيميّة المتصّلة به بمثابة مساحة تمكّن النساء من البدء بخلق علاقات جديدة تتحدّى انعدام المساواة والهرميّة اللتين تجعلان من العنف الجندريّ سائدًا، وكذلك البدء بتصوّر طرق جديدة لهيكلة المجتمع والعمل

يضيف الانتشار واسع النطاق لحملة #MeToo لهذا التنظيم النسائي المتسارع وللوعي المرافق له، ولحجم القمع القائم على الخلفية الجندريّة. كان انتشار الوسم والخطابات المرافقة له قويًّا، ليس فقط لأنه كشف ما تعرفه كل امرأة وحسب- وهو أن الرجال في كلّ صناعة وفي كل مكان يتحرشون ويستغلون ويهينون النساء- وإنّما أيضًا لأنه كان حراكًا مكّن النساء من إيجاد صوت جماعيّ والتدّخل بالنقاش العام وخلق حوارات جديدة، وعن طريق ذلك خلق ذوات جديدة بين النساء. ولكن، شعرت الكثير من النساء أنه قد تمّ تجاهلهنّ عندما تمّ التركيز على صناعات معيّنة ومواضيع أخرى تستحق الاهتمام بحد ذاتها. بهذا، يكون حراك #MeToo في أضعف أشكاله عندما يكون محدودًا بتركيزه الحصريّ على الحراك والتغيير المؤسّساتيّ. سأتناول هنا ما يمكن أن يتعلّمه حراك #MeToo من تجربة الموجة النسويّة الأخيرة في أمريكا اللّاتينيّة، وهذا بدوره يمكن أن يطوّر أفكارًا جديدة حول الربط بين أشكال العنف، وخلق شكل جديد للسياسة التي تتحدّى أسس انعدام العدالة الجندريّة.

النسويّة الشّعبيّة في أمريكا اللاتينيّة

تتنظّم النساء في أمريكا اللاتينيّة بشكل جماعيّ لمحاربة العنف الجندريّ على مدى سنوات طويلة. أصبحت المدينة الحدوديّة سيوداد خواريز نقطة مضيئة في النضال لمحاربة قتل النساء، حيث واجه الناشطون مختبرات ماكيلادوراس (maquiladoras) النيوليبراليّة: وهي رمز لموجة عينيّة من التوسّع الرأسماليّ العالميّ، تبحث من خلاله شركات أمريكيّة عن أيادٍ عاملة رخيصة ما وراء الحدود، وكذلك رمز لطبقة جديدة من النساء الشّابّات المهاجرات اللاتي يتركن بيوتهن للبحث عن الحريّة في أعمال مدفوعة الأجر بعيدًا عن تقييدات العائلة والمجتمع. منذ بداية تنفيذ NAFTA، اختفت وعُذّبت و/أو قتلت مئات النساء، بينما أفلت مرتكبو هذه الجرائم، بشكل عام، من العقاب. تشير غالبيّة التحقيقات إلى شبكة من التعقيدات بين الأبويّة ومؤسّسات الدولة، وبين تنفيذ القانون المحليّ وتجّار المخدّرات وبين أصحاب المصانع الذين يبحثون عن عمّال خنوعين. أوضحت سيوداد خواريز، بشكل جليّ، عنف الرأسماليّة النيوليبراليّة وبحثها الدائم عن أيادٍ عاملة رخيصة، وردّ فعل النساء اللواتي عبّرن عن رغبتهنّ بالاستقلاليّة والهروب. لذلك، أكّدت الحركات التي تشكّلت ردًا على هذه الحالة على العلاقة بين العنف الشنيع ضد النساء والفتيات، وبين موقع سيوداد خواريز في المنظومة الإنتاجيّة العالميّة، وربطت بين جرائم القتل والاستغلال الجندريّ الاقتصاديّ بشكل مباشر.

هذا المكان يدعم الاضراب النسوي، 8 اذار 2018
هذا المكان يدعم الاضراب النسوي، 8 اذار 2018

في عام 2014، تشكّلت حركة “NI Una Menos “NUM (“لا واحدة اقلّ”) كردّ فعل على العدد المتصاعد من جرائم قتل النساء في الأرجنتين وانعدام ردّ الفعل المؤسّساتيّ عليها. تشكّلت الحركة من تجمّع الصحافيين والكتّاب والفنّانين والأكاديميين، مع حركة أكبر تشكّلت من نساء من خلفيّات طبقيّة مختلفة، فأصبحت “NUM” مسؤولة عن تنظيم عدد كبير من عمليات التعبئة الجماهيريّة، بالإضافة لإضرابيّ نساء. شمل العمل القطريّ الأوّل في عام 2015 الذي جاء ردًّا على القتل الوحشيّ لديانا غارسيا قراءات جماهيريّة، وأيضًا أعمالاً فنيّة وشعريّة أخرى. بدأت حركة “NI Una Menos” في العام الذي تلاه بتنظيم تجمّعات جماهيريّة كبيرة، ومن ثمّ نظّمت مسيرة في 3 حزيران، وإضراب النساء في 19 كانون أوّل. استمرّ هذا الزخم في عام 2017 عندما نظّمت مسيرة نسائيّة في 8 آذار وخُطّط لإضراب آخر في عام 2018. ومع ذلك، لا تقتصر قوّة “NI Una Menos” على تنظيم هذه المناسبات الجماهيريّة الضخمة، وإنّما على إعادة صياغتها للخطاب الجماهيريّ حول العنف الجندريّ والعمل النسائيّ، وعلى تحدّيها للعلاقات الجندريّة بعدّة مستويات ومواقع، إن كان ذلك في البيت والجامعة، أو في الشارع والسياسات الانتخابيّة.

ترتكز “NI Una Menos” على تاريخ طويل من التنظّم النسائيّ في الأرجنتين وسلالة متنوّعة من النضالات النسويّة، وخصوصًا المؤتمر النسائيّ الوطنيّ السنويّ وحركة المطالبة بشرعنة الإجهاض. جذب المؤتمر النسائيّ الوطنيّ، والذي يعقد سنويًا في مدن مختلفة في الأرجنتين منذ عام 1986، حواليّ 70,000 امرأة إلى مدينة روساريو في الأرجنتين في كانون أوّل 2016. تُنظّم هذه التجمّعات المفتوحة بشكل ذاتيّ وأفقيّ وتناقش فيها مختلف القضايا التي تؤثّر على النّساء، من الصّحّة الانجابية وحتّى العنف الأُسريّ والتمييز في أماكن العمل. كانت نساء من أحزاب سياسيّة مختلفة وبعض النقابات تشارك في هذه التجمّعات، ولكن عندما بدأت نساء من منظّمات نسائيّة تمثّل العاطلات عن العمل بحضور هذه التجمّعات في بداية سنوات الألفين، تغيّرت المميّزات الطبقيّة لهذه التجمّعات بشكل كبير. على سبيل المثال، سبّب دخول نساء تعشن في الأحياء الفقيرة الى تحوّل حاد في طابع النقاش عن موضوع الإجهاض والذي كان حتى ذلك الحين يدار من منظور حقوق الإنسان وذلك عندما تحدثت  هؤلاء النساء عن موت صديقات لهنّ بسبب إجهاضات سريّة غير آمنة.

تعكس هذه التجربة نموذجًا معيّنًا من النسويّة الشعبية، والتي بدأت تشيع مؤخّرًا في أحياء الطبقة العاملة. تنبثق هذه النسويّة الشّعبيّة من الإحباط الذي شعرت به النساء من المشاركة في حركات أخرى، سواء كانت حركات تهتم بالعاطلين عن العمل أو حركات تعاونيّات العمّال، او نضالات يساريّة او شعبيّة أخرى. كانت النساء دائما تقود هذه الحركات من الجانب الاداري الجاري ومن ناحية الممارسات اليومية، ممّا حافظ على هذه النضالات فعّالة وناجحة ولكنهن قلّ ما وصلن إلى المواقع القياديّة العامة وبقين يعانين من المضايقات من قبل “رفاقهن” الذكور. تنظّم هذه النساء بشكل جماعيّ لضمان بقائهنّ وبقاء عائلاتهنّ ومجتمعاتهنّ خلال أسوأ فترات الأزمة الماديّة التي عصفت في الأرجنتين، وهنّ نساء كنّ ملتزمات بشدّة بالتمتّع بالحياة بالرغم من الصعاب، ولذلك لم يكنّ ميّالات لقبول سوء المعاملة من قبل ذكور أعضاء في تنظيماتهنّ من دون مقاومة. على أثر ذلك، أخذت هذه النساء النظرية النسويّة إلى فضاءات افتراضيّة متعدّدة، عن طريق مناشدة النساء الأخريات لشجب المعتدين الذكور بطرق شبيهة لحملة #MeToo، ولكن أيضًا عن طريق تحويل هذه الفضاءات لمواقع بناء قوّة نسائيّة جماعيّة عند سردهنّ قصصهنّ الواحدة للأخرى وخلق أدوات مقاومة جماعيّة.

وقد ادّى ظهور هذه الظواهر النسويّة الشّعبية ومضاعفة النسويّة الى فضاءات جديدة الى توسيع  نطاق النشاط النسويّ. من المطالب الملحّة دائمًا حول الحقوق المتعلقة بالاعمال البيتية والمساواة الاقتصاديّة في أماكن العمل الرّسميّة وعلى صعيد السياسة الرسميّة، انبثقت مطالب جديدة لها علاقة بأشكال مختلفة من العنف والاستغلال. هذا يجعل النسويّة تتطرّق إلى أسئلة حول إعادة إنتاج الحياة نفسها- أي تشخيص الطرق المتعدّدة التي تحاول من خلالها الرأسماليّة المعاصرة استخلاص القيمة من الحياة بشكل مباشر، وعن طريق القيام بذلك، تعريض الحياة ذاتها للخطر.

تجمّع نساء Ni Una Mas في بوينس آيريس، شباط 2018. توسّعن حدود الخطاب
تجمّع نساء Ni Una Mas في بوينس آيريس، شباط 2018. توسّعن حدود الخطاب

ربط نماذج العنف

اعتمادا على التوضيحات النظريّة لهذه الحركات النسويّة في أمريكا اللاتينيّة، بإمكاننا تعريف  نماذج العنف المختلفة التي شخّصتها #MeToo، كتسلسل مستمر لنماذج  مختلفة من القمع ترتبط بعضها ببعض. هكذا ممكن أن تصبح حالات التحرّش والاعتداء الجنسي التي كشفتها #MeToo بمثابة خريطة لفهم هذه الروابط. جزء كبير من الاتهامات الأولى التي أدت إلى انتشار الوسم وقعت في أماكن العمل وأبرزت عدم المساواة الاقتصاديّة الذي يمنح الرجال قوّة بنيويّة على النساء في مكان العمل، والعنف الأساسيّ الكامن في حالة عدم المساواة هذه. كون هذه الظروف أسوأ بكثير عند النساء ذوات البشرة الملوّنة أو من اللواتي لا يحملن وثائق هجرة، والنساء اللواتي يتلقّين أجورًا منخفضة وصاحبات وظائف مؤقّتة، تشدّد على الحاجة لاستخدام #MeToo كنقطة بداية لمساءلة جماعيّة وكأساس لبناء علاقات تضامن جديدة. على سبيل المثال، هل من الممكن إيجاد قضايا مشتركة بين عاملات النظافة المسحوقات في الجامعة وهن غالبًا من ذوات البشرة السوداء  والمهاجرات، اللاتي تعانين من مدير مسيء وعنيف، وبين طالبات جامعيّات من نفس الحرم الجامعيّ تعانين من حالات عديدة من الاعتداء الجنسيّ ومن التداعيات السلبية عند مقاومتهنّ لهذه الظواهر؟

لا يمكن افتراض القواسم المشتركة مسبقًا، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن خلقها. من أخبث عناصر القمع الأبوي هو تعليمنا إلقاء اللوم على أنفسنا على المضايقة التي نتعرض لها وعدم الحديث عمّا حدث معنا. هذا التعامل الفرديّ والعازل مع حوادث العنف الجندريّ هو ما يسمح باستمرار هذه الحالات، وهو عنصر ضروريّ لإعادة إنتاج العلاقات الرأسماليّة. يفتح #MeToo مجالاً يتحدى هذه الفردانيّة عن طريق كسر دائرة الصمت، وبهذا لا يظهر مدى انتشار العنف فحسب، بل تنكشف أيضًا طبيعته البنيويّة.

هذا التعامل الفرديّ والعازل مع حوادث العنف الجندريّ تسمح لهذه الحالات بالاستمرار، وهو عنصر ضروريّ لإعادة إنتاج العلاقات الرأسماليّة

في بيان أُصدر في 8 كانون ثانٍ 2018، ربطت حركة “Ni Una Menos” أشكالاً متعدّدةً من العنف، ونادت لإضراب نسائيّ عالميّ “لأنّ هذه الأداة تتيح لنا أن نكشف عن ونشجب ونواجه العنف المُمارَس ضدّنا، والذي لا يمكن اختزاله كقضيّة شخصيّة أو محليّة، وإنما يتجلّى كعنف اقتصاديّ واجتماعيّ وسياسيّ، كشكلٍ من أشكال الاستغلال والسلب التي تتفاقم يوميًا”. نجحت الناشطات برسم الروابط بين أشكال العنف المختلفة بشكل مباشر، والأهم من ذلك بناء روابط للتضامن بين النساء اللاتي يعانين من هذا العنف، وذلك عن طريق عقد سلسلة من الاجتماعات في أماكن مختلفة اجتمعت بها مجموعات نسائيّة مختلفة. شاركت النساء في هذه التجّمعات قصصهن حول مواجهتهنّ لمضايقات جنسيّة في عملهنّ، أو بقائهنّ في علاقات مسيئة لهنّ لأنهن لا يمتلكن الموارد الاقتصاديّة التي تمكّنهنّ من ترك هذه العلاقات. فمثلاً، تشارك إحدى النساء بقصّتها، وتعلّق امرأة أخرى على هذه القصّة وتضيف من تجربتها الخاصّة، بينما تشعر امرأة ثالثة تعمل كخادمة في أحد البيوت أن خطاب هذه القصة لا يشملها، فتعترض لتضيف طبقة جديدة للتحليل. لا تُطمس الاختلافات بين التجارب ولا يتم تجاهلها، ولكن في نفس الوقت لا تعتبر غير قابلة للتغلب عليها. بهذا، تولد ذات جماعيّة جديدة من خلال اللقاء ذاته ومن خلال العمل على لغة مشتركة والتظاهر في الشوارع معًا.

"كلنا عاملات: ضد التقليصات وفصل العمال – ثورة جندرية. #8 اذار اضراب نسائي دولي"
“كلنا عاملات: ضد التقليصات وفصل العمال – ثورة جندرية. #8 اذار اضراب نسائي دولي”

تتضاعف هذه الاجتماعات في فضاءات متنوعة: في أماكن العمل والنقابات والمنظّمات السياسيّة والمدارس، وفي الأحياء الحضريّة والبلدات والمناطق الريفيّة. على سبيل المثال، اجتمعت في إحدى هذه اللقاءات ناشطات حركة “Ni Una Menos” من جميع أنحاء البلاد مع ناشطات الشعب الاصلاني مابوتشي (Mapuche) تحت شعار “أجسادنا، أراضينا”. بهذا الشكل، يربطن بين قضيّة تسليع الأراضي والمصادر الطبيعيّة وبين قضية استغلال النساء. رفعت حملة أخرى في بوينس آيريس الشعار- “نريد أن نكون بدون ديون”، وهو شعار يحاكي الشعار الذي سبقه في سيوداد خواريز- “نريد أن نكون على قيد الحياة”، وقد أبرزن بذلك العلاقة بين الاقتصاد على مختلف مستوياته وبين العنف المُمارَس ضد النساء. اعلن البيان المرافق للحملة: “يشكّل الاقتصاد من خلال الديون شكلاً من أشكال الاستغلال المباشر للقوى العاملة النسائيّة، للقدرات الفاعلة وللقدرة على التنظيم في البيوت والأحياء والمناطق المختلفة. إن تأنيث الفقر وانعدام الاستقلاليّة الاقتصاديّة التي تسبّبها الديون تزيد من حدّة العنف الرجوليّ”.

تدّعي المجموعات النسائيّة المختلفة أنه في لبّ هذا العنف كله يكمن موضوع تخفيض قيمة الأعمال البيتيّة والاعمال المعتبرة تقليديا اعمالا نسائية وهجومًا منهجيًا ضد قضيّة العمل البيتي. يتم استخدام هذا الهجوم في مجالات عدّة، بدءًا من الدفاع المجدد عن نموذج العائلة الهيترو-الأبويّة (heteropatriarchal) من قبل حكومات يمينيّة حول العالم، إلى تقليصات حادة في أجهزة الرفاه الاجتماعي الدعم وحتى العنف الجسمانيّ المباشر ضد النساء. تهاجم أشكال العنف الخاصّة هذه استقلاليّة النساء وقوتهنّ الجماعيّة عن طريق إضعاف النساء اقتصاديًّا وسياسيًّا وجسديًّا.

بهذا، بدءًا من الطرق المختلفة التي يتم فيها اختزال قيمة جسد النساء وعملهنّ، ومرورًا بكشف أشكال العنف المختلفة التي تعاني منها النساء، ربطت الناشطات ما بين هذه التجارب الملموسة مع نظام يرتكز على العنف ضد المرأة ويستند إليه.

إضراب النساء

عندها، يظهر إضراب النساء كتكتيك لكشف الظروف التي تعمل فيها النساء وأشكال العنف المختلفة التي تواجهها النساء والعلاقة بينهما. تحويل عمل النساء لمرئيّ وربط تخفيض قيمة العمل النسائيّ مع العنف هو مركّب أساسيّ في نشاط مجموعة “Ni Una Menos” في الأرجنتين. تشرح المجموعة هذه النقطة في بيانها الذي نادت به بإضراب عالميّ للنساء في 8 آذار:

“يتيح استخدام أداة الإضراب تسليط الضوء على العامل الاقتصاديّ للعنف الأبويّ، كما أنّه كان استعراضًا هائلاً للقوةّ لأننا أزحنا أنفسنا من اعتبارنا ضحايا لنضع أنفسنا كذوات سياسيّة ومنتجات للقيمة. لقد حولنا النساء العاملات لفئة مركبة أكثر، ووضّحنا أن العمل يمكن أن يكون أيضًا عملاً بيتيًا وعملاً غير رسميّ، يشمل ذلك أشكالاً مختلفةً من الجمعيّات المُدارة ذاتيًا”.

إن إضراب النساء، كما نُفّذ في مناطق مميزّة في أمريكا اللاتينيّة في تشرين أوّل 2016، ومن ثمّ عالميًا في 8 آذار 2017، يكشف ربطًا مباشرًا وجذريًا بين الاستغلال التشغيليّ الاقتصاديّ وبين الضعف النسائيّ، والعنف الرجوليّ والأفكار حول دونيّة النساء وإمكانيّة التخلّص منهن. بهذا، كان إضراب النساء حول موضوع العمل وتحدّي التعريف الرجوليّ للعمل ووضع العمل النسائيّ في المركز، ولكنّه كان أيضًا حول الدور الاقتصاديّ والسياسيّ للعنف الجندريّ.

مع ذلك، وبالرغم من امتداداته العالميّة، سرعان ما ادّعى النقّاد أن إضراب النّساء لم يكن “إضرابًا حقيقيًا” لأنّه لم يتّبع تعليمات أو نماذج إضرابات سابقة. ولكن كيف له أن يقوم بهذا؟ كما كتبت ببساطة ماريا روزا دلكوستا عن ذلك عام 1974، “لم يكن أي إضراب إضرابًا عامًا أبدًا. عندما يتواجد نصف الجمهور العامل في البيوت وفي المطابخ، بينما يكون الآخرين مضربين، إنه ليس إضرابًا عامًا. لم نشهد إضرابًا عامًا من قبل، فقط رأينا رجالاً، وعادةً رجالاً من المصانع الكبيرة، يخرجون إلى الشوارع، بينما تبقى زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم وأمهاتهم يطهين في المطابخ”.

بكلمات أخرى، لا نعرف كيف يبدو إضرابًا نسويًا، ولكننا نعرف أنه لا يمكن الحكم عليه بمعايير الإضرابات السابقة. وضّحت هذه النقطة المجموعة المدريديّة “Precarias a la Deriva” (“انجراف غير مستقر”) عندما سألت نساء وعمّالاً مؤقّتين الذين لم يكن بمقدورهم الاشتراك في الاضراب العام الذي أعلنت عنه النقابات الإسبانيّة، “ما هو إضرابك؟”. حدّد بحثهم الجماعيّ الأماكن والطرق التي يتم فيها استخدام العمل المؤقّت، ووضّحوا بذلك الصعوبات التي يواجهها العمّال المؤقّتون للاشتراك في النشاطات الوطنيّة القطريّة، وهي اعتبارات مشابهة لتلك التي طرحها نقّاد إضراب النساء العالميّ في 2017: المخاطر التي تواجهها المجموعات الضعيفة وانعدام مكان عمل واضح أو ساعات عمل واضحة والتي يمكن مقاطعتها، والعواقب التي يمكن أن يعاني منها الذين يعتمدون على النساء اللاتي يعملن في الرعاية وما إلى ذلك. ومع ذلك، بدلاً من الاعتراف بالهزيمة أو الاستقالة وحتى انعدام إمكانيّة الرفض الجماعيّ، استخدمت المجموعة هذا المفهوم كنقطة بداية للمناداة بإضراب يعيد توزيع وترتيب العمل البيتيّ، للإضراب “كممارسة يوميّة ومتعدّدة” تحدث في فضاءات مختلفة عديدة، من الشارع إلى البيت. بهذه الطريقة يصبح الإضراب “طريقة للتواصل بين الأشخاص، وأداة جماعيّة قادرة على تهيئة الظروف الاجتماعية بحيث نتمكّن من الإضراب معًا وأن نشرح معنى هذا الإضراب، في كل حالة عينيّة، حتى نخترع الإضراب من جديد”. بكلمات أخرى، لا يمكن فصل إضراب النساء عن كل ممارسة أو عمليّة تجعل من الإضراب ممكنًا.

الناشطة النسوية ماريا الينا اودون تصعد ادراج الكونغرس في بوينس آيريس في يوم المرأة العالمي 8 اذار 1984 وتحمل بيدها يافطة تقول: "لا للامومة، نعم للمتعة"
الناشطة النسوية ماريا الينا اودون تصعد ادراج الكونغرس في بوينس آيريس في يوم المرأة العالمي 8 اذار 1984 وتحمل بيدها يافطة تقول:              “لا للامومة، نعم للمتعة”

 

#WeStrike (#نحن_نضرب)

ما الذي يجب أن نقوم به لنتحرك من #MeToo إلى #WeStrik؟ بإمكاني تقديم عدّة اقتراحات: أولاً، علينا أن نبرز العنصر الجماعيّ لتجربتنا الجماعيّة مع التحرّش، المضايقة، الاعتداء، التمييز والقمع. هذا لا يعني أنّ هناك تجربة عالميّة يمكن أن تتواصل معها كل النساء. ولكن بنفس الوقت، لا يمكننا ترك هذا الموضوع بعد التعرّف على اختلافاتنا التأسيسيّة. علينا تحويل #MeToo إلى عمليّة تحقيق، وإلى خريطة تدلنا على كيفيّة تواجد النساء تحت سلطة كولونياليّة- رأسماليّة- أبويّة. من خلال هذا التخطيط، علينا بناء علاقات مقاومة وتحالفات ملموسة، ليس كضحايا تبحث عن العدالة، وإنّما كذوات سياسيّة فعّالة تنادي بنبذ العنف. ثانيًا، علينا إبراز العلاقة بين أنماط مختلفة من العنف- من العنف في بيوتنا وحتى الإكراه السياسيّ والاقتصاديّ. ثالثًا، لتفعيل تحوّل دائم ومنهجيّ لتغيير كل شيء، علينا ألا نقع في فخ السياسة كالعادة، سياسة الضحايا، وهي سياسة تتمحور حول الدولة. هذا يعني سياسة في الأنثوية تثمّن الزمان والمكان الذي يجمع بين النساء، والإبداع المنبثق عنه.

وكما أظهرت الحركات في أمريكا اللاتينيّة: تخلق ممارسات السياسات الأنثويّة ذاتيّة جماعيّة جديدة. لا تحدد تجربتنا مع العنف من نحن، بل إنّه نضالنا ضد العنف هو من يحدد النحن الجماعيّة.

*

اقيمت زاوية حول العالم مع روزا بمبادرة مؤسسة روزا لوكسمبورغ في إسرائيل وبالتعاون مع موقع اللسعة لتوفّر منصة للتعرّف على ولتداول القضايا الراهنة التي تشغل حركات اليسار بأنحاء العالم. تتيح الزاوية للقارئ تناول النقاشات العالمية باللغات العربية والعبرية والتفاعل معها، وبذلك تقوم بإثراء الخطاب اليساري المحلي. يسرنا ان ترسلوا لنا اقتراحاتكم لمقالات ملائمة للترجمة وملاحظاتكم عبر البريد الالكتروني: einat.podjarny@rosalux.org.

*المقالات في هذه الزاوية لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة روزا لوكسمبورغ و/او موقع اللسعة.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.