برشلونة، منارة على شاطئ البحر

مع صعود قوى اليمين المتطرّف في جميع أنحاء أوروبا، يُظهر لنا الحكم التقدّميّ الذي تقوده “آدا كولاو” في برشلونة أنّ الحكم المحلّيّ يمكنه أن يكون قاعدة للمقاومة.
رفائيل بازورلي وبابلو كاستانو تييرنو

 

لفت تغيير الحكم المفاجئ الذي حصل في الحكومة الإسبانيّة، في بداية شهر حزيران، الانتباه، حين استبدل الاشتراكيّ “بيدرو سانشيز” رئيس الحكومة المحافظ “ماريانو راخوي”. أصبحت اسبانيا منذ ظهور احتجاجات 15M (Indignados- غضب) في عام 2011، التي ألهمت “حركات ميدانيّة” مشابهة مثل “احتلّوا وول- ستريت” (Occupy Wall Street)، مختبرًا للسياسة ما بعد الأزماتيّة. فبعد أن تضرّرت بشكل كبير من الأزمة الماليّة العالميّة، بين الأعوام 2011-2014، شهدت إسبانيا سلسلة من التحرّكات المثيرة للإعجاب ضد التقشّف، والتي مهّدت الطريق لنشوء الحزب اليساريّ الشعبيّ “بوديموس” (Podemos). في نفس الوقت، ظهرت عدّة تحالفات محلّيّة مبتكرة في محاولة لتحدّي الأحزاب التقليديّة، وقد نجحت هذه التحالفات في الوصول إلى السلطة في مدن رئيسيّة مثل مدريد، قادس، فالنسيا، سرقسطة وبرشلونة.

Barcelona en Comú (برشلونة توحّدنا) هي قائمة انتخابيّة أنشأها منظّمو حراكات اجتماعيّة، وقادتها الناشطة في مجال المسكن “آدا كولاو”، التي تحكم برشلونة في السنوات الثلاث الأخيرة. لقد واجه حكم “كولاو”، من دون شك، حالة سياسيّة معقّدة، كان أبرزها الصراع حول استقلال كاتالونيا.

مع ذلك، فقد حقّقت قائمة “برشلونة توحّدنا” سجلاً رائعًا في سن قوانين في مجالات مثل المسكن، العدالة الجندريّة، السياسة الاجتماعيّة، حقوق اللاجئين، وبعض القضايا البيئيّة. في أوروبا التي تهيمن عليها النيوليبراليّة العدائيّة وتصعد فيها القوى اليمينيّة المتطرّفة، لا نبالغ إذ ادّعينا أن برشلونة هي بقعة أمل للسياسة الراديكاليّة والتقدّميّة.

من الميدان إلى صندوق الاقتراع

عانت اسبانيا في أوائل عام 2010 من الأزمة الاقتصاديّة العالميّة وعاصفة التقشّف. نشأت حركة 15M في عام 2011 مطالبةً بتعميق العدالة الديمقراطيّة والاجتماعيّة، ووجّهت إصبع الاتّهام إلى النخب السياسيّة والاقتصاديّة. نشأت في برشلونة حركة “منصّة الأشخاص المتضرّرين من القروض العقاريّة”، (Plataforma de Afectados por la Hipoteca) أو باختصار “PAH”، بعد ان انتشرت قبل ذلك في جميع أنحاء اسبانيا. كانت هذه الحركة من أهم منظّمي 15M بسبب جمهور مناصريها الكبير والانتصارات المهمّة التي حقّقتها. مع ذلك، لم يكن متوقّعًا في ذلك الوقت أن تصبح “آدا كولاو”، والتي شغلت وظيفة الناطقة بلسان هذه الحركة، عمّا قريب عمدة لعاصمة أوروبيّة.

 

אדה קולאו
آدا كولاو في ليلة الانتخابات في برشلونة، 2015. تصوير: Barcelona En Comú, CC BY-SA 2.0.

 

لا يمكن فهم هذا التطوّر السريع إلا في ضوء التقدّم المثير للإعجاب الذي أحرزته “الحركة ضد التقشّف” على مستوى الرأي العام، من جهة، وفي ظل انعدام الثّقة بنظام الأحزاب القائم من جهة أخرى، وهو إحساس ساهم في نشوء أحزاب جديدة. احتلّ حزب “بوديموس” يسار الخارطة السياسيّة، وتمّ بناء العديد من التحالفات التقدّميّة على المستوى المحلّيّ، بما في ذلك قائمة “برشلونة توحّدنا”.

وُلدت هذه المنصّة في عام 2014 بمبادرة مجموعة من الناشطين والمثقّفين بقيادة “كولاو”. سرعان ما جذبت هذه المنصّة أجزاءً من الحراكات الاجتماعيّة والأحزاب التقدّميّة في برشلونة (بما في ذلك “بوديموس”)، لتتحالف معًا تحالفًا جمعه هدف واحد وواضح: الانتصار في الانتخابات البلديّة في عام 2015. بعد أن احتلّوا الميادين، حان الوقت لأن يحتلّوا المؤسّسات الحاكمة.

وضعت قائمة “برشلونة توحّدنا” برنامجها السّياسيّ من خلال عمليّة مشاركة سياسيّة دائمة. وُضعت مطالب راديكاليّة بشكل جماعيّ في مجالات عدّة، مثل المسكن والسياسة الاجتماعيّة والعدْل البيئيّ واللجوء والمساواة الجندريّة والديموقراطيّة. عندما عُقدت الانتخابات البلديّة في أيار 2015، حصدت قائمة “برشلونة توحّدنا” على أكبر نسبة من الأصوات (25%)، وأكبر عدد من المقاعد في البلديّة (11 من 41)، وهي تقود الآن حكومة أقليّة.

بعد سنوات من العمل في الهوامش، دخلت الحراكات الاجتماعيّة إلى الحكم البلديّ في برشلونة، ولكن، لم تكن السيرورة المؤسّساتيّة سهلة. نحن اليوم على بعد أقل من سنة من الانتخابات المحليّة القادمة، ولذلك من المهم أن نفهم نجاح وأيضًا محدوديّة العمل السياسيّ البلديّ الراديكاليّ في برشلونة، وبالأخص، علينا أن نتساءل إن كانت البلديّة قد حقّقت أغلب برنامجها السياسيّ، وأن نقيّم دورها في السياق الاسبانيّ-الكاتالونيّ الأوسع.

الدليل لتحويل مدينة إلى مدينة عالميّة

ضرب إسبانيا ركود اقتصاديّ عظيم في عام 2008 بالأساس من خلال تفجير فقاعة العقارات، ممّا أدى إلى عواقب مدمّرة أصابت العديد من العائلات، حيث حصلت في اسبانيا أكثر من 170,000 حالة إخلاء بين الأعوام 2008 و2012. ما زال مجال المسكن هو السبب الرئيسيّ لاستياء سكّان برشلونة، حيث أنّ المعركة هي ضدّ مجموعة صغيرة من الأغنياء من الصّعب التغلّب عليها. اتّخذت إدارة البلديّة إستراتيجيّة متعدّدة الأوجه لضمان المبدأ الذي ينص بأن المسكن هو حق.

تم إنشاء “وحدة ضدّ الإقصاء السّكنيّ” للتوسّط ما بين أصحاب العقارات والعائلات المهدّدة بالإخلاء، وبهذا زادت قوّة العائلات في عمليّة التفاوض. منعت هذه الوحدة حواليّ 2,000 حالة إخلاء خلال عامين. بالإضافة إلى ذلك، تم تغريم البنوك مرّة بعد الأخرى بسبب ترك عقاراتها فارغة.

بقيت قضيّة المسكن من اهم القضايا عند “كولاو” الناشطة سابقًا في هذا المجال، وقد تعاطت مع هذه القضيّة ايضا كرئيسة بلدية وذلك من خلال استثمار غير مسبوق في توفير منازل متاحة بشكل مباشر. لقد كان مخزون المساكن العامّة في برشلونة هزيلاً بشكل عام، وقد ضاعفت البلديّة الميزانيّة المخصّصة لهذه القضيّة أربع مرّات. اشترت البلديّة عقارات موجودة في برشلونة وشيّدت مبانٍ جديدة، وحتّى أنّها قامت بتجهيز مسبق لمبانٍ للحالات الطارئة.

من المتوقّع أن يزيد مخزون المساكن العامّة البلديّة بـ 20% عند انتهاء فترة “كولاو”، بحيث سيكون حواليّ 4,500 بيت قيد الانشاء. ستُجبر شركات البناء الكبيرة عمّا قريب بتخصيص 30% من البيوت الجديدة أو المرمّمة للبيع أو الإيجار بنظام “الحماية الرسميّة” (تحت اسعار السوق وبتمويل من قبل الدولة)، وستكون نتيجة هذه الخطوة حواليّ 400 سكن عام جديد في كلّ عام.

سبب آخر لأزمة السّكن هو تدفّق السيّاح الهائل لبرشلونة وفي هذا السياق تمّت المصادقة على خطّة جديدة لكبح هذه الظاهرة، اذ تمّ إغلاق أكثر من ألفيّ شقة سياحية غير قانونيّة حتّى الآن– بما يشمل منشآت AirBnB. اضافة لذلك، تمّت المصادقة على دعم وتمويل السكان من الطبقات الضّعيفة وتعاونيّات السّكن.

على الرغم من هذه المحاولات، لا زالت برشلونة تقبع تحت ضغط شديد. أكثر من 2,500 عمليّة اخلاء حصلت في عام 2017، وارتفعت أسعار الإيجارات بسبب أزمة القروض السّكنيّة بـ29% نسبة لعام 2014. أدّى تواطؤ النخب السياسيّة إلى عدّة مساءلات وإلى تركيز ملكيّة العقارات بيد مجموعة صغيرة، وخصوصًا سياسة حزب الشّعب (حزب مسيحي ديموقراطي محافظ) في الحكومة المركزيّة.

barcelona2
من صفحة انسترجرام barcelonaencomu. على أي تغيير في تصميم المدينة أن يأخذ بعين الاعتبار تبعات هذا التصميم على النساء.

تعتبر برشلونة طلائعيّة أيضًا في السياسة الاجتماعيّة بشكل عام. استثمرت المدينة 201 يورو عن كل مواطن في عام 2017، وهو أعلى استثمار من بين كل البلديّات الاسبانيّة (ارتفاع بنسبة 20% نسبة إلى العام السابق). تم عكس الخصخصة الاجتماعيّة، جزئيًا على الأقل، بحيث تطمح البلديّة ألا تهتم بالسكّان المحليين خلال فترة حياتهم فقط، مثلاً عن طريق الاهتمام برياض الأطفال، ولكن عند موتهم أيضًا. بعد عقود من الخصخصة، تموّل البلديّة اليوم قاعة جنازات تابعة للبلديّة، بهدف توفير جنازات لائقة ومتاحة، وخصوصًا للعائلات الفقيرة. ينعكس الالتزام بالسياسة الاجتماعيّة أيضًا عن طريق توظيف ألفيّ موظّف إضافيّ وفرض معايير عادلة أكثر للمشتريات العامّة (مثلاً بمفاهيم المساواة الجندريّة، حقوق العمل والعدّل الاجتماعيّ)ركّز البرنامج الانتخابي لقائمة “برشلونة توحّدنا” على اعادة مصادر الطاقة لسيطرة الحكم المحلي كوسيلة للتعامل مع مشكلة عدم تمكّن العائلات الفقيرة من استهلاك الكهرباء، التي تعتبر شيئًا أساسيًا. أحرزت الحكومة المحليّة نجاحًا بموضوع الكهرباء، في حين أنّه ما زالت عمليّة الإدارة المحليّة لمصادر المياه في خطواتها الأولى، لا سيما نظرًا لمصالح السوق القويّة في هذا المضمار.

توفّر شركة Barcelona Energia (شركة الكهرباء- برشلونة) طاقة خضراء 100% للحكومة المحليّة نفسها، وفي المستقبل القريب ستوفّر الكهرباء أيضًا إلى 20,000 بيت. يهدف نموذج إدارة هذه الشركة إلى تمكين السكّان عن طريق جعل الكهرباء “سلعة شائعة” تديرها البلديّة، بدلاً من أن تكون ملكًا للدولة، وكانت “سيادة الطّاقة” بمثابة أفضل طريقة لمحاربة الخصخصة بحسب وجهة نظر “كولاو”، بحيث سيكون السكّان أكثر حرصًا على المحافظة على الموارد التي يتشاركونها عندما يتمتّعون بملكيّة حقيقيّة على هذه الموارد.

تعتبر النسويّة أمرًا مركزيًا بالنّسبة لـ”برشلونة توحّدنا”، وذلك من منظور قلّما نراه في السياسة الاسبانيّة، فقد وضع الحكم المحلّي على سلم أولويّاته قضية محاربة العنف القائم على النّوع الاجتماعيّ، وهو أمر أصبح مركزيًا منذ الإضراب والتظاهرات النسويّة الكبيرة التي حصلت في 8 آذار؛ يوم المرأة العالمي. زاد المجلس البلديّ ميزانيّة المسكن المخصّص لضحايا العنف وأيضًا ميزانيّة بعض البرامج التشغيليّة، كما أطلق حملة “Barcelona Antimasclista” (برشلونة ضد التمييّز الجنسيّ)، والتي تعاونت مع مرافق الترفيه الليليّ لمكافحة الاعتداءات الجنسيّة. إلى جانب هذا، أقام المجلس البلديّ وحدة لمساعدة ضحايا الاتّجار بالبشر، خطوة تكاد تتعدّى فيها الحكومة المحليّة حدود سلطتها، حيث أن هذا الموضوع هو من مسؤوليّة الحكومة المركزيّة. وسّعت إدارة “آدا كولاو” برنامج العدالة الجندريّة، بحيث يهدف البرنامج إلى شمل تصنيف النوع الاجتماعيّ (الجندر) في كل السياسيات المحليّة، بما في ذلك التصميم المدينيّ، فالآن، على أي تغيير في تصميم المدينة أن يأخذ بعين الاعتبار تبعات هذا التصميم على النساء (مثلاً، المطالبة بتوسيع الأرصفة لخدمة الأهالي مع الأطفال، وزيادة إضاءة الشوارع لمنع الاعتداءات).

تعتبر برشلونة قياديّة في مجال الاستدامة البيئيّة، حيث تمّت المصادقة على اتّفاقيّة أساسيّة لخفض انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون من خلال تحديد استخدام السيارات، وبنفس الوقت على الاستثمار بوسائل تنقّل خضراء في المدينة. أطلقت مشاريع تجريبيّة لخلق “جُزر” خالية من السيارات، وتم إنشاء 440,000 متر مربّع من المساحات الخضراء، وتمديد مسارات الدرّاجات الهوائيّة بنسبة 40% خلال عامين، كما تم تمديد وتجديد مخزون وسائل المواصلات العامّة.

مدينة للّاجئين

سلّطت وسائل الإعلام العالميّة الضوء على “كولاو” بسبب التزام برشلونة بحقوق الإنسان للمهاجرين واللاجئين. لإدارة المدينة باع طويل في سن سياسات تقدّميّة بمواضيع تتعلّق بالهجرة (أصدرت برشلونة أوّل برامجها لدعم المهاجرين في الثمانينيّات، في حين كانت نسبة الهجرة الأجنبيّة شبه معدومة). تسعى الإدارة الجديدة، بالأساس، إلى تعميق مسار من هذا القبيل، وطالبت “كولاو” الحكومة الإسبانيّة مرارًا وتكرارًا بالتخلّي عن موقفها غير المهتم بالأزمات الإنسانيّة، والامتثال لالتزاماتها الدوليّة من خلال توفير إمكانيّات دخول آمنة إلى البلاد.

ليس بالضّرورة أن يتعارض أصحاب المناصب في المؤسّسات الرسميّة مع الحراكات الجماهيرية، بل يمكنهم أن يكونوا بمثابة مكبّر صوت للمتظاهرين عن طريق تحويل مطالبهم لمرئيّة وشرعيّة أكثر. ولكن بطبيعة الحال، تكمن المخاطر في هذا التوجّه أيضًا.

سعت الحكومة المحليّة إلى مساعدة المهاجرين غير الشرعيين من خلال محاولتها إغلاق مركز طرد المهاجرين الذي يعمل في المدينة لمنع ترحيلهم، وذلك من خلال إصدار بطاقات هويّة محليّة. من ناحية أخرى، أصبحت المبادرات المتعلّقة بتعدّد الثّقافات والتنوّع الاجتماعيّ ذات أهميّة خاصّة. مثالاً واضحًا لذلك هي مظاهرة “أنا لست خائفًا/ةً” (I’m Not Afraid) التي نُظمت ردًا على الهجوم الإرهابي لداعش في المدينة في شهر آب من العام الفائت. سعت هذه التظاهرة أيضًا إلى التنديد بانتشار خطاب كراهيّة الغريب والعداء للمسلمين.يبقي التنفيذ البائس ونطاق سياسة اللجوء إلى إسبانيا العديد من اللاجئين من دون حماية، وهذا فراغ تشريعيّ تحاول الحكومة المحلّيّة في برشلونة أن تملأه من خلال “برنامج اللجوء- مدينة برشلونة”، والذي يهدف إلى خلق إمكانيّات ثابتة لاستيعاب لاجئين بغض النّظر عن الحكومة المركزيّة. تتمحور هذه الاستراتيجيّة حول بناء شبكة تضامن فوق-وطنيّة بين المدن ومؤسّسات المجتمع المدنيّ.

علاوة على ذلك، أنشأت الحكومة المحليّة “شبكة محاربة الشائعات” بالتعاون مع مئات الجمعيّات والأفراد، بهدف مواجهة الأفكار المسبقة والإشاعات الكاذبة عن الأقليّات. أصبحت الخلافات حول المهاجرين مرئيّة أكثر بكل ما يتعلّق بالبائعين المتجوّلين وهم بغالبيّتهم مهاجرين من أصول جنوب الصحراء المغاربيّة، وهم مجموعة أصبح صوتها عاليًا في برشلونة.

في حين أن إدارة “كولاو” تحاول تنظيم بعض من هؤلاء المهاجرين وتخفيف القمع ضدّهم، لا تزال بعض الأقسام من شرطة المدينة تستهدف أماكن تجمّع المهاجرين في الأماكن العامّة. طالما وضعت هذه القضيّة حكومة “كولاو” في موقف الدفاع ممّا أثار الانتقاد من عدّة جبهات. هاجمت بعض التنظيمات الاجتماعيّة حكومة “كولاو” عدّة مرّات، مثل نقابة البائعين المتجوّلين ومجموعات أخرى تدعم اللاجئين، واتّهمتها بأنّها لا تقوم بما يكفي لمساعدة هؤلاء المهاجرين ماديًا، وأنّها مجرّد تستغل شكاويهم بهدف تعزيز الدعم السياسيّ لها.

محور آخر في حكومة “كولاو” هو مشاركة السكّان في الحكم المحلّيّ، حيث أنّ المشاركة في الحكم هي تقليد طويل الأمد في برشلونة. ابتكرت قائمة “برشلونة توحّدنا” تنظيم جديد لمشاركة السكّان حيث أقاموا “نحن نقرر برشلونة” (Decidim Barcelona)، وهو موقع يتيح فرصة المشاركة المباشرة لسكّان المدينة بصياغة السياسة العامّة. أُطلق الموقع في عام 2016 مع دعوة لتقديم المقترحات للسكّان الأفراد والجمعيّات الذين يمكنهم المساهمة في كتابة برنامج عمل محليّ، وهو عبارة عن وثيقة توجّه عمل الحكومة المحليّة خلال فترة تولّيها الحكم. شارك عشرات الآلاف في نقاشات على الشبكة، وتبعتها لقاءات فعليّة بهدف ضمان “نموذج مشاركة شموليّ” بحسب ما جاء في موقع الحكومة المحليّة.

إن هذا المثال عن الناشطين الذين يشكّلون حكمًا بلديًا هو مثال استثنائيّ يطرح أسئلة عامّة إضافيّة حول الديمقراطيّة التشاركيّة. لا يمكن الفصل بشكل قاطع بين السياسة العاديّة وسياسة الاحتجاج؛ بل يمكن أن يكون تخيّل فصل من هذا النوع أمرًا مدمّرًا. ليس بالضّرورة أن يتعارض أصحاب المناصب في المؤسّسات الرسميّة مع الحراكات الجماهيرية، بل يمكنهم أن يكونوا بمثابة مكبّر صوت للمتظاهرين عن طريق تحويل مطالبهم لمرئيّة وشرعيّة أكثر. ولكن بطبيعة الحال، تكمن المخاطر في هذا التوجّه أيضًا.

تُبرز حالة البائعين المتجوّلين أوجه القصور بشكل كبير. أولاً، يُنظر إلى راديكاليّة حكومة “كولاو” أحيانًا على أنّها “تسرق” طاقة الناشطين غير الموجودين في البلديّة. ثانيًا، حين تواجه قائمة “برشلونة توحّدنا” محدوديات وقيود السياسة المؤسّساتيّة قد يؤدي ذلك إلى إحباط الطموحات الشعبيّة. وكما سنرى لاحقًا، باستثناء الحالات التي تتحمّل الإدارة مسؤوليّتها بنفسها، فإن العديد من هذه القيود هي قيود خارجيّة ومن الصعب إزالتها بأدوات السياسة المحليّة.

تجديف بعكس التيّار

واجهت “آدا كولاو” وإدارة “برشلونة توحّدنا” المحدوديّات الكامنة في الحكم المحلّيّ، والتي تتجسّد بالأساس بشحّ التمويل وضعف السلطة في عدّة مجالات. في زمن حكم “راخوي”، عانت الإدارات المحلّيّة من ضغوطات مادّيّة كبيرة، والتي أدّت إلى تحديد قدرتها على الصرف. إنّ تعيين الاشتراكيّ “بيدرو سانشيز” مؤخّرًا رئيسًا للوزراء بدعم من “بوديموس” والاحزاب القومية الباسكية والكتالونيّة قد يخفف من وطأة هذه الضغوطات نوعًا ما، في حين سترحّب إدارة “كولاو” بأي تغيير مهما كان صغيرًا، وكذلك الأمر بالنسبة لإدارات محليّة أخرى يرأسها “بوديموس” وحلفاؤه في مدريد وفالينسيا وسرقسطة وبالما وقادس ومدن أخرى.

barcelona3
مظاهرة لرابطة باعة الشوارع، آب 2017. تصوير: الرابطة الشعبية للباعة.

مع ذلك، فإنّ العائق الأكبر لـ”برشلونة توحّدنا” هو عائق سياسيّ. تزامنت معظم فترة إدارة “كولاو” مع ذروة الحركة الكتالونيّة المطالبة بالاستقلال، وهي فترة ازداد فيها الاستقطاب مع المجتمع الكتالونيّ، بحيث قمعت حكومة “ماريو راخوي” المحافظة الحراكات المطالبة بالحريّة بشكل قاسٍ. بلغت ذروة الصراع بين حراك الاستقلال الكتالونيّ الضخم وحكومة “راخوي” المركزيّة في خريف 2017 عندما أجرت الحكومة الإقليميّة بقيادة “كارلس بوجديمون” استفتاء على تقرير المصير، بعد أن أجريت طيلة سنوات طويلة حملات عدّة حول هذا الموضوع من قبل حركات الاستقلال والحزب المناهض للرأسماليّة “حزب الترشيح الشّعبيّ الموحّد” (CUP). بعد أن قامت المحكمة الدستوريّة بحظر الاستفتاء، حاولت الشرطة الاسبانيّة قمع هذا الاستفتاء بعنف شديد. استمرّت عمليّة التصويت بشكل غير رسمّي بالرغم من جرح المئات من قبل الشرطة في يوم التصويت، وأعلن “بوجديمون” الاستقلال بدعم من حواليّ مليونَي كتالونيّ. بالمقابل، قام القضاء الاسبانيّ بسجن بعض من قياديي المجتمع الكتالونيّ وسياسيين كتالونييّن بتهم مبهمة، منها التمرّد العنيف. نتج عن كل هذا قرار “راخوي” بتعليق استقلال كتالونيا، وهو قرار اعتبره رجال ونساء القانون، على نطاق واسع، قرارًا غير دستوريّ. هذا هو السّياق الذي عملت من خلاله “آدا كولاو”.

اتّهم مؤّيدو ومعارضو الانفصال كلًا من “برشلونة توحّدنا” و”بوديموس” مرارًا وتكرارًا بالغموض بكل ما يتعلّق باستقلال كتالونيا. صوّتت “كولاو” “نعم” للاستقلال في استشارة غير ملزمة أجريت في عام 2014، بهدف المطالبة باستفتاء ملزم بهذا الشأن. دعم هذا الاقتراح أغلبيّة الكتالانييّن و”بوديموس” وحلفائه، بما في ذلك الحزب الكاتالونيّ الشقيق “كاتالونيا توحّدنا”. مع ذلك، اضطّرّت عمدة برشلونة أن تتّخذ موقفًا إزاء الأحداث التي حصلت في خريف 2017. اعتبرت “كولاو” الاستفتاء الذي كان في مطلع تشرين أوّل “حراكًا” وليس تصويتًا ملزمًا، ولذلك توصّلت إلى اتّفاقٍ مع “بوجديمون” لفتح مدارس المدينة كمراكز اقتراع، وفي نفس الوقت أدانت مرّة تلو الأخرى قمع الشرطة ومقاضاة القياديين مؤيّدي الاستقلال. انتقدت عمدة برشلونة أيضًا الأحزاب المؤيّدة للاستقلال واتّهمتها بالكذب على المجتمع الكتالونيّ بشأن الاحتمالات الحقيقيّة بالانفصال المباشر عن اسبانيا.

يبدو أن الموقف الوسطيّ لقائمة “برشلونة توحّدنا” في خضمّ الاستقطاب السياسيّ الحاد قد أثّر سلبًا على احتمالاتها الانتخابيّة. حصل حزب “كتالونيا توحّدنا” على أقل من 8% من الأصوات في الانتخابات الاقليميّة التي كانت في كانون أوّل 2017، حيث صوّت معظم الناخبون بحسب موقفهم إزاء الاستقلال، ممّا جاء بالمنفعة على حزب “معًا من أجل كاتالونيا” (Junts per Catalunya)، وهو ائتلاف قاده “بوجديمون” الذي أطاحت به الحكومة الاسبانيّة بعد إعلانه عن الاستقلال بوقت قليل، كما استفاد حزب “المواطنون القوميّون الاسبان” (Ciudadanos). إذا استمرّت هذه الديناميكيّات الانتخابيّة في الانتخابات المحليّة في عام 2019، فعندها ستكون حكومة “آدا كولاو” في خطر.

ترجّح الاستطلاعات الأخيرة انتصار قائمة “برشلونة توحّدنا”، ولكن إذا كان هناك ائتلاف مؤيّد للاستقلال، فعندها على الأرجح أن ينتصر هذا الائتلاف. إن استراتيجيّة “كولاو” واضحة: التركيز على الإنجازات المثيرة للإعجاب لحكومتها في مجال السياسات الاجتماعيّة، وتحويل النقاش من الصراع القوميّ إلى الظروف المعيشيّة لسكّان برشلونة.

barcelona4
لافتة علقت على مبنى بلدية برشلونة. موضعة برشلونة في مقدّمة نشر الخطاب والممارسات الراديكاليّة في جميع أنحاء العالم.

 

الإلهام لإحداث التّغيير في جميع أرجاء أوروبا

كانت رؤيا “برشلونة توحّدنا” الأصليّة هي إيصال صوت الجماهير إلى قلب السلطة. بعد ثلاث سنوات في السّلطة، تم تأكيد هذا المسار وتغيير المدينة بشكل راديكاليّ. ما زالت برشلونة مدينة جميلة ومركزًا عالميًا يمكن أن تزدهر فيه الثّقافة والعلوم والابتكارات التكنولوجيّة. في نفس الوقت، غيّرت السياسة البلديّة حياة السكّان اليوميّة للأفضل، وخصوصًا السكان الأكثر تضرّرًا من التقشّف وجشع اصحاب رؤوس الاموال. بل وقد انتقل هذا المجهود إلى خارج حدود المدينة، حيث يعتبر إنشاء شبكة دوليّة من “المدن الشجاعة” أحد أهم أعمدة استراتيجيّة “كولاو”. تهدف هذه الشبكة إلى موضعة برشلونة في مقدّمة نشر الخطاب والممارسات الراديكاليّة في جميع أنحاء العالم.

في حين أن معظم أوروبّا تبدو عالقة في سباق إلى القاع تحرّكه النيوليبراليّة وشعبويّة اليمين المتطرّف، فإنّ برشلونة بقيادة “آدا كولاو” رائدة في تحقيق العدالة الاجتماعيّة والديمقراطيّة. مع ذلك، هناك قصور واضح. عانت الحكومة المحلّيّة من عواقب سلبيّة كونها أقلّيّة في المجلس، ومن استقطاب السياسة الكتالونيّة حول الاستقلال. إذا نجح هوس الصراع الإقليميّ باختراق السياسة المحلّيّة، فعندها ستكون حكومة “آدا كولاو” في خطر. ولكن، إذا ركّزت الحملة الانتخابيّة في أيّار 2019 على المشاكل التي يعاني منها سكّان برشلونة، فعندها سيستمر مسار التقدّم الذي شقّته قائمة “برشلونة توحّدنا”، ممّا سيلهم الراديكاليين في جميع أنحاء أوروبا.

 

رفائيل بازورلي هو طالب دكتوراه في العلوم السياسية وعلم الاجتماع في “سكولا نورمالي سوبيريور” في فلورنسا.  

بابلو كاستانو تييرنو هو خريج علوم سياسية من جامعة برشلونة المستقلة، نشرت له مقالات في عدة صحف ومواقع.

 

نشرت المقالة للمرة الاولى بتاريخ 9.7.2018 باللغة الانجليزية على موقع “Jacobin”.

ترجمة: منى أبو بكر.

اقيمت زاوية حول العالم مع روزا بمبادرة مؤسسة روزا لوكسمبورغ في إسرائيل وبالتعاون مع موقع اللسعة لتوفّر منصة للتعرّف على ولتداول القضايا الراهنة التي تشغل حركات اليسار في أنحاء العالم. تتيح الزاوية للقارئ تناول النقاشات العالمية باللغات العربية والعبرية والتفاعل معها، وبذلك تقوم بإثراء الخطاب اليساري المحلي. يسرنا ان ترسلوا لنا اقتراحاتكم لمقالات ملائمة للترجمة وملاحظاتكم عبر البريد الالكتروني: einat@rosalux.org.

*المقالات في هذه الزاوية لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة روزا لوكسمبورغ و/او موقع اللسعة.

 

 

 

 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.