سياسات الهوية بإمكانها أن توصلنا فقط حيثما وصلنا

يتوجب علينا بأن نعطي سياسات الهوية الاحترام الذي تستحقه ولكن كذلك بأن نكون واضحين فيما يتعلق بمحدوديتها.
روجر لانكاستر

Banner-wide-HaOkets-02

كانت المرة الأولى التي صادفت فيها الادعاء القائل بأن “كل السياسات هي سياسات هوية” في وقت ما بسنوات التسعين. بدت هذه المقولة كأنها مفصّلة على مقاسات ذلك العصر الذي وصفت فيه جوديت باتلر الهوية، أية هوية، كأداء والسياسة كتغيير بطيء ومحسوب وغير ثوري للمعايير الاجتماعية.

حافظت هذه الفكرة على حضورها لأن الأحوال السياسية العامة التي شكلتها ما زالت قائمة، كما وتسمع أصدائها في النقاشات الراهنة حول انتخابات 2016 والجدل حول العلاقة بين الحركات الاجتماعية التي ظهرت بعد سنوات ال-60 وبين اليسار الاشتراكي المتجدد.

لأول وهلة، تبدو هذه الفكرة كملخّص عملي لوصف الطريقة التي تعمل بها السياسة بالفعل. في كتابه “الجماعات المتخيلة”، على سبيل المثال، أوضح بندكت أندرسون كيف قامت هوية من نوعية معينة بتصميم العالم المعاصر. حيث سحبت الكتب والصحف والمدارس والمؤسسات الأخرى التي ظهرت في أعقاب ثورة الطباعة التي أشعلها غوتنبرغ البساط من تحت الأعراف القديمة، وأغرت الناس للانضمام لجماعات جديدة، وهيئت الأرضية بهذا لانتشار القومية ولصعود دول القومية.

بطريقة مماثلة، بإمكاننا أن نقرأ كارل ماركس كمنظّر لسياسات الهوية. فعندما يُعرّف أتباعه الوعي الطبقي كتطور من طبقة بحد ذاتها لطبقة من أجل ذاتها فهم عملياً يصفون سيرورة يصبح أعضاء طبقة معينة في اطارها على وعي لكونهم طبقة ويخلقون تبعاً لذلك هوية جماعية.

مع ذلك، فإن وسم أندرسون وماركس كمفكرين هوياتيين هو تصوير مغالط لكتاباتهما. فأندرسون لا يعتمد في تحليله على ادعاءات وحجج عامة حول الآليات اللازمنية لصياغة الهوية بل يتفحّص، عوضاً عن ذلك، بتمعّن العوامل السياسية-الاقتصادية التي اجتمعت ببعضها البعض- وخاصةً صعود ما يسميه “رأسمالية الطباعة”.

كما ادعى المؤرخ الانجليزي ادوارد بالمر تومبسون فإن مزاوجة الوعي الطبقي والهوية تجرّد الطبقة من الظروف والنضالات التاريخية التي نشأت فيها:

“باللحظة التي يتخذ فيها هذا ]التوجه[، يصبح بالإمكان أن نستنتج ما هو الوعي الطبقي الذي يتوجب على ]طبقة العمال[ أن تتحلى به (ولكن قلما تتحلى به) لو كانت هذه واعية كما يجب لمكانتها ولمصالحها الحقيقية. هناك بنية ثقافية فوقية يتجلى من خلالها هذا الادراك بطرق غير ناجعة. هذه “التأخيرات” والتشويهات الثقافية تشكل إزعاجاً، ولهذا من السهل الانتقال من هذا لنظرية استبدال ما: الحزب، الفصيل أو المفكر الذين يُبيَنون الوعي الطبقي ليس كما هو بل كما يجب أن يكون”.

צעדת נשים בוושינגטון, 1970. צילום: Library of Congress
مسيرة نساء في واشنطن، 1970. تصوير: Library of Congress

عملياً، الادعاء بأن كل السياسيات هي مسألة هوية هو عام لدرجة أنه بالإمكان استخدامه لتقديم نظرة عامة عن أية ظاهرة سياسية تقريباً. فكل حركة تضع “نحن” معين مقابل “هم” وتحشد الدعم بواسطة استقطاب الناس للمجموعة وللتعاطف مع هدف معين.  كون هذا الادعاء قابل للتطبيق على عدد كبير من الحالات لا يشكل حسنة بالضرورة. حيث يتنازل هذا الاطار النظري عن تحليل الخاص لصالح تزييف خبرة في المجال العام، ويمحو الخصوصية التاريخية لحركات ونضالات معينة ليدهن كل شيء بنفس الفرشاة.

هويات مسلحة

اذا ما راجعنا بدقة المطالب التي رفعتها الحركات الاشتراكية وحركات طبقة العمال عادةً- التأمين الصحي الرسمي، التربية المجانية، الاسكان الجماهيري، السيطرة الديمقراطية على وسائل الانتاج- سنجد بأنها لا تنسجم بسهولة مع الفهم السائد لسياسات الهوية. تصف سياسات الهوية، بمعناها الأضيق، كيف يقوم أناس مهمشون بتبني هويات اعتبرت سلبية، يخلقون جماعات على أساس ميزات ومصالح مشتركة (غالباً ما تكون جوهرية وغير متغيرة) وينظمون أنفسهم لتحصيل الاستقلال الذاتي أو الحقوق والاعتراف. أريد أن آخذ هذا الادعاء خطوة أخرى الى الأمام وأن أوضح بأنه حتى الحركات الاجتماعية لليسار الجديد، التي ولّدت مصطلح سياسات الهوية، لم تناسب هذا القالب دائماً.

ولنأخذ الحركة الفخورة (بالإشارة الى حراك المجتمع المثلي) مثالاُ على ذلك. عند انطلاقها بأواخر سنوات الستين من القرن الماضي، لم ترتبط السياسة الفخورة بأية احتفاليات بالهوية انما بمطالب عاجلة لوضع حد للعنف والتمييز. بدايةً، طالب النشطاء الشرطة بالانصراف من حاناتنا، والمؤسسات بتركنا وشأننا والأطباء النفسيين بالخروج من حياتنا.

الهوية ظهرت بمرحلة مبكرة طبعاً، غالباً في خضم الحديث عن “الخروج من الخزانة” (بمعنى الافصاح عن الميول المثلية). مع ذلك، فإن النشطاء لم يلّمحوا بهذا السياق أدنى تلميح لكونهم يبحثون عما وصفته المفكرة النسوية نانسي فريزر ب”الاعتراف”، كما أنهم لم يعبئوا بترسيخ الادعاء بأن المثلية هي جوهر غير متغير لدى الانسان.

הגליון הראשון של קאם אווט! משנת 1969 שיצא בעקבות המהומות בסטונוול
العدد الأول من “Come Out” من عام 1969، الذي صدر في أعقاب أحداث ستونوول.

في مراجعة لدراسته حول التاريخ المبكر لحركة التحرير الفخور (gay liberation)، يدعي هنري افلوف بأننا اليوم، بعد أن أغمت أعيننا الأفكار المسبقة لعصر ما بعد ستونوول، نخطأ بشكل أساسي في فهم علاقة النشطاء المثليين الاوائل بالهوية. “أكاد لا أجد أدلة”، يكتب أفلوف، “إلى أن (النشطاء الأوائل) نظروا الى “الخروج من الخزانة” كنتيجة لرحلة بحث عن الحقيقة في أعماق أنا داخلي مفترض. عوضاً عن ذلك، فقد نظروا الى ذلك كتحرر من الصمت الذي فرضوه على أنفسهم بشكل متعمد”. أي أنهم تعاملوا مع تعريف أنفسهم علناً كمثليين أو مثليات ك”وسيلة اجبارية” لبناء حركة سياسية، لتسليح ناعم وعازم للفرد في اطار النضالات الجماعية للمجتمع المثلي.

معنى ذلك، من بين أمور أخرى، بأن نشطاء التحرر المثلي اتخذوا توجهاً ديالكتيكياً تجاه التصنيفات الجنسية، وجزموا، منذ بداية الطريق، بأنه سيتم التخلي عن مسميات مثل مغاير جنسياً ومثلي بعد تحقيق التحرر.

الورقة الناقدة الثاقبة والمؤثرة التي كتبها كارل فيطمان، “مانيفست فخور”، والتي نشرها لواء “الفراشة الحمراء” ل”جبهة التحرير المثلي” عام 1970، تفسح أمامنا المجال لإلقاء نظرة على طريقة تفكير المناضلين الاوائل. بدل الاحتفال بالغيتو المثليّ، ينظر فيطمان إلى سان فرانسيسكو ك”مخيم لاجئين” في حين يعارض زواج المثليّين والمثليّات كهدف سياسي ويدعو، مكان ذلك، إلى خلق بدائل لمؤسسة الزواج. ورغم أنه يؤكد على الأهمية السياسية للخروج من الخزانة، يوضح فيطمان الطبيعة الأولية للهوية بواسطة التطلع الى مستقبل متحرر ثنائي الجنس: “سنكون مثليين ومثليات حتى يكف الجميع عن التعامل مع ذلك كأمر ذو أهمية”. على نفس الغرار، يختتم الناشط والباحث الاسترالي دنيس الطمان أقواله التوبيخية في كتابه “القمع والتحرر المثليّ” من عام 1971 بفصل عنوانه “نهاية المثليّ”.

بإمكاننا أن نتعلم من الماضي ولكن ليس من التاريخ المقتضب والسطحي الذي يحول مصطلحات مثل الهوية لأفكار مجردة. ونحن نتوهم ان كنا نعتقد بأن الطريق الى الامام ستنطوي على تجميع أقليات لتشكيل أغلبية- امتزاج بسيط للهويات القائمة لحركة اشتراكية

تحت خانة التحرّر، تبنى النشطاء الهوية بهدف القضاء عليها. كان للأفكار الماركسية عن النضال الطبقي- التي تصل أوجها هي الأخرى بالقضاء على الطبقات الاجتماعية – تأثيراً على أفكارهم. وقد نظموا أنفسهم من حول مطالب للحصول على دخل لائق، اسكان، علاج طبي، رفاه بيئي وعمل هادف. نضالهم للتحرر كان، في نهاية المطاف، نداءاً ثورياً للعمل انطلاقاً من وجهة نظر كونية للحرية.

التحول إلى الهوية باعتبارها التصويرة السياسية المركزية، وكذلك ملائمة وتقليص المطالب لكي تتماشى مع هذه الفكرة الضيقة، جاءت بعد انخماد الانفجار السياسي الأصلي، عندما بدأت الجماعات المثلية في المدن تكبر وبدأ “المثلي” يتحول لمجال تسويقي متخصص وانتقل الخطاب السياسي من التحرر الاجتماعي للتحرر الشخصي. هويات محسوسة أكثر فأكثر، في هذا السياق، بدأت تخرج من الخزائن وتطالب بحقوقها، بينما تنافست كل منها على الاعتراف فيها بمسميات مختصرة طالت أكثر يوماً بعد يوم. تاريخ معقد من الانفصالات، القوميات والتقاطعات جاء في أعقابها.

التحرر الكوني

تحرّكت جميع الحركات الاجتماعية لليسار الجديد بمساقات شبيهة. خلال سنوات السبعين، تراجعت حركة النساء، حركة السود والحركة المثلية عن وجهات نظرها الراديكالية الأصلية وتبنت توجهات ليبرالية بأساسها. مع تقلص فضاءات الخيال السياسية، راحت هذه تستقر بأريحة أكبر في بيت الهوية. وقد توافقت هذه السيرورة مع الأنماط الاستهلاكية الجديدة المتعلقة بأسلوب الحياة التي تشكلت في عصر ما بعد الفوردية والنيوليبرالية. شوّشت انتفاضات موسمية للراديكالية على هذه الميول بين الفينة والأخرى ولكن تمت تهدئة هذه العواصف، تدجينها واستيعابها من جديد في الحركة المركزية.

لا تتطابق سياسات الهوية من وجهة النظر هذه مع السياسة، كما أنها ليست الهيئة التي ستلبسها الحركات الاجتماعية لليسار الجديد دائماً. عوضاً عن ذلك، بالإمكان القول بأنها تصف الهيئة التي لبستها هذه الحركات في الظروف المتغيرة.

كان لهذا التطور نتائج هامة، حيث ادّت النجاحات والإصلاحات الليبرالية التي حققتها سياسات الهوية الى تحوّل الولايات المتحدة لدولة متسامحة ومحتوية أكثر.

بيد أن هذا الشكل من الانخراط السياسي قد فشل في التطرق إلى أنواع عدم المساواة الاجتماعية التي ركز عليها النشطاء الاوائل. والآن، وبينما تتسع رقعة عدم المساواة الطبقية، نرى كيف ينضم سياسيون مؤسساتيون لجماعات هوياتية لكي يحصنوا النيوليبرالية في وجه أية مقاومة.

يتوجب علينا بأن نعطي سياسات الهوية الاحترام الذي تستحقه ولكن كذلك بأن نكون واضحين فيما يتعلق بمحدوديتها. بإمكاننا أن نتعلم من الماضي ولكن ليس من التاريخ المقتضب والسطحي الذي يحول مصطلحات مثل الهوية لأفكار مجردة. ونحن نتوهم ان كنا نعتقد بأن الطريق الى الامام ستنطوي على تجميع أقليات لتشكيل أغلبية- امتزاج بسيط للهويات القائمة لحركة اشتراكية.

على اليسار الآن أن يكتشف كيف يقنع الجماهير التي يمثلها اليوم وسطاء هوية ببرنامج اشتراكي كوني وقادر على الاحتواء.

روجر لانكاستر هو بروفيسور بالانثروبولوجيا ودراسات الثقافة في جامعة جورج ماسون في فرجينيا ومؤلف كتاب “الهلع الجنسي ودولة العقوبات”. نشرت مقالته هذه للمرة الاولى بالانجليزية في مجلة “Jacobin”، ترجمتها للعربية كفاح عبد الحليم. 

*

اقيمت زاوية حول العالم مع روزا بمبادرة مؤسسة روزا لوكسمبورغ في إسرائيل وبالتعاون مع موقع اللسعة لتوفّر منصة للتعرّف على ولتداول القضايا الراهنة التي تشغل حركات اليسار بأنحاء العالم. تتيح الزاوية للقارئ تناول النقاشات العالمية باللغات العربية والعبرية والتفاعل معها، وبذلك تقوم بإثراء الخطاب اليساري المحلي. يسرنا ان ترسلوا لنا اقتراحاتكم لمقالات ملائمة للترجمة وملاحظاتكم عبر البريد الالكتروني: einat.podjarny@rosalux.org.

*المقالات في هذه الزاوية لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة روزا لوكسمبورغ و/او موقع اللسعة.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.