"لقد خرجنا من غزة": الكذبة الأكبر  

تبادل اطلاق النار بين الفينة والأخرى بين غزة وإسرائيل ليس خطأً برمجياً بل خاصية مبرمجة، وكذلك الحصار والأزمة التي يخلقها ما دامت هذه تجري على نار هادئة.
يوفال ايلون

 

في كل مواجهة او عملية عقابية ضد قطاع غزة وسكانه يتكرر الادعاء القائل بأننا “خرجنا من غزة”. هكذا، مثلاً، تشمل الحملة الدعائية التي تسعى إلى تبييض سياسة اطلاق النار ادعاءاً بأن الحديث ليس عن متظاهرين انما عن مجموعة “غريبة” تحاول اقتحام الحدود.

الرد الرائج لليسار هو وضع الأمور في نصابها- إسرائيل لم تخرج من القطاع بل تفرض عليه حصاراً وتتحكم بجوانب كثيرة من حياة السكان. هناك أيضاً من يتوسعون في تفصيل الضائقة الفظيعة- الخراب الذي أحدثته حرب “الجرف الصامد”، النقص الرهيب في الكهرباء، المياه، والأدوية وإلخ. أما الحل- أي البديل الذي يطرح من اليسار لسياسة الحكومة- هو اجراء تسهيلات على الحصار وتقديم مساعدة اقتصادية. تخفيف القبضة الشديدة بدرجة أو بأخرى. هناك من يضيف، من جهته، بأنه من الأجدر بأن تقوم “حماس” باستثمار جهودها في المدينة\الدولة في القطاع بدل الانشغال بإسرائيل.

فيما يتعلق بإسرائيل وبالحصار على وجه الخصوص، لا شك بأن الرد صائب وبأن الخطوات التي تطرح ضرورية. إلا أن هناك مسألة أصبحت بمثابة افتراض مشترك في الجدل حول غزة ألا وهي قبول سياسة فرق تسد تجاه القطاع والضفة: وكأنه من المفهوم بأن اسرائيل تستطيع “الخروج من غزة” والنقاش هو بين يدعون بأن الاحتلال “هناك” انتهى وهو مستمر في الضفة فقط وبين من يدعون بأنه لم ينتهي تماماً وبأن هناك حاجة لخطوات اضافية، وإذا ما قمنا بذلك وقامت “حماس” بالانشغال بمسائل القطاع فإن كل شيء سيكون على ما يرام(!).

هذا ليس اخفاقاً للحكومة كون الوضع هناك صعباً: حكم حماس وأزمة القطاع هي كنز لسياسة تخليد الاحتلال، ولن يكون هناك تغيير فعلي دون تغيير السياسة.

يجدر بنا أن نعود إلى البداية. بأحيان كثيرة يتعامل الناس مع خطة الانفصال عن غزة التي كانت أحادية الجانب وكافأت حماس بدل السلطة كغلطة- كاخفاق متهور. ولكنها ليست كذلك، فهي ليست خطأً في البرمجة بل خاصية مبرمجة. عملياً، كان هذا الهدف من هذا التمرين، وقد شهد على ذلك دوف فايسجلاس، مستشار شارون الكبير وأحد المبادرين لخطة الانفصال أمام أريه شابيط (في صحيفة “هآرتس”) ولو أن ذلك كان واضحاً للعيان.

ماذا كانت الفكرة من وراء ذلك؟ اتفاقية اوسلو وقفت او حاولت الوقوف على رجلين: التسويات الانتقالية والاعتراف بوحدة فلسطينية تحت حكم السلطة: نتنياهو وبالأساس براك اللذان اعترضا بشدة على التسويات الانتقالية منذ البداية، قطعا هذه الرجل. حتى من يريد الاطراء لبراك على مقترحات كامب ديفيد عليه الاعتراف بأن هذه الخطوة كانت بمثابة وضع الشاهد على ضريح اوسلو- المرحلة الثالثة من الانسحاب لن تتم، ولنذهب (او لا نذهب) مباشرةً إلى مفاوضات على الحل الدائم.

شارون جاء ليقطع الرجل الثانية- الوحدة الفلسطينية- وليفصل بين الضفة وغزة لكي يحول دون امكانية التفاوض السياسي. أخمن بأن شارون لم يتنبأ بسيطرة حماس انما بحدوث فوضى تكون حماس فيها القوة المركزية وتطلق القذائف كما يحلو لها في حين تكون السلطة الحكم الاعتباري. ولكن ذلك ليس بالأمر الهام، المهم هو الفرق تسد المقصود كلياً الذي سعى إلى افشال أي احتمال للجلوس المشترك على طاولة المداولات.

تبادل اطلاق النار بين الفينة والأخرى بين غزة وإسرائيل ليس خطأً برمجياً هو الآخر بل خاصية. كذلك الحصار والأزمة التي يخلقها ما دامت هذه تجري على نار هادئة (وهي تجري على نار هادئة من ناحية إسرائيل فالفورات تستحق الثمن الذي تجنيه- بفضلها لا يوجد مع من نتحدث ولا ضغط للتحدث أصلاً!). لهذا، فمن يتابع التسلسل الزمني (المدون عيدان لنداو يقوم بذلك جيداً) يستطيع أن يرى بوضوح بأن إسرائيل هي من تبادر إلى التدهور بمعظم الحالات منذ الانفصال (عن غزة)، وبالأساس عندما يكون هناك خطر بأن يحصل تقارب بين السلطة وحماس.

هكذا عملياً يفرق الاحتلال لخمس أشكال مختلفة: الجيب في غزة، الجيوب في مناطف A و- B و- C وشرقي القدس. أيضاً فيما يتعلق بالمقاومة الفلسطينية للاحتلال في الضفة، بإمكاننا أن نسمع أكثر فأكثر الادعاء القائل بأن الفلسطينيون بغالبيتهم هم عملياً “مواطنو السلطة” ولا يعقل أن يطالبوا لا بالاستقلال من إسرائيل (دولتين) ولا بحقوق سياسية في إسرائيل (دولة واحدة).

على خلفية هذا الواقع، يجب أن يكون واضحاً بأنه لا يوجد سحر أو طريقة مختصرة لحل الأزمة في القطاع. هذا ليس اخفاقاً للحكومة كون الوضع هناك صعباً: حكم حماس وأزمة القطاع هي كنز لسياسة تخليد الاحتلال، ولن يكون هناك تغيير فعلي دون تغيير السياسة. دون ادراك ذلك، ليس بالإمكان فهم شيء من الطريقة التي تدير فيها إسرائيل الأمور.

محاولة طرح حلول لسؤال القطاع بمعزل عن أية سياق سياسي هو خطأ مضاعف- فهي تتضمن على اعتراف وقبول للفصل بين القطاع والضفة وتتعاون مع اجماع معناه تخليد الاحتلال، كما أن مصيرها الفشل- لأن المقاومة الفلسطينية لا تنبع فقط من الضائقة مهما كانت فظاعتها. ممنوع أن نوافق على خطوات تقوم فيها إسرائيل بإحاطة منطقة فلسطينية ما بجدار وتعلن “هنا لا يوجد احتلال” وتطالب سكانها بأن يعترفوا بفصلهم عن أخوتهم وعن النضال القومي.

نشرت المقالة للمرة الاولى على موقع اللسعة العبري “هعوكتس” بتاريخ 18.5.2018.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.