لسنا جميعًا في نفس القارب: أزمة المناخ كأزمة عدل

غالبًا ما نعتقد أنّنا جميعًا نبحر، مجازيًا، على متن “نفس السفينة” لكن هذا ليس صحيحًا للأسف، فإنّ أولئك الذين ساهموا بأقلّ قدرٍ في تغيير المناخ هم أكثر من يعاني من هذا التغيير. لذلك، فإن الدعوة لمجرّد حماية المناخ ليست كافية- نحن بحاجة إلى عدل مناخيّ.
تادجيو مولير

Banner-wide-HaOkets-02

عمّا نتحدّث عندما نتحدّث عن تغيير المناخ؟ أولاً، وقبل أي شيء، عن العدالة! إن أفضل رمز لهذه السيرورة هو ليس دبّ القطب الشماليّ الحزين، وإنما دمار نيو أورلينز بإعصار كاترينا في عام 2005. هناك، نجح أغلب السكّان الأغنياء ذوو البشرة البيضاء بالفرار من الفيضانات والفوضى التي نجمت عنها، لأنّهم (غالبًا) كانوا يملكون سيّارات خاصّة بهم استخدموها لمغادرة المدينة. أمّا السكّان ذوو البشرة السوداء، الفقراء غالبًا، فقد بقوا في المدينة وعانوا على مدى عدّة أسابيع من أنّ الحكومة أدارت الكارثة بشكل غير كفؤ وقامع. لقد انطبعت في أذهاننا صور الأفريقيّين-الأمريكيّين وهم يقفون على الأسطح ويلوّحون بأيديهم إلى المروحيّات التي تحلّق فوق المدينة يطلبون منها المساعدة – ومع ذلك تمّ تجاهلهم بشكلٍ متعمّد.

غالبًا ما نعتقد أنّنا جميعًا نبحر، مجازيًا، على متن “نفس السفينة”. هذا ليس صحيحًا للأسف. إذا كنّا جميعًا في نفس السفينة – دعونا نقول: سفينة الكرة الأرضيّة – فلا شك انها مبنية من عدّة درجات، وفي حال وقوع حادث، ستغرق الطبقات السفلى أولاً، وتمامًا كما كان في التايتانيك، توجد قوارب نجاة متاحة لمن يستطيع تحمّل تكلفتها فقط. ارتفاع منسوب مياه البحر هو مثال آخر حيث لا يرتفع المنسوب عند الجميع، وإنما يعاني الناس في بنغلادش من الفيضانات، بينما تُبنى المدن العائمة في هولندا بموارد تراكمت هناك عن طريق استخدام البيئة العالميّة كمكبّ للنفايات من دون التردّد ولو للحظة.

باختصار، فإنّ أولئك الذين ساهموا بأقلّ قدرٍ في تغيير المناخ هم أكثر من يعاني من هذا التغيير، بينما أقل من يعاني من تغيير المناخ هم أكثر من ساهموا في حدوثه. غالبًا ما يكون لدى المجموعة الثانية موارد كافية لحماية أنفسهم من تأثيرات تغيير المناخ، فقد راكموا الموارد والثروة من خلال نفس الممارسات التي تؤدّي إلى تغيير المناخ. لربّما أفضل طريقة لوصف هذه الحقيقة المركزيّة والتي تنطبق، على فكرة، على أغلب ما يُسمّى “أزمات بيئيّة”، كهي “انعدام العدل المناخيّ”. لذلك، فإن الدعوة لمجرّد حماية المناخ ليست كافية. نحن بحاجة إلى عدل مناخيّ.

نيو أورلينز (لويزيانا) بعد اعصار كاترينا
نيو أورلينز (لويزيانا) بعد اعصار كاترينا

حركة العدل المناخيّ

لفهم مطالب ومتطلبات حركة العدل المناخيّ، يجدر بنا التطرّق إلى تاريخ النضالات الاجتماعيّة، وخصوصًا ظهور الحركة البيئيّة في الولايات المتّحدة في الستينيّات، والتي كانت أولاً وقبل كلّ شيء حركة الطبقة الوسطة البيضاء من أجل الطبقة الوسطة البيضاء. نشأت الحركة في المدن والبلدات “البيضاء” التي تتمتّع بامتيازات نوعًا ما، وحاربت من أجل أن تتنفّس هذه المجتمعات هواءً خاليًا من التلويث ولمنع تسمّم أطفال السكّان بسبب المصانع الكيماويّة ومحطّات توليد الكهرباء. بالرغم من أن هذه المطالب منطقيّة، إلا أنّها أدّت إلى عواقب مؤسفة. بدلاً من إغلاق هذه المصانع تمّ نقلها بكلّ بساطة؛ من المناطق الأكثر ثراءً إلى المناطق الفقيرة، والتي سكنها على الأغلب الأفريقيّون-الأمريكيّون، الأمريكيّون-الإسبان، الأمريكيون الأصلانيّون ومجموعات مهمّشة أخرى. لم تؤدّي النضالات التي قادتها الحركة البيئيّة الليبراليّة إلى حل المشاكل التي انتقدتها – بدلاً من ذلك، تم إزاحتها عدّة درجات نحو أسفل سلّم القوّة الاجتماعيّة.

لم تبقَ المجموعات ذات البشرة الملوّنة، المضطّهدة من قِبَل متنوّع من الصناعات الملوِّثة، مجّرد ضحيّة مكتوفة الأيدي، بل تنظّمت واتّهمت الحركة البيئيّة بـ”العنصريّة البيئيّة”، وأطلقت حركة خاصّة بها للعدل البيئيّ. إذا حلّلنا ذلك، فهذا يعني ما يلي: إذا لم يتم التعامل مع مشاكل بيئيّة على أنّها مشاكل اجتماعيّة، وإذا لم يكن هناك وعي لكون المصنع مصنعًا ملوِّثًا مدمجًا بهياكل اجتماعيّة ترتكز على السيطرة والاستغلال، فإنه لن يستحيل حلّ هذه المشاكل فقط، وإنّما ستتفاقم عدم المساواة الاجتماعيّة أيضًا.

لا يتعلّق العدل المناخيّ بالتفاصيل والظروف، مثل التوزيع العادل لتكاليف حل ممكن لأزمة المناخ، وإنّما هو عبارة عن صيرورة، وبالتحديد صيرورة النضال ضد البنيويّة الاجتماعيّة التي تسبّب الظلم المناخيّ.

في الثّمانينيّات، وعندما بدأ يشيع النقاش حول تغيير المناخ،  سادت الفكرة أن المشكلة هي مسألة تقنيّة –  يجب خفض أو حتى القضاء على تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوّيّ من خلال آليّات معيّنة. ساهم ذلك بدوره في التّسعينيّات بتطوير ما يُسمّى بآليّات السوق لمحاربة تغيير المناخ. من دون الخوض بكل النقاش النقديّ حول هذه الأدوات السياساتيّة البيئيّة غير المجديّة بتاتًا، إلا أنّها بالأساس تستند إلى منطق تقنيّ لا يأخذ الهياكل الاجتماعيّة بالحسبان؛ بما معناه كالتالي: بما أنّ كل جزيئات ثاني أكسيد الكربون متشابهة، فلا يهم من يؤدّي إلى انبعاث ثاني أكسيد الكربون ولا أين يقوم بذلك ولا تحت أي ظروف. بمصطلحات اقتصاديّة، من الأفضل أن يكون انبعاث ثاني أكسيد الكربون من الأماكن التي تكون فيها تكلّفة ذلك أرخص ما يمكن، وأرخص مكان هو الجنوب العالميّ حيث كل شيء هو أرخص بالمعدّل.

إذًا، بإمكاننا منح المال لمنظّمات المساعدة التنمويّة كي تحميّ الغابات من الإزالة من أجل الحفاظ على المناخ، بينما نستمرّ نحن في الشمال العالميّ بحرق الوقود الأحفوريّ (Fossil fuel). ولكن، قد توقعنا هذه الفكرة بفخٍّ آخر: إن الغابات التي تم إنقاذها فجأة من الإزالة المتهوّرة هي غالبًا موطن شعوب أصلانيّة امتازت عبر آلاف السنوات في الحفاظ على الغابات المستدامة. لقد تم تهديد هذه الشعوب بالطرد من أراضي آبائها وأجدادها، أو ما يُسمّى بـ“الاستيلاء الأخضر” من خلال آليات السوق التي تمّ مناقشتها في التسعينيّات من خلال اتّفاقيّة كيوتو، حيث تم التطرّق إلى موضوع العدل البيئيّ في سياق مفاوضات هذه الاتفاقيّة، ولذلك بدأ النضال من أجل تحويل مسألة تغيير المناخ إلى قضيّة حقوق إنسان وعدالة.

خلق حركة عالميّة للعدل المناخيّ

أدّت الاجتماعات في بالي وفي جنوب أفريقيا منذ بداية سنوات الألفين إلى تشكيل حركة عالميّة، تمّ تأسيسها في عام 2007 بشكل رسميّ باسم “Climate Justice Now! Network” (شبكة العدل المناخيّ). شمل البيان الصحفيّ الذي أعلن عن تشكيل هذا اللاعب الجديد عدّة مطالب لا زالت سارية عند حركة العدل المناخيّ اليوم، والتي تمت ترجمتها لاحقًا كبيان تأسيسيّ للحركة. من المطالب التي تم ذكرها في البيان الصحفيّ:

– إبقاء الوقود الأحفوري في باطن الأرض، واستبداله بالاستثمار في طاقة خضراء مناسبة وآمنة ونظيفة وديموقراطيّة وقابلة للتجدّد؛

– تخفيض كبير في الاستهلاك المفرط والمسرف، وخصوصًا في الشمال العالميّ، ولكن أيضًا عند النخب الجنوبيّة؛

– تحويل هائل للموارد من الشمال إلى الجنوب تحت رقابة ديمقراطيّة، لتسديد “الديون المناخيّة”؛

– الحفاظ على الموارد بناءً على مبادئ حقوق الإنسان وتطبيقها بحسب الحق في الأرض للشعوب الأصلانيّة، مع منح هذه المجموعات السيطرة على الطاقة، الغابات، الأرض والمياه؛

– السيادة على الغذاء والفلاحة المستدامة على نطاق صغير.

استخدمت الحركة مجموعة متنوعة من الأدوات لتحقيق هذه الأهداف، بدءًا من إصدار تقارير ذكيّة ونشاط سياسيّ يوميّ مع المجموعات التي تضرّرت من التغيير المناخيّ، مرورًا بالعصيان المدنيّ (مثلاً حصار مناجم الفحم)، وحتى النضال المسلّح كما كان في حال شعب الأوغوني في دلتا نهر النيجر.

باختصار: تنحدر حركة العدل المناخيّ من حركة العدل البيئيّ. نشأت حركة العدل المناخيّ في الجنوب العالميّ كما كان الحال مع حركة العدل البيئيّ، وتهدف أكثر إلى التركيز على البنيويّة الاجتماعيّة الأساسيّة وأقل على التغيير التقنيّ. قد أتجرّأ وأقدّم التعريف التالي: لا يتعلّق العدل المناخيّ بالتفاصيل والظروف، مثل التوزيع العادل لتكاليف حل ممكن لأزمة المناخ، وإنّما هو عبارة عن صيرورة، وبالتحديد صيرورة النضال ضد البنيويّة الاجتماعيّة التي تسبّب الظلم المناخيّ. إذا نظرنا إلى هذا التعريف الفضفاض، يمكننا أن نقول إنّ العديد من النضالات من أجل العدل المناخيّ لا تُدار حتمًا تحت شعار العدل المناخيّ، وإنّما تعرّف عن نفسها كنضال من أجل الأرض، المياه، واحتياجات أساسيّة أخرى وحقوق الإنسان.

المقاومة في الولايات المتّحدة: الشعوب الأصلانيّة ومجتمعات ذوي البشرة الملوّنة

تؤثّر حقيقة نشوء حركة العدل المناخيّ في الولايات المتّحدة على الطريقة التي يتم النظر بها إلى قاعدتها الاجتماعيّة. عادةً ما تقع التأثيرات الأصعب لـ”المشاكل البيئيّة” المزعومة على أضعف طبقات المجتمع. هذا يعني في الولايات المتّحدة مجتمعات ذوي البشرة الملوّنة، ومن بينها، يعتبر الأمريكيون الاصلانيون أكثر هذه المجموعات تهميشًا. تعتبر المجموعات التي تمّ تصنيفها في الولايات المتّحدة وكندا كـ”أولى الأمم” نفسها جزءًا من شبكة أصلانيّة عالميّة هي الأكثر تأثّرًا بالكوارث البيئيّة. بالإضافة إلى ذلك، تعيش هذه المجموعات (بالمعدّل) في الأماكن التي تمتاز بأكثر تركيز للتعدّد البيولوجيّ، كما تكون ممارساتها الاجتماعيّة- البيئيّة مستدامة للغاية، مثلاً، استخدامها للغابات. لهذا السبب تكون هذه المجموعات التي تُسمّى “مجتمعات الخطوط الأماميّة” أو “المجتمعات المُتأثّرة” (وهي بالغالب مجتمعات أصلانيّة) مناصرة أساسيّة للمقاومة، أو ما عُرف بـ”التوابع الثائرين” التابعين لحركة العدل المناخيّ.

مظاهرة ضد انشاء خط النفط في داكوتاـ 2016
مظاهرة ضد انشاء خط النفط في داكوتا، 2016

وهكذا، تتضافر جهود “مجموعات الخطوط الأماميّة” هذه مع “حلفاء” ذوي البشرة البيضاء و/أو مجموعات ذات امتيازات أخرى. لا يملك الجناح الأوروبيّ للحركة تقاليد نضال العدل البيئيّ كما هو الحال في الولايات المتّحدة، وهو يتعامل مع بنيويّات اجتماعيّة مختلفة، ولذلك يتم تمثيله إلى حدٍّ كبير من قبل ذوي البشرة البيضاء، من أصحاب الامتيازات، أكثر من جناح الحركة في الولايات المتّحدة. اليوم، يلعب أغلبنا دور الحليف إذا نظرنا إلى الموضوع عالميًا.

تختلف حركة العدل البيئيّ في أوروبا عن الحركة البيئيّة الأوسع بمفهوميْن: أولاً، بمناهضتها الفكريّة للرأسماليّة، بما في ذلك الرفض الواضح لكل أنواع الرأسماليّة الخضراء (اقتصاد السوق الأخضر)؛ ثانيًا، بالتركيز على تكتيك العصيان المدنيّ (غالبًا عصيان مدنيّ واسع النطاق) والخرق المتعمّد للقانون، على عكس التكتيك القانونيّ الذي تتّبعه المنظّمات البيئيّة التقليديّة. حملات العصيان المدنيّ في مؤتمرات القمّة في كوبنهاجن (2009) وباريس (2015) هي مثال لهذا النوع من النشاط المناخيّ في الشمال العالميّ، إذ يتم تحريك عجلة التغيير المناخيّ من خلال الاعتصامات عند المصانع ومحاصرة مصانع توليد الكهرباء ومناجم الفحم والمطارات وأماكن أخرى.

تراجع النمو والوقود الأحفوريّ

التغيير المناخيّ، كما هو موضّح أعلاه، هو ظاهرة ظالمة للغاية تسبّبها عدّة بنيويّات اجتماعيّة، ولكن الدافع الرئيسيّ للتغيير المناخيّ هو نظام الطاقة الذي يعتمد على الوقود الأحفوريّ منذ الثورة الصناعيّة. بعد أن أوضحت قمّة المناخ “COP21” في كوبنهاجن عام 2009 لحركة العدل المناخيّ بأنه يجب خفض التوقّعات من أصحاب النفوذ في النضال ضدّ الوقود الأحفوريّ، بدأت الحركة بالتركيز على نضالات الطاقة محليًا وعلى مستوى الدول. إن جوهر حركة العدل المناخيّ اليوم هو المحاربة من أجل التخلّص التدريجيّ من الوقود الأحفوريّ، ومعارضة تجزئة وتطوير البنى التحتيّة للغاز، وإدارة الحملات من أجل تطوير طاقة متجدّدة يتم السيطرة عليها بشكل ديمقراطيّ ولا-مركزيّ.

أصبحت هذه الحركة، في السنوات الأخيرة، أقرب إلى حركة نقديّة متصاعدة لمفهوم النمو الاقتصاديّ، تعرف بـ“حركة تراجع النمو” (degrowth)هناك تنوّع كبير للمواقف السياسيّة على طيف فكر تراجع النمو، بعضها أكثر انتقادًا للرأسماليّة من غيره، وبعضها يتناول قضايا بيئيّة بدرجات أكثر أو أقل. على الرغم من ذلك، يعتمد توجّه تراجع النمو على منظور التحوّل الناقد للرأسماليّة بالأساس، حيث أنه تخلّى عن فكرة إمكانيّة التطوّر المستدام في سياق الاقتصاد الرأسماليّ. على الرغم من وجود أسباب غير بيئيّة مثيرة للاهتمام بموضوع تراجع النمو، يبدو أن العديد من الأشخاص بدأوا يهتمّون بالموضوع بسبب تصاعد الأزمات الاجتماعيّة- البيئيّة التي نواجهها في السنوات الأخيرة.

هدف حركة ما بعد النّمو هو ليس قطاع واحد فقط أو مؤسّسة واحدة أو صيرورة خارجيّة، وإنّما “نمط الحياة التوسّعي” بشكل عام، والذي أدركناه في الشمال العالميّ – أو على الأقل إلى حدٍّ ما.

وهكذا نصل إلى صلب الموضوع: إذا كان جوهر حركة ما بعد النمو يتعلّق بهدم الموارد الطبيعيّة، فإذًا عليه أن يتعلّق بالرأسماليّة أيضًا، لأن للرأسماليّة دوافع اقتصاد جزئيّ بنيويّ وهي تطمح للنمو اللانهائيّ. لا يمكن شرح الديناميكيّات الرأسماليّة من خلال مقاييس تم الاستشهاد بها كثيرًا في السابق مثل مجمل الناتج المحليّ، وإنّما من خلال سلوكيّات اقتصاد جزئيّ لشركات فرديّة تدفعها قوى السوق لاستثمار الأموال اليوم من أجل صنع أموالاً أكثر في الغد – الشركات التي لا تحقق ذلك لا تصمد ولا تبقى. إن العلاقة التالية هي نتيجة ذلك: المال=> إنتاج السلع=> استهلاك=> أموالاً أكثر، يتلوها استثمار مجدّد لجزء من هذا المال. أو باختصار: م=> إ=> أ.أ. تمثّل معادلة الاقتصاد الجزئيّ هذه المعادلة العامّة لرأس المال، وتعبّر عن ضرورة سلوك رجال ونساء الأعمال بشكل يوميّ. من وجهة نظر بيئيّة، هذا يعني أنّه على الربح اليوميّ الإضافيّ أن يأتي من مصدر “طبيعيّ”. إذا حوّل العمال يوميًا مواد خام لسلع عن طريق استخدام الطاقة، فإذًا تعني المعادلة م=> إ=> أ.أ.  أيضًا ازديادًا مستمرًا في استهلاك الموارد الطبيعيّة العالميّة. إنّها ببساطة طبيعة الرأسماليّة.

إن لم تؤسّس الرأسماليّة في القرن الثامن عشر في إنجلترا علاقة شبه-تكافليّة مع الوقود الأحفوريّ (الفحم آنذاك)، ما كانت الرأسماليّة لتتطوّر بهذا الشّكل، أو لم تكن لتنشأ أصلاً. لربّما بالإمكان نشوء رأسماليّة تعتمد على الطاقات المتجدّدة في عصرنا، ولكن من المستحيل كان أن تنشأ الرأسماليّة التي نعرفها اليوم، والتي اجتازت عدّة “حدود بيئيّة”، من دون الوقود الأحفوريّ. نحن إذًا نتحدّث عن رأس المال الأحفوريّ أو الرأسماليّة التي تعتمد على الوقود الأحفوريّ؛ إذ أنّ محرّكات الرأسماليّة، أساس الحاجة العالميّة للنمو، تتحرّك بواسطة الوقود الأحفوريّ – نفس الوقود الأحفوريّ الذي يؤدّي إلى التغيير المناخيّ.

أفضل معًا: مواطن ضعف طرف ما هي ذاتها نقاط قوّة طرف آخر

وفقًا لذلك، بإمكان حركة العدل المناخيّ أن توفّر لحركة تراجع النمو ما تفتقده هذه الحركة: مساحة مقاومة، حيث أنه لا يوجد منافسين لها. أنا أقبل الادّعاء بأن هدف حركة ما بعد النّمو هو ليس قطاع واحد فقط أو مؤسّسة واحدة أو صيرورة خارجيّة، وإنّما “نمط الحياة التوسّعي” بشكل عام، والذي أدركناه في الشمال العالميّ – أو على الأقل إلى حدٍّ ما. يتعلّق هذا الأمر بحوافز الأشخاص المعنيّين والحاجة لخلق صراعات حتى تتمكّن الحركة من تطوير كمون متحوّل يتعدّى المقالات في صفحات الثقافة في وسائل الإعلام والممارسات اليوميّة الخاصّة. نجحت حملة “Ende Gelände” (نهاية القصة) في عام 2015 بتجنيد أكثر من 1,000 شخص (وأكثر من 4,000 شخص في عام 2016!) للقيام بعصيان مدنيّ، وهو الاحتلال السلميّ لمنجم ليجنيت (فحم حجريّ). خلق هذا العمل صراعًا انتصرت به الحملة لاحقًا، وخلقت بهذا إحساسًا هائلاً بالقوّة الجماعيّة. تمكّن هذه القوّة الجماعيّة من خلق نوع من مبنى الهويّة المقاوِمة، والتي يكاد لا يمكن تحقيق التحوّلات الاجتماعيّة الكبيرة من دونها.

 مظاهرة لحملة "Ende Gelände" في منجم هيمباخ بألمانيا
مظاهرة لحملة “Ende Gelände” في منجم هيمباخ بألمانيا

استراتيجيّة، استراتيجيّة، استراتيجيّة!

وصلت حركة العدل المناخيّ إلى قمتها سياسيًا في أيّار 2016. لقد حقّقنا نجاحًا كبيرًا في الجولة الثانية من حملة”Ende Gelände”، والتي كانت هذه المرّة جزءًا من حملة عالميّة بعنوان “”Break Free from Fossil Fuels (لنتخلّص من الوقود الأحفوريّ)، والتي نظّمت نشاطات ضدّ الوقود الأحفوريّ ومع ديموقراطيّة الطاقة في خمس قارّات. لقد وضعنا معايير جديدة عن طريق تجنيد حوالي 4,000 مشترك في عصيان مدنيّ تكتيكيّ واستراتيجيّ في مجال التغيير المناخيّ، ويذكرنا مدى المشاركة العالميّة في العصيان بمدى عولمة القضيّة، ممّا جعل من حركة التغيير-العالميّ حركة ملهمة. الأهم من ذلك هو أنّنا لم نبقَ هذه المرّة في منجم الفحم، وإنّما استجبنا للتراجع التكتيكيّ والسياسيّ لخصومنا، ووضعنا الاعتصام على السكّة. تعني عبارة “على السّكة” هنا سكّة الحديد في مقاطعة لوساتيا التي تزوّد محطّة توليد الكهرباء “Schwarze Pumpeبالفحم الحجريّ من ثلاثة مناجم مكشوفة. إن هذا الاعتصام مهمّ بشكل خاص لأننا في الشمال العالميّ نلحق ضررًا بالكرة الأرضيّة عند توسيعنا لقطاعيّ الصناعة والخدمات أكثر من استخراجنا للموارد (مثل استخراج الفحم الحجريّ): هذا يتعلّق بالأساس بمحطّات توليد الكهرباء والمصانع ومزارع الخوادم (السيرفيرات)، وليس بمناجم الذهب والفحم.

حصل، هذه المرّة، شيء نادرًا ما يحصل مع حركات التغيير الاجتماعيّ والذي شعرت به بنفسي: لقد قيّمت الحركات قوّتها الذاتيّة بشكل واقعيّ وطوّرت بحسب ذلك تكتيك واستراتيجيّات أخذت هذه القوّة بعين الاعتبار وهيّأتها مع حجم التحدّي. ولذلك، إن كانت لديّ أمنية أوجّهها للحركتيْن (حركة تراجع النمو وحركة العدل المناخيّ) ستكون كما يلي: لنخطّط بشكل استراتيجيّ، ولنتصّرف بحكمة ولا نكتفي بالتعبير عن أنفسنا لأن عددنا قليل ومواردنا محدودة وأمامنا مهمّة عظيمة – وهي القضاء على الرأسماليّة وإنقاذ الكرة الأرضيّة.

تادجيو مولير هو ناشط بيئي ودكتور في الفلسفة السياسية، مركز مجال العدل المناخي وديمقراطية الطاقة في مؤسسة روزا لوكسمبورغ في المانيا.

ترجمة من الانجليزية: منى ابو بكر

اقيمت زاوية حول العالم مع روزا بمبادرة مؤسسة روزا لوكسمبورغ في إسرائيل وبالتعاون مع موقع اللسعة لتوفّر منصة للتعرّف على ولتداول القضايا الراهنة التي تشغل حركات اليسار بأنحاء العالم. تتيح الزاوية للقارئ تناول النقاشات العالمية باللغات العربية والعبرية والتفاعل معها، وبذلك تقوم بإثراء الخطاب اليساري المحلي. يسرنا ان ترسلوا لنا اقتراحاتكم لمقالات ملائمة للترجمة وملاحظاتكم عبر البريد الالكتروني: einat.podjarny@rosalux.org.

*المقالات في هذه الزاوية لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة روزا لوكسمبورغ و/او موقع اللسعة

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.