"عام آخر سأعيشه في السر"

لكل واحدة من هذه العائلات قصتها الشائكة وهي تختلف عن الاخريات بالتفاصيل الصغيرة فقط: الأمكنة، الأسماء، التجارب اليومية، أما المشترك فهو الظلم الكبير الذي يدمر حياة كاملة. عن تمديد “التعليمات المؤقتة” لقانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل.     
راوية حندقلو

 

بينما تنشغل الشبكات الاجتماعية بمسائلها الحارقة بدرجة أكثر أو أقل، وبينما ينشغل منتخبو الجمهور الذين من المفترض أن يعملوا من أجل حقوق المستضعفين في المجتمع بمواضيع مختلفة ليست جوهرية أو مهمة من ناحية المجموعات التي يمثلونها، تم، بهدوء مفرط، قبول توصية لا يتحدث عنها أحد على الرغم من أن آلاف الناس والنساء، من المستضعفين في المجتمع، يعانون منها وسيستمرون في المعاناة منها بالمستقبل. الحديث عن “التعليمات المؤقتة” التي مرت قبل فترة وجيزة في اللجنة المشتركة للجنة الخارجية والأمن ولجنة الداخلية وحماية البيئة، والتي تعنى بتمديد صلاحية قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (تعليمات مؤقتة) من عام 2003، القانون الذي يمنع منح مكانة مدنية في إسرائيل لمن يتم تعريفهم ك”سكان المنطقة”، وهي كيفية تعريف المكانة المدنية لسكان الضفة وغزة.

تتصل بي اسمهان، امرأة تعيش في إسرائيل منذ عشرون عاماً دون أن توفق في الحصول على اقامة دائمة و\أو جنسية وتقول لي: “عام آخر لن أستطيع العمل خلاله، لن أستطيع أن أكون وصية مخولة بالتوقيع عن أولادي على أي مستند، سأعيش خلاله ضبابية الحاضر والمستقبل، عام آخر..”، تسترسل ثم تتوقف من بعدها لتقول: “لماذا اتذمر عملياً؟ هذه الحياة جعلتني امرأة متمكنة، قوية ومتمرسة. أنتم لا تستطيعون أن تتصوروا ماذا يعني العيش في السر، عدم التحرك خطوة واحدة بسبب الخوف، أو التعلم أو العمل أو الحصول على رخصة سياقة، لن تفهموا كذلك ماذا يعني أن تكون ولداً أو بنتاً لأم معدومة المكانة، كيف يكون شعور المذلة عند الوقوف أما عيني موظفة وزارة الداخلية. ماذا تعرفون أصلاً عن حياتنا؟”.

في مجتمع سليم، كانوا على الأقل سيصيغون الانظمة المتعلقة بالحصول على الجنسية والإقامة الدائمة بصورة واضحة، بمعايير مفهومة وشفافة.

أصغيت لاسمهان لكن اللجنة لم تسمع صوتها ولا صوت مئات النساء وعائلات معدومي المكانة قبل أن تقبل توصيتها. لمى يتوجب على اللجنة عملياً بأن تسمع رأي هؤلاء الشفافين والمستضعفين فهم لا يشكلون قوة انتخابية، هم ليسوا مواطنين ولهذا فهم لن يصوتوا كذلك لمنتخبي الجمهور الذين جلسوا حول طاولة اللجنة. هؤلاء، وخاصة النساء من بينهم، هم الساحة الخلفية للمجتمع، فلسطينيات من الأراضي (المحتلة) وغزة. صحيح بأنهن يردن أن يصحبن جزء من المجتمع المدني هنا ولكنهن، بحسب الصورة الجماهيرية، هن العدو ووظيفة القانون بأن يمنع اندماجهن، أن يمنع لم شملهن مع شركائهن وممارستهن لحقن الاساسي بالوالدية، وألا يسمح لهن بالتعليم والعمل، وأن يصعب عليهن قدر الامكان في كل ما يتعلق بحرية الحركة.

متضرري قانون المواطنة هم رجال ونساء وأولاد بيد أن النساء هن من يدفعن الضريبة الأعلى ليس فقط عندما يكن هن بأنفسهن معدومات المكانة  ولكن كذلك عندما يكن مواطنات ومتزوجات من رجال معدومي المكانة، حيث يضطررن أيضاً في هذه الحالة لاجتياز كل الحواجز الاجتماعية لكي يعشن هن وعائلاتهن بكرامة. وقد حصل في إسرائيل القرن ال-21 بأن دفعت امرأة بحياتها عندما انحنت لكي تلد لأنها لم تملك مكانة مدنية وبالتالي  تأميناً صحياً كذلك. امرأة معدومة المكانة، حتى لو كانت متعلمة وصاحبة مهنة، ستبقى كل حياتها في البيت لأنها لا تملك ترخيصاً للعمل. لكل واحدة من هذه العائلات قصتها الشائكة وهي تختلف عن الاخريات فقط بالتفاصيل الصغيرة: الأمكنة، الأسماء، التجارب اليومية، أما المشترك فهو الظلم الكبير الذي يدمر حياة كاملة، عائلات كاملة.

في مجتمع سليم لا نجد مثل هذه “التعليمات المؤقتة”. في مجتمع سليم، كانوا سيجدون البدائل التي تأخذ بعين الاعتبار الأناس الذين يعيشون هنا، النساء والأولاد. في مجتمع سليم، كانوا على الأقل سيصيغون الانظمة المتعلقة بالحصول على الجنسية والإقامة الدائمة بصورة واضحة، بمعايير مفهومة وشفافة. أما في مجتمع غير سليم فهناك “تعليمات مؤقتة” يتم تمديدها كل عام بشكل اوتوماتيكي منذ سنة 2003، ولو أنها ما زالت تمس بهؤلاء الناس وتمنعهم من العيش بكرامة وحرية. بالوقت الحالي، من يجلسون في لجان الكنيست، حيث تمت المصادقة على القرار، يستمرون في التوقيع عليه سنة تلو الأخرى دون أن ترجف لهم يد وهم يسحقون القيم الانسانية والدستورية التي خولوا بحمايتها.

المحامية راوية حندقلو هي مركزة مشروع النساء معدومات المكانة في إسرائيل في منظمة “امرأة لامرأة- مركز نسوي” في حيفا.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.