قانون القومية ومنظومة الامتيازات في إسرائيل

الرتكيز على الخدمة العسكرية كمصدر للحقوق لا يعكس فقط رؤية مغلوطة للديمقراطية وللمواطنة الجوهرية في اطارها انما يشير كذلك الى تصميم على تكريس منظومة امتيازات يتحول فيها جزء من المواطنين- الدروز بهذه الحالة- إلى متعاونين وحتى مرتزقة في دولة اليهود.
أمل جمال

 

يعكس قانون القومية الجديد سيرورة طويلة يتم من خلالها تعريف السيادة الإسرائيلية من جديد. فعلى الرغم من تعريف الدولة كدولة يهودية في وثيقة الاستقلال ومن انعكاس يهوديتها في قوانينها منذ اقامتها، يشكل قانون القومية مقولة حازمة من قبل حكومة إسرائيل الحالية، وعلى ما يبدو الكثيرين من مواطنيها اليهود كذلك، بأن معنى الدولة اليهودية لا يشبه المعنى المقبول في دول القومية الديمقراطية: يهودية دولة إسرائيل، حسب المعنى العميق لقانون القومية، لا تشبه فرنسية فرنسا أو اسبانية أسبانيا. دولة الشعب اليهودي هي دولة تفرق بين اليهود والإسرائيليين، وتخلق هرمية قيمية حتى بين فئات الانتماء هذه. اليهود، بما يشمل غير الإسرائيليين، هم الآمر الناهي في دولة إسرائيل أما الإسرائيليين، وبالأساس غير اليهود من بينهم، فهم يخضعون لإمرة الحاكم اليهودي.

اذا كان قضاة محكمة العدل العليا قد فسروا القيم الأساسية لوثيقة الاستقلال الإسرائيلية بهذه الروح- حتى لو لم يكن ذلك بصورة كاملة- فإن قانون القومية يأتي ليخلق كوابحاً جديدة وليمنح معان دستورية، ثقافية وسياسية جديدة لما يسمى دولة القومية للشعب اليهودي. حيث يهدف القانون الجديد إلى خلق منظومة امتيازات تباينية بين اليهود والإسرائيليين غير اليهود، ولكن كذلك بين يهود من نوع معين ونوع آخر، بمرحلة لاحقة.

لهذا القانون اسقاطات ليس فقط على المواطنين العرب على كافة مركباتهم انما أيضاً على حياة اليهود وحقهم في الحياة الحرة والانسانية. ففي الحالات التي يتم فيها فرض تقييدات على حرية التعبير، على سبيل المثال، لا يكون من يتم اسكاتهم المتضررين الوحيدين انما أيضاً هؤلاء الذين يمنعون من ممارسة حقهم في سماع آراء مختلفة والانكشاف عليها. كذلك الأمر بخصوص ترسيخ منظومة الامتيازات التي تقف في مركز قانون القومية، فالمتضررين ليسوا فقط غير اليهود انما أيضاً اليهود الذين لا ينطبق عليهم تعريف اليهودية كما يحددها هؤلاء الذين يقررون “من هو يهودي”. لفهم معاني القانون الجديد وانعكاساته، يكفي التمعن بثلاثة جوانب متراكمة من جوانبه لندرك بأن الحديث عن Game Changer.

الدروز
نتنياهو في زيارة إلى الطائفة الدرزية بمناسبة عيد النبي شعيب، في بيت الشيخ موفق طريق بقرية جولس، 2013 (تصوير: لعام- مكتب الصحافة الحكومي).

 

الجانب الأول للقانون الجديد هو التركيز الكبير الذي يتم التعبير عنه في البند الأول على كون أرض إسرائيل وطن الشعب اليهودي. ظاهرياً، من المفترض بأن يكون هذا الادعاء مفروغاً منه من وجهة نظر المجتمع اليهودي في إسرائيل. بالاستناد إلى هذا البند، هناك من يدعون بأن العرب غير مخلصين لأنهم لا يقبلون هذا المبدأ. بيد أنه يجب تفسير هذا الاعلان حول كون أرض إسرائيل وطن الشعب اليهودي بروح البنود التالية للقانون: أولاُ، أرض إسرائيل غير محددة جغرافياً ولكن بما أنها تعود للشعب اليهودي فإن هذا يملك الحق الحصري لتحديد حدودها. يتضح هذا المعنى من البندين التاليين للقانون اللذين ينصان على أن دولة إسرائيل، كدولة القومية للشعب اليهودي، مشتقة من حقه الطبيعي، الثقافي، الديني والتاريخي في تقرير المصير المحفوظ له بشكل حصري. أي بأن دولة إسرائيل الموجودة في أرض إسرائيل، دون حدود واضحة ومحددة، هي صاحبة الحق الوحيدة ليس فقط للسيطرة على منطقتها وسكانها، مثل أية دولة أخرى، انما كذلك لتقرير مصيرها بشكل حصري مع التجاهل الكامل لوجود شعب آخر- يملك حقوق طبيعية هو الآخر لتقرير مصيره في المنطقة المتواجدة تحت سيطرة دولة إسرائيل.

سياسة الحكومة التي تطبق حق تقرير المصير للشعب اليهودي في هذا الوقت، تؤكد في كل يوم بأن أرض إسرائيل، من ناحيتها، تمتد من النهر إلى البحر. هناك انكار مطلق للواقع الذي يعيش فيه أكثر من 5 مليون فلسطيني على قطعة الأرض هذه ويطالبون هم أيضاً بحقهم في تقرير المصير الذي يحرمون منه بالقوة. القانون الذي يحمل مكانة دستورية يخلق فصلاً جوهرياً بين اليهود والفلسطينيين على كافة مركباتهم- مواطنين وغير مواطنين- في كل ما يتعلق بحق تقرير المصير أياً كان هذا. هو يخلق تراتبية بنيوية، دستورية وجوهرية بين أناس مختلفين، ويمنح مجموعة واحدة حقوق كاملة بالسيادة بينما يحرم مجموعة أخرى من نفس الحقوق. اذا لم تكن هذه تفرقة عنصرية فليتفضل مشرعو القانون ويشرحوا لنا كيف يمكننا تفسيره بطريقة أخرى! قد لا يكون الحديث عن تفرقة عنصرية في الحيز ولكنها تفرقة قيمية وجوهرية تجعلها مراوغتها أخطر حتى من التفرقة الحادة، ولو أنها واضحة ومن الممكن تمييزها وشجبها.

الجانب الثاني للقانون الجديد هو ترسيخ منظومة امتيازات على أساس صلة الدم ظاهرياً، ذلك بالتوازي مع خلق تراتبية اثنو-دينية خطيرة. الملكية الحصرية للشعب اليهودي على دولة إسرائيل تعني بأن كافة الشعب اليهودي، بغض النظر عن مكان سكنه، شريك في ملكية الدولة أما كافة مواطني دولة إسرائيل غير اليهود فهم ليسوا شركاء بذلك. هكذا، وخلافاً للمعنى الجوهري للأنظمة الديمقراطية التي تعتمد على سيادة كافة المواطنين على حياتهم، لا يخلق النظام في إسرائيل تفرقة واضحة بين بني البشر على أساس صلة الدم (JUS SANGUINIS) فقط إنما أيضاً يفرغ المواطنة الإسرائيلية (JUS SOLI) من مضمونها الجوهري. فإذا لم يكن بإمكان المواطنين أن يكونوا شركاء في القرارات المصيرية التي تحدد مستقبلهم وفي صياغة منظومة القيم التي سيعيشون بناءً عليها، ماذا يتبقى من المواطنة حقاً؟

احتجاجات الدروز: كون الانسان مواطن يسبق كونه جندياً

منظومة الامتيازات الآخذة بالتطور مع تشريع قانون القومية الجديد تواجه صعوبات اثر تعاملها المهين مع وثيقة الاستقلال وتغيير معناها التاريخي والسياسي. فوثيقة الاستقلال، رغم أنها عرفت دولة إسرائيل كدولة يهودية، كانت قد أبقت رغم ذلك متسعاً لوجود مساواة مدنية مستقبلية، ومنحت أملاً للمواطنين غير اليهود بالاندماج والحصول على مساواة مدنية كاملة. وبالرغم من أن سياسة الدولة منذ قيامها وحتى اليوم قد أثبتت بأن هذا الوعد لن يتحقق- كان هناك من أصروا بأن التمييز الممأسس في الدولة سيختفي مع الوقت. قانون القومية الجديد ألغى هذه الامكانية نهائياً.

حصر المطالب في المستوى الجزئي، الأمر الذي يتجسد بالاستخدام المتكرر للخدمة العسكرية والولاء الأعمى، يعكس اخفاقاً قيمياً وسياسياً على حد سواء. فهذه لغة تناسب جماعة من المقاتلين المرتزقة وليس مواطني دولة يسعون لتحصيل حقوقهم الكاملة والمتساوية المشتقة من مواطنتهم.

لتجسيد هذه النقطة، بإمكاننا التمعن في الاحتجاجات التي قادها الدروز في أعقاب تشريع القانون. الدروز آمنوا من صميم قلوبهم بأن خدمتهم في الأذرع الأمنية لدولة اليهود ستمنحهم مرتبة لا تتلخص بمكان محترم في شرفة المتفرجين. وقد تعامل هؤلاء بجدية كبيرة مع الادعاء الرائج في أروقة الدولة بأن الولاء لها والخدمة في أذرعها الأمنية تمنح مكانة خاصة لا علاقة لها بالخلفية القومية، الدينية أو الثقافية. هذا التوجه لم ينبع فقط من وجهة نظرهم الدينية الارسطووية، التي تنص بأنه يجب الحكم على الظواهر وفق القدرة الكامنة فيها على التطور، انما نبع أيضاً من مصالح مادية ودينية. بحسب هذا المنطق، اذا كان نظام حقوق الدولة اليهودية يتعامل بصورة كريمة مع غير اليهود الذين يخدمون في قوات الأمن ويمنحهم مكانة خاصة فباستطاعة الدروز، وهم أقلية صغيرة جداً، أن يشعروا بأن الدولة تعود، بصورة كامنة، لهم أيضاً.

هذا الكمون الذي يعتمد على الوعد الذي تضمنته وثيقة الاستقلال حول المساواة المدنية المشروطة بالولاء والاشتراك في بناء البلاد تم صقله من قبل قيادات الدولة المتعاقبة. الأمر الذي جعل الجزء الأكبر من الدروز يتجاهلون الاسقاطات المباشرة لإقامة دولة إسرائيل وسياستها تجاه الشعب الفلسطيني الذي يعيش في ظل الدولة اليهودية، ويبدون استعداداً للتضحية بحياتهم وحياة أعزائهم في سبيل حماية أمنها. الدروز ذوتوا المواطنة الإسرائيلية وآمنوا بصدق بأن الدولة، رغم تمييزها بحقهم طوال سنوات، لا تمكنهم فقط من العيش بكرامة وبأمن وجودي بمستوى أعلى من ذلك الذي ينعم به بقية الدروز في الشرق الأوسط، بل ستطبق كذلك مبدأ المساواة المدني لصالحهم في المستقبل. بواسطة جهاز التربية وبمساعدة دروز أخيار، وعدت الدولة، مراراً وتكراراً، بأن الدروز سينالون المساواة التامة والاعتراف التام مقابل مساهمتهم لأمنها وولائهم لها. القيادة الدينية الدرزية اختلقت، من جهتها، براءات دينية كثيرة لمساعدة الدولة على غرس هذا التصور في أذهان أبنائها وبناتها. لسوء حظ هؤلاء فقد فرض قانون القومية صحوة مبكرة أكثر من المتوقع. القانون يقطع الطريق أمام امكانية اثبات بأن تصرف الدروز كان صحيحاً أو مفيداً بنظرة تاريخية، وهذا هو السبب من وراء تصميم الشق التقدمي في القيادة الدرزية على الغائه.

الاستراتيجية التي يعتمدها القادة الانتهازيون في الطائفة الدرزية الذين يركزون النضال على صفقة المقايضة بين الولاء الأعمى للدولة والمساواة المدنية ليست فقط مغلوطة من أساسها بل أنها تتعاون مع منظومة الامتيازات ومع التمييز وتمنحها بذلك شرعية. يقود هذا الخط أعضاء كنيست دروز ينتمون للأحزاب التي بادرت إلى القانون وصوتت لصالحه. الالحاح لمقابلة رئيس الحكومة والمطالبة بتغيير القانون فقط بعد تشريعه، رغم أن هذه القيادة كانت على علم بعملية التشريع ومضمون القانون، تشير إلى اخفاق جوهري في تصرفها وتثير شكوكاً قوية فيما يتعلق بنوايا من يتولون النضال ضد القانون بصيغته القائمة. انضمام القيادة الدينية وجزء من رؤساء السلطات المحلية لهذه الاستراتيجية يعكس خطاً انتهازياً بل أكثر من ذلك- مثيراً للشفقة. حصر المطالب في المستوى الجزئي، الأمر الذي يتجسد بالاستخدام المتكرر للخدمة العسكرية والولاء الأعمى، يعكس اخفاقاً قيمياً وسياسياً على حد سواء. فهذه لغة تناسب جماعة من المقاتلين المرتزقة وليس مواطني دولة يسعون لتحصيل حقوقهم الكاملة والمتساوية المشتقة من مواطنتهم.

هناك فرصة تاريخية أمام الدروز ليؤثروا على منظومة العلاقات بين كافة مواطني الدولة. حصر نضالهم في التركيز على مكانتهم الخاصة معناه قبول منظومة الامتيازات والموافقة الكاملة على تطويرها.

الاغراءات التي يطرحها رئيس الحكومة ومندوبيه عل أنواعهم تعبر عن التفكير العنصري المتجذر في أذهانهم وتكشف عن توجههم الذي يرى بأن الشراكة مع الدروز تعتمد على وجود أسياد وعبيد. الانتهازيون في القيادة الدرزية تفاجئوا وصدموا حتى من ردة فعل الطائفة، ولهذا فقد هرولوا إلى رئيس الحكومة ليبحثوا عن حلول تضمن مكانتهم. هذا التصرف يقف من وراء محاولة رئيس الحكومة السخيفة لتطوير منظومة الامتيازات بدل التعامل مع المشكلة الأساسية لمنظومة الحقوق الإسرائيلية. اجراء مفاوضات حول تطوير منظومة الامتيازات يعكس المنطق المريض لمن يقودون القانون: تعاملهم مع الدروز، وبالأساس الاقتراحات التي طرحوها للتعامل مع احتجاج الدروز، يكشف عن رؤية كولونيالية من أكثر النوعيات تحفظاً: فهم لا يصممون فقط على أن يكونوا عنصريين دستوريين انما يعملون كذلك على تكريس هرميات قيمية بين الناس بناء على مدى ولائهم لنظام التفرقة العنصرية الجوهرية. هم لا يعبئون حقاً ان قام الدروز بالتوقيع على وثيقة تحولهم لمرتزقة مرخصين.

التركيز على الخدمة العسكرية يتناقض بشكل تام مع معنى المواطنة في دولة ديمقراطية. حيث أن مصدر الحقوق في الديمقراطية هو المواطنة ولا يمكن اشتراط هذه بالواجبات لا سيما عندما لا تحدد الواجبات من قبل كافة المواطنين بل بعضهم فقط. لا يمكن أن يخضع المواطنين لسيادة لا تعبر عن ارادتهم الحرة كما لا يمكنهم أن يخضعوا لواجبات لم يكونوا شركاء في تحديدها. وينطبق هذا كذلك على الدروز الذين لا يشاركون في تحديد قيم الدولة وسلم اولوياتها رغم خدمتهم في الاجهزة الأمنية. عدا عن ذلك، فإن المواطنة الديمقراطية لا تقتصر على معناها الرسمي بل هي جوهرية بأساسها. لهذا، فإن كون الانسان مواطن يسبق كونه جندياً أو ضابطاً في قوات أمن الدولة. وليس من قبيل الصدفة بأن الجيش في النظام الديمقراطي يخضع للمستوى السياسي الذي من المفترض بأن يعبر عن ارادة الشعب. والشعب هو كافة المواطنين في الدولة وليس بعضهم فقط. لهذا، فإن تحويل الخدمة العسكرية لمصدر الحقوق والتركيز على ذلك من قبل من يقودون قانون القومية لا يعكس فقط رؤية مغلوطة للديمقراطية وللمواطنة الجوهرية في اطارها انما يشير كذلك إلى تصميمهم على تكريس منظومة امتيازات يتحول فيها جزء من المواطنين- الدروز بهذه الحالة- إلى متعاونين وحتى مرتزقة في دولة اليهود.

احتجاج ضد المبادر لقانون القومية آفي ديختر، الخميس 2.8.2018:

بناء عليه، يجب ألا تعتمد مطالب المواطنين الدروز على هويتهم بل على مواطنتهم وألا تتوقف عند حماية الامتيازت الجزئية لأنها تحول مكانتهم بهذا من مواطنين الى رعايا. الدروز بالذات، على ضوء قيامهم بدورهم في اطار “الصفقة” مع الدولة، عليهم أن يقودوا النضال من أجل منظومة حقوق شاملة لكافة مواطني الدولة، وهو النضال الذي سيحول دون تكرار عمليات تشريع تمييزية، مثل قانون القومية، في المستقبل. هناك فرصة تاريخية أمام الدروز ليؤثروا على منظومة العلاقات بين كافة مواطني الدولة. حصر نضالهم في التركيز على مكانتهم الخاصة معناه قبول منظومة الامتيازات والموافقة الكاملة على تطويرها. هذه المنظومة تعكس سياسات هوية تماماً كتلك التي تقف من وراء منطق قانون القومية. لهذا، فإن موقفاً من هذا النوع يخلق تناقضاً منطقياً يفرغ نضال الدروز من مضمونه الجوهري. الاهتمام بمصالحهم فقط يعني بأنهم يديرون ظهورهم للنضال من أجل منظومة حقوقية قيمية ومتساوية. الأمر الذي قد يمنح مؤيدي قانون القومية شرعية مبدئية لتفضيل الامتيازات الجزئية على حساب المبادئ الأساسية المدنية الشاملة.

منظومة الامتيازات التي تقوم الحكومة بتكريسها في المجالات المختلفة، بما يشمل سياسة التخطيط، التشغيل والرفاه، بإمكانها بالذات أن تضعضع مكانة الدروز وأن تحول مطالبهم إلى مماحكة. الانتهازية التي تنعكس في موقف ممثلي الحكومة الدروز والمسرحين من الجهاز الأمني من بينهم تسمح للحكومة بتطوير عدة أدواتها التمييزية وعرض اغراءات مادية تبدو كالهدية التي يقدمها السيد لرعاياه الخنوعين بدل أن تكون جزءاً من رزمة حقوق اساسية يحصل عليها كل مواطن ومواطنة. عدا عن ذلك فإن منظومة الامتيازات تتضمن على مصادقة مبدئية على سياسة “فرق تسد” التي تعتمدها الحكومة. هذه المصادقة، بنظر من يقودون قانون القومية، ليس فقط من الممكن بل أنها تهدف إلى تعميق الفجوات والتخوفات بين الدروز أنفسهم وبينهم وبين بقية السكان العرب في الدولة. اشتراط الحقوق بواجب الولاء والخدمة العسكرية يقلب مبدأ المواطنة الجوهرية رأساً على عقب.

الدين- الضمان ل”روح الشعب”

هذه النقاط وغيرها الكثير تلزم كل منتقدي القانون للتنبه إلى صياغة النضال ضد القانون بمصطلحات مدنية شاملة لكي لا يتحول لنضال من أجل “صفقة” تسمح بتطوير منظومة الامتيازات بالمستقبل. لا بد أن يستند النضال المبدئي ضد قانون القومية إلى مبادئ مدنية شاملة. معارضة القانون مهمة ليس لأنه يتطرق لحق تقرير المصير للشعب اليهودي، كما يحاول نتنياهو الادعاء، انما لأن في هذه الدولة التي تعبر عن هذا الحق الشرعي في القانون بدأ يتشكل دستور يحول التمييز ضد المواطنين العرب، بما يشمل هؤلاء الذين يخدمون في أذرعها الأمنية، لمبدأ اساسي في الطريقة. هذا التمييز يتحول لمبدأ دستوري أساسي تجاه كل من لا ينتمي للشعب اليهودي كما يعرفه واضعو القانون. قانون القومية هو قانون يكرس سيادة اليهود ودنيوية غير اليهود بغض النظر عن تصرفهم. هو يحكم على كل مواطني الدولة غير اليهود بمكانة رعايا بالإمكان تحملهم، فقط لا غير. الاتكال على الولاء والخدمة العسكرية لن يغير طابع هذه الطريقة المرفوضة بل سيثبت نجاعتها وهي بدورها ستعمق التمييز والاستهانة وثقافة الأسياد التي يحاول من يقودون القانون تكريسها.

الدين عاد لكونه الضمان ل”روح الشعب”. وليس من قبيل الصدفة أن حق تقرير المصير للشعب اليهودي تم تثبيته بالبند الأول من القانون على المستوى الديني بالإضافة الى المصادر القومية، الثقافية والتاريخية.

الجانب الثالث للقانون يتعلق بالتفسير الذي يقدم ليهودية الدولة اليهودية. بنظرالكثيرين، كذلك وسط مشرعي القانون، معنى اليهودية في الدولة اليهودية ظاهرياً هو اثنو-ثقافي: الشعب اليهودي يعرف، بحسب هذا التوجه، حسب الانتماء الاثني المشترك لأبنائه وبناته بالإضافة الى كونهم أبناء ثقافة تناخية مشتركة. لا حاجة لأن يكونوا متدينين أو أن يقبلوا شرائع الديانة اليهودية وفرائضها لكي يحققوا يهوديتهم. إلا أن القانون الجديد يخلق وضعاً جديداً تعني فيه أسبقية يهودية الدولة على ديمقراطيتها بأن لدى الأغلبية اليهودية المهيمنة شرعية كاملة لصياغة طابع الدولة وقيمها من جديد بحسب رؤيتها.

اتساع عمليات التدين التي باتت جلية في كل مستوبات الحياة للمجتمع اليهودي، قوة الأحزاب اليهودية وإحكام المتدينين لسيطرتهم على مراكز القوة، ومن ضمنها الأحزاب السياسية المركزية مثل “الليكود”، تخلق أجواءاً لاهوتية في دولة إسرائيل. الدين عاد لكونه الضمان ل”روح الشعب”. وليس من قبيل الصدفة أن حق تقرير المصير للشعب اليهودي تم تثبيته بالبند الأول من القانون على المستوى الديني بالإضافة الى المصادر القومية، الثقافية والتاريخية. الدين، ليس بمعناه المتسامح والتعددي، انما بمعناه المهيمن اليوم- أي الارثوذكسي المسيحاني، يشكل مصدراً مركزياً لحق تقرير المصير في هذه الحالة. بالإضافة الى ذلك، يهودية الدولة اليهودية التي ستنعكس في تفسير القانون لا يمكنها إلا ان تخضع للتفسير الديني المهيمن في مراكز القوة، وخاصةً في الكنيست وفي الحكومة ورويداً رويداً في المحاكم ومؤسسات الحكم المختلفة.

نظرة خاطفة على الحاصل في هذه الحلبات بالتوازي مع مراقبة التغييرات الحاصلة على نسيجها الاجتماعي وانعكاسات هذه على طابع الحيز العام في إسرائيل لا تترك مجالاً للشك بأن مساحات الحرية والمساواة ليهود معينين، بالأساس الانسانيين، آخذة في التقلص. في المقابل، فإن منظومة الامتيازات على حساب تقليص حرية واستقلالية المواطن المتنور آخذة بالاتساع. وعليه، فإن قانون القومية يهيأ الأرضية لواقع إسرائيلي لا يكون فيه المواطنين غير اليهود فقط أصحاب مكانة متدنية انما أيضاً المواطنين اليهود الذين يرفضون تسليم عقولهم لمنظومة عقائد دينية مسيحانية. التعامل العدائي مع الحركة الاصلاحية هو ليس إلا مقدمة لما سيأتي.

على هذه الخلفية، يتوجب على كل من يهمهم الدولة الديمقراطية، قيم المساواة\الحرية\كرامة الانسان، بغض النظر عن هويتهم الاثنية\الدينية\القومية، أن يقفوا بثبات، كوقفة الرجل الواحد، للنضال ضد قانون القومية بمجمله وعدم الوقوع في الاغراءات لعقد صفقات مقايضة مشبوهة تمنحه الشرعية.

أمل جمال هو بروفيسور في العلوم السياسية في جامعة تل أبيب، بالأصل من قرية يركا الدرزية.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.