"إعلان قاتل للإنسانية"

محاكمة المنظمة النازية التي قضت مضجع ألمانيا بالسنوات الأخيرة انتهت في تموز الأخير تاركةً الكثير من علامات السؤال حول تورط الدولة في القضية وفي محاولات التستر عليها. في هذه المقابلة الخاصة يتحدث فريدريخ بورشل الذي رافق المحاكمة من بدايتها عن نشاط المنظمة وعن صعود اليمين المتطرف في الدولة.
فريدريخ بورشل

 

في تموز الأخير، أرسلت بياتي تسشيبي، ناشطة في المنظمة الارهابية الألمانية “التجمع الاشتراكي القومي السري” (NSU)، إلى السجن المؤبد بسبب دورها في قتل تسعة مهاجرين وشرطية خلال العقد الماضي. مسألة تعاون السلطات الأمنية الألمانية مع هذه الشبكة الارهابية لنشطاء اليمين المتطرف، والعنصرية المُمأسسة للشرطة التي سمحت باستمرار موجة القتل لم تشغل الاعلام العالمي كثيراً بيد أنها جعلت آلاف الناشطات والناشطين في أرجاء ألمانيا يخرجون في نضال سياسي وقانوني واسع ضد محاولات التستر والإنكار من قبل الدولة ومن أجل تحقيق العدالة للضحايا.

حتى اليوم، بقيت الى ما لا نهاية من الأسئلة دون اجابة: كيف يعقل بأن مئات من نشطاء اليمين حصلوا على مقابل كمخبرين شرطيين ولم يمرروا المعلومات التي كانت في حوزتهم عن الجماعة السرية؟ لماذا تواجد ممثل الخدمة السرية؟ في احدى حلبات الجريمة، ولماذا يواصل الادعاء بأنه لم يسمع الرصاصة التي أطلقت على بعد ثلاثة أمتار منه ولم يرى جثة صاحب الدكان التي تواجد فيها؟ ولماذا لقي عدد من الشهود المهمين من الحلقات النازية حتفهم قبل أن يتمكنوا من الادلاء بشهادتهم في المحاكم؟

في المقابلة التالية تتحدث هينا ففنيج إلى فريدريخ بورشل، الباحث والموظف في صندوف روزا لوكسمبورغ الذي رافق المحاكمة ضد الناشطة في المنظمة النازية، عن الفضائح الكثيرة التي تم الكشف عنها من خلال القضية وكذلك عن صعود اليمين المتطرف والتحريض ضد اللاجئين والمهاجرين الذي يتفشى في السنوات الأخيرة حتى وسط الأحزاب المتواجدة في مركز الخارطة السياسية في ألمانيا. يبدو بأن غض الطرف عن عنف اليمين ونشر الكراهية ضد الأقليات ليس حكراً على دولة إسرائيل انما بات منتشراً أكثر فأكثر اليوم أيضاً في مركز أوروبا على الرغم من الصورة الليبرالية والمتطورة التي تسوقها ألمانيا عن نفسها.

 * * *

بعد مضيّ خمس سنوات على سير محاكمة NSU (التجمع الإشتراكي القومي السّري)، ووصول قضيتهم في يوليو الماضي إلى نهاية مطافها. هل تستطيع أن تشرح لنا بإختصار سياقَ ومدلولَ هذه المحاكمة بالنسبة للمجتمع الألماني؟

إندلعت النيران، في 4 نوفمبر 2011، بمنزل متنقل في آيسنباخ في مقاطعة تورينغن، وتم العثور بداخله على جثتين. وقع إنفجار، بعدها بساعات، بشقة في مدينة تسفيكاو في مقاطعة سكسونيا، والتهمتها النيران. في الأيام التالية، انتشر، سيل هائل، من المعلومات المذهلة عبر كل البلاد: الرجلان الميتان في المنزل المتنقل كانا أوفي موندلوس وأوفي بونارد، وبياتي تسشيبي هي من أضرمت النار في الشقة في مدينة تسفيكاو، وسلمت نفسها للسلطات بعد ذلك بأربعة أيام. كان ثلاثتهم أعضاء نواة شبكة إرهابيّة نازيّة تُدعى”الإشتراكيّة القوميّة السريّة” (NSU). خلال الأعوام 1998 – 2011، قَتل الثلاثة تسعة أشخاص من أصول تركيّة وكرديّة، وشخصاً من أصول يونانية لدوافع عنصرية، بالإضافة إلى شرطيّة ألمانيّة. كما أنهم إرتكبوا ما لا يقلّ عن ثلاث هجمات بالقنابل، واحدة منها بقنبلة مسماريّة مدمّرة في أحد الأحياء التي تسكنها أغلبيّة مهاجرة في كولن في العام 2004، نجم عنها إصابات عديدة خطيرة. وقاموا ب-15 عمليّة سرقة وسطو مسلّح على البنوك، تسببت بإصابات أشخاص بجروح خطيرة.

המחתרת1
المنظمة النازية. 13 لجنة تحقيق برلمانية لم تنجح في فكفكة العقد حتى النهاية.

 

في أعقاب هذه الممارسات الإرهابية لـ “الإشتراكي القومي السّري” والعشرات من أنصاره – هذا إن لم يكن للشبكة مئات من الداعمين والداعمات – بدأت تنجلي للعيان تفاصيل أكبر فضيحة في تاريخ جمهوريّة ألمانيا الإتحادية، تتعلق بممارسات عنصريّة رسميّة خلال مجريات التحقيق بعمليات القتل، وتطال جهاز المخابرات.

واجهت عوائل الضحايا ومحيطهم الإجتماعي، وحتى المقتولين أنفسهم، إدعاءات متعسفة وإتهامات عنصرية طوال سنوات. عانت العوائل المتضررة من الإذلال والمضايقات، لمدة تراوحت ما بين العام والعشرة أعوام، من دون ملاحقة للوسط النازي، ولو حتى جزئياً. لم يتم، إلى يومنا هذا، توضيح مدى تورط الدولة في هذا الحدث، ولو بالحد الأدنى، حتى بعد انتهاء القضية. على العكس: طغت فضيحتا التستر والعرقلة غير المسبوقتين للدوائر الرسمية المشتبه بها (والتي هي الشرطة، جهاز المخابرات الداخلية، دائرة المخابرات الفيدرالية، جهاز المخابرات العسكرية، إلخ ) حتى على جهود الإستيضاح التي كُلِفت بها 13 لجنة برلمانيّة لتقصي الحقائق، وخلال سير قضية “الإشتراكي القومي السري” أمام المحكمة الإقليمية العليا في ميونخ، والتي انتهت في أواسط تموز من عام 2018، وذلك بعد إنقضاء خمسة أعوام و 438 يوماً من المرافعات الرئيسية، بنهاية لا تتناسب مع أي بعد من أبعاد تجمع “الإشتراكي القومي السّري”.

لقد تم حجب المعلومات والتلاعب بها، فأتلفت الملفات المتعلقة بـ “الإشتراكي القومي السّري“، وأُحبِط تحقيق حول وحدة المخبرين والمخبرات النازيين أو ما يسمى بوحدة الأشخاص الموثوقين. حدد محامي الدعاوى الفرعية، سباستيان شارمر، في بيان له هويةَ 40 مخبراً، مقربين بدرجات متفاوتة من وسط ال”الإشتراكي القومي السّري“. وبدورهما، قامت المحكمة والإدعاء العام الفيدرالي، كأعلى سلطات التحقيق والملاحقة القضائية، بإعاقة إمكانية تسليط الضوء على هذه الظروف القاسية أمام القضاء. العديد من الأسئلة والتناقضات المثيرة للقلق لا تزال مفتوحة.

أتخذت القضية بسبب طول مدتها أهمية خاصة بالنسبة للجدل المجتمعي المتعلق بفضيحة “الإشتراكي القومي السّري“، إذ أنه في هذه القضية توجب على ضحايا إرهاب “الإشتراكي القومي السّري” تقديم طلبات للتحقق القانوني أو الإدلاء ببيانات. 95 متضرراَ في قضية “الإشتراكي القومي السّري“، تشمل عوائل المقتولين وجرحى الهجمات بالقنابل، مُمثلين من قبل 60 محامياً ومحامية في قاعة المحكمة. لقد كان لهم أثر حاسم في القضية، ولكنه للأسف ومن المنظور القانوني كان بلا جدوى، فلم يؤثر بالنهاية على سير الدعوى. من الضروري تأريخ صيرورة المحاكمات وكل الأسئلة التي تُركت معلقة دون أجوبة. للأسف، إتجهت أنظار الرأي العام وتركّزت غالبها على المُدعي عليها الرئيسية، والتي رُوِج لها بأسلوب هزلي شاذ على نمط الشخصيات الشهيرة المرعبة.

ولكن حتى الرأي العام اليساري والناقد لم يلاحظ أفعال “الإشتراكي القومي السّري” الدموية ما بين ٢٠٠٠-٢٠٠٨، وانقاد وراء وسائل الإعلام، التي سلّمت بصياغة الشرطة دون التحقق منها، وهي تُحمِّل الأجانب والمهاجرين مسؤولية الإجرام. لم يحتج أحد بصوت عال على توصيف عمليات الإعدام الشنيعة بـ” إغتيالات الدونر” أو حتى أظهر شكوكاً- باستثناء المتضررين. حتى بعد قتل صاحب الكشك محمد كولاشك و صاحب مقهى الإنترنت الشاب خالد يوزكات في دورتموند و كاسل في 4 و 6 نيسان 2006، و تظاهرِ الآلاف من أصول مهاجرة تحت شعار: “لا لضحية عاشرة“، لم يصحُ الرأي العام- من الواضح إنه كان موافقاً على التفسيرات العنصريّة.

نستشف أهميّة حركة “الإشتراكي القومي السّري” بالنسبة للمجتمع الألماني من خلال كلمات المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، التي أعلنت بدورها في بداية 2012 بأن هذا الموضوع بات من القضايا العليا في الدولة. كما وعدت، خلال حدث إحياء ذكرى ضحايا “الإشتراكي القومي السّري“، المؤثر بكل تأكيد، بتاريخ 23 شباط 2012، بـ”توضيح كامل”، وبالعمل أيضاً من أجل العثور على “الداعمين الخفيين” ومحاسبتهم. بالتالي فإنها أجابت عن سؤال كيفية تعامل ألمانيا مع جالياتها المهاجرة كـ”مصلحة وطنية“، تتناقض بدورها مباشرة مع مصلحة “حماية الدولة“، والتي يمكن أن يسمع صداها بوضوح في الجدل العام حول الموضوع.

كنت منذ البداية مراقباً لسير المحاكمة ليس فقط لصالح (مؤسسة روزا لكسمبورغ) ولكن أيضاً لمحطة الإذاعة المحلية غير التجارية راديو لوتي فايمارومشروع مراقبة الإشتراكي القومي السّري، وقمت بتقديم الكثير من التقارير والكتابات حول ذلك. ماذا يمكننا أن نتعلم من قضية الـ NSU بعد إنتهائها؟

جاءت نتائج الإنتخابات الفيدرالية والتي فاز فيها حزب قومي شعبوي بشكل علني كحزب البديل اليميني برقم من مرتبتين. الحزب نفسه الذي يحتوي على العديد من النازيين الجدد، منكري الهولوكوست، والمتآمريين اليمينيين والمناهضين للسامية. ومع انتقال هذا الحزب إلى البرلمان بفخر الفوز ب 12,6  بالمئة من الأصوات، يبدو أن كل السدود التي صدّت إلى الآن عودة فاشية جديدة قد إنهارت.

يمكننا أن نتعلم أن ما يُسمى “إجراءات حماية الدولة” هي إجراءات غير مناسبة بأي شكل من الأشكال في التعامل مع المسؤولية المشتركة للدولة وتورطها في تكوين وعدم الكشف عن الإرهابيين النازيين والنازيات وبالنهاية تخريب عملية فهم الكارثة كما يجب. أذعنت المحكمة في ميونيخ خلال سير الدعوى تقريباً بشكل كامل لرواية المدعي العام الإتحادي وخضعت لمنطقٍ أُعلنت فيه قضية “الإشتراكي القومي السّري” بالفعل كقضية جنائية سياسية خطيرة، ولكنها عتّمت على أجزاء مفصلية من القصة.

أعلن المدعي العام في لائحة الإتهام، أن “الإشتراكي القومي السّري” هو خلية “معزولة” مكونة من ثلاثة أشخاص وأنها كانت منعزلة عن المشهد التورينغي و الساكسوني النازي الخاص بها. وبقيت المحكمة- بطريقة شنيعة متجاهلة لنتائج جمع الأدلة والبراهين- حتى التصريح الختامي للقضية متمسكة حرفياً بالرواية ذاتها. بهذه الطريقة استطاعت ببساطة إخفاء قضايا أساسية عدة ذات ارتباط وثيق بمسألة التعايش المجتمعي مثل: العنصرية المؤسساتية الممارسة من قبل سلطات التحقيق؛ تغلغل الأثر النازي المُستعد للقتل لدى المخبرين المستأجرين؛ حِراك ”حماية الدستور” الغير قانوني على مستوى المخابرات؛ وصولاً بإمكانية إحياء مشهد نازي نشط في ألمانيا ما بعد الوحدة.

كانت وما تزال عقيدة حماية الدولة من القضايا المثيرة للجدل، تحتل مرتبة أعلى من وجوب تقديم إيضاحات كاملة، واحتياجات الحماية ومتطلبات أو استحقاقات الأقليات المهاجرة في البلاد. إنها نتيجة سيئة للمراجعة القضائية والتي تجعل ليس فقط المتضررين بل أيضا مؤيديهم والمراقبين غاضبين و خائبي الامل.

آخر قرار تم إتخاذه في قضية “الإشتراكي القومي السّري“، في 11 يوليو 2018 حوالي الساعة الثانية والنصف، كان إلغاء مذكرة توقيف بحق مساعد “الإشتراكي القومي السّري”  أندريه إيمينغر، قرار صاحبته هتافات الحاضرين من النازيين في قاعة المحكمة. حيث كان قسم منهم نازيون معروفون- الأمر الذي كان بمثابة صفعة على وجه أقارب الضحايا وجرحى الهجمات، وأما بالنسبة للنازيين الألمان المستعدين للقيام بأعمال عنف آتى هذا القرار بمثابة: ”استمروا، فلن يتمكنوا منكم“، مضمون هذا المشهد الرمزي كان مدمراً ببساطته.

حتى الآن كان من الممكن الإدعاء أن الشعبويّة اليمينية الموجودة في أوروبا هي إشكال حقيقي، سواءاً في شرق أو جنوب شرق أوروبا أو فرنسا، بينما في المانيا فإنها هامشية نسبياً. منذ الإنتخابات الفدرالية الأخيرة لم يعد الأمر كذلك. ماهو مدى تأثير الحزب البديل اليميني على السياسة والمجتمع الألماني حتى الآن برأيك؟

أثناء محاكمة “الإشتراكي القومي السّري” ونتيجة لوصول آلاف اللاجئين، إنفجر في ألمانيا العنف العنصري ضد غير الألمان وأصحاب الرأي الآخر، فقد فاضت منذ ذلك الوقت مواقع الإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعي بتصريحات وتعليقات كريهة ذات طابع تحريضي عنصريي، تجاوزت كل المحظورات لتحتوي على تعبيرات عنصرية وتمييزية (على أساس الجنس او القوميّة) وعنيفة. جاءت نتائج الإنتخابات الفيدرالية والتي فاز فيها حزب قومي شعبوي بشكل علني كحزب البديل اليميني برقم من مرتبتين. الحزب نفسه الذي يحتوي على العديد من النازيين الجدد، منكري الهولوكوست، والمتآمريين اليمينيين والمناهضين للسامية. ومع انتقال هذا الحزب إلى البرلمان بفخر الفوز ب 12,6  بالمئة من الأصوات، يبدو أن كل السدود التي صدّت إلى الآن عودة فاشية جديدة قد إنهارت. كل شي يسير، حتى في البرلمان، بإتجاه إزالة المحظورات وآداب السلوك المتبقية. وهذا له تأثير سلبي هائل على المناخ الإجتماعي ووضع الأقليات الإثنية والجنسية والدينية وأيضا السياسية بشكل عام في البلاد.

המחתרת2
عائلات ضحايا المنظمة النازية في مظاهرة ضد انهاء التحقيق في آب 2018 (المصدر: تويتير)

 

بعيداً عن الإشتراكي القومي السّريفقد حصلت الشعبوية اليمينية الألمانية أيضا في الصيف من خلال زيهوفر، زعيم حزب ال CSU، الحزب البافاري الشقيق للديمقراطيين المسيحيين، على دفعة من قبل الأحزاب الكلاسيكية. زيهوفر يتحدث الآن مع المستشار النمساوي كورتس عن محور الراغبينفي مسألة الهجرة أو الإنغلاق. تصريحات لهكذا سياسيين ولبعض وسائل الإعلام وخاصة الإجراءات الناتجة عنها، لم يكن بالإمكان حتى تصورها قبل خمس سنوات. هل انت قلق على مستقبل أوروبا؟

الوضع شديد الخطورة ومخيف، وخاصة التطورات الأوروبية التي ذكرتها، تبدو كسوابق لما سيحدث في ألمانيا. بشكل خاص في النمسا الجارة مثلاً يُظهر دخول حزب فاشي جديد مثل إف بي أو في حكومة او فاو بييُظهر التوجه الجديد للبلاد. بعد انتصار الحزب البديل اليميني في الإنتخابات، أعلن زعيم الحزب الكسندر كاولاند بأنه سنستعيد البلاد ونصطاد الحكومة والأحزاب القديمة. وقد حصل ذلك بالفعل: يقوم  وزير داخلية، الذي هو ليس أقل شعبوية وقومية، بتشجيع سياسات غير إنسانية وإقصائية تجاه اللاجئين في الإطار الأوروبي. سياسة تشوّه اللاجئين من جميع أنحاء العالم وتصورهم كوباء، يتوجب حماية مواطني أوروبا منه بكل الوسائل.

أثناء كتابة هذه الكلمات، يدع الإتحاد الأوربي البشرَ يغرقون في البحر المتوسط، بدراية وتعمّد، ويُجرِّم مبادرات الإنقاذ بطريقة غير مسبوقة، فتُصادر سفنهم ويخضع المنقذون الإنسانيون للمحاكمة وتُمنع سفن حماية الحدود الأوروبية (الفرونتيكس) من دخول الموانئ. بنفس الوقت يتم العمل وبجهد على إقامة معسكرات الإعتقال في شمال إفريقيا، حيث يتم توقيف الفارين ليتم تحويلهم ببرود إداري وإرجاعهم. إضافة الى ذلك يتم تسليمهم بأريحيّة إلى الميليشيات المتوحشة التي تنكب على إبقاء الرعاع البائسة بعيداً عن أوروبا. عار لا يصدق و إعلان قاتل للإنسانية.

أحد أبرز علامات هذه السياسة والخطاب اللا-إنسانيين: تحوّل وزير الداخلية الإتحادي هورست زي هوفر إلى وزير ترحيل متشدد، حيث يفرح أنه في عيد ميلاده ال 69 قد تم ترحيل 69 لاجئ إلى بلد أهلكتها الحرب الأهلية المدمرة كأفغانستان. وحتى إنتحار أحد المرحلين في كابول لم يجعل الأرض تبتلع هذا اللإنسان خجلاً وعاراً.  يشبه زيهوفر بسخريته هذه نظيره الإيطالي الفاشي الجديد في إيطاليا، ماتيو سالفيني، الذي تحدث عن اللاجئين الآتين عبر المتوسط  باستخدام تعبيراللحم البشري. سالفيني يعمل مؤخرا على جمع وتسجيل المعلومات لأفراد أقلية الغجر في إيطاليا، لترحيل من لا يحمل الجنسية الإيطالية منهم فوراً.

مع هذا التطرف الغير إنساني للسياسيين البرجوزازيين، يُطلق الحزب البديل اليميني عاصفة تحوّل قومي وطني في ألمانيا، ويفرض على اليساريين أن يستيقظوا من الصدمة أخيراً وأن يعارضوه بشكل مناسب وأن يتغلبوا على الهراء البربري العنصري.

ضمن جملة الأمور في برلين، حيث نعيش ونعمل، كان هناك مؤخراً احتجاجات مثيرة للإعجاب ضد التقدم اليميني وأيضا لأجل الحق في اللجوء والهجرة. هل تعمم هذه النشاطات على جميع أنحاء ألمانيا، أم أنها ظاهرة محدودة بمدينة عالمية كبيرة؟ كيف يمكن من وجهة نظرك أن تكون مناهضة الفاشية في المنطقة؟ 

شعرت بالشلل منذ فترة بسبب قوة وسرعة التحول اليميني الدرامي. ولكن سيكون مهماً من الآن ألّا نرهب، وأن ندافع عن الإنسانية، والتوجه الإنساني والنظرة الكونية، أن ندرك أيضا أن هناك طاقة كامنة في أبناء الشبيبة والشباب ممن يشاطروننا مخاوفنا ويتوقون للمواجهة السياسية ضد إعادة بربرية ألمانيا وأوروبا والعالم كله.

شهدنا في سياق تجمع “الإشتراكي القومي السّري” الحملة الرائعة المسماة “حلّ محكمة تجمع الإشتراكي القومي السّري” في مايو من عام 2017 في كولونيا، وأيضاً مظاهرات كبيرة ضد تشديد قوانين الشرطة الخطيرة في أماكن من ضمنها بافاريا وشمال الراين-فستفالن. رأينا احتجاجاً شرساً لخمسين ألف شخص خرجوا إلى شوارع برلين ضد الحزب البديل اليميني. ووفقا لدراسة طوعية لجامعة هومبولدت في برلين فإن 7 ملايين ألماني يساعدون اللاجئين في الحياة اليومية ويعملون أو ينخرطون في هذا المجال.  يجب أن نكون واعين لقوتنا المضادة ونجتمع في تحالفات واسعة لمواجهة أو معارضة القومية الشعبوية بحزم. وإلا سنعيش حالة إعادة تمثيل بشعة للثلاثينات في أوروبا.

ولكننا كثيرون! نحن أكثر ويجب أن نتماسك لنقوم بما يتوجب علينا بإسم الانسانية.

 

*اقيمت زاوية حول العالم مع روزا بمبادرة مؤسسة روزا لوكسمبورغ في إسرائيل وبالتعاون مع موقع اللسعة لتوفّر منصة للتعرّف على ولتداول القضايا الراهنة التي تشغل حركات اليسار في أنحاء العالم. تتيح الزاوية للقارئ تناول النقاشات العالمية باللغات العربية والعبرية والتفاعل معها، وبذلك تقوم بإثراء الخطاب اليساري المحلي. يسرنا ان ترسلوا لنا اقتراحاتكم لمقالات ملائمة للترجمة وملاحظاتكم عبر البريد الالكتروني: einat@rosalux.org.

*المقالات في هذه الزاوية لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة روزا لوكسمبورغ و/او موقع اللسعة.

 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.