لا قضاة في القدس، فقط مستعمرين

بفارق أسبوع، قرر القضاة المصادقة على اقامة مستوطنة على أراضي فلسطينية وعلى هدم خان الأحمر. هل الحديث عن مفترق مفصلي لا جدوى من بعده بأن يقف الفلسطينيون على باب “قصر العدل” الإسرائيلي؟  
مرزوق الحلبي

 

أسبوع واحد فصل بين قرار المحكمة اللوائية في القدس الذي صادق على اقامة مستوطنة على أراضي خاصة لفلسطينيين وبين قرار محكمة العدل العليا الذي شرع اقتلاع بلدة خان الأحمر. قرار يمنح المستعمر الاسرائيلي الحق في نهب أرض الفلسطيني، وقرار يسمح للدولة بأن تطهر المنطقة الواقعة بجانب معاليه أدوميم من أصحابها الفلسطينيين. جهاز القضاء الإسرائيلي، “درة التاج”، هو الختم النهائي الذي يصبغ التراجيديا الفلسطينية ويضفي لها شرعية منمقة تبدأ باقتباسات من قرارات سابقة وتنتهي بالمزيد من الاقتباسات. ففي كل ما يتعلق بالفلسطينيين- لا قضاة في القدس. لم يعد لهم وجود ببساطة.

اليوم الذي سيكف فيه الفلسطينيون من كلا طرفي الخط الأخضر عن الالتماس لمحكمة العدل العليا ليس بعيداً. كذلك اليوم الذي سيتوقف فيه الفلسطينيون، ومركز عدالة على وجه الخصوص، عن الوقوف على باب “قصر العدل” الكولونيالي في القدس مطالبين بقرار في هذا الموضوع أو ذك. هذا التطور لا يرتبط فقط بطابع هذا القصر في السنوات الأخيرة فقط بل أنه يتجذر عميقاً في السياق السياسي الذي نشأ بالتحديد في النقطة التي يلتقي بها جهاز القضاء الإسرائيلي والسلطة التنفيذية. حتى في سنواته الحسنة، لم يستسيغ الجهاز القضائي تناول القضايا المبدئية المتعلقة بالفلسطينيين بموجب القانون الدولي- بل فضل دائماً أوامر الجنرالات، قوانين الطوارئ، ميراث الانتداب ومصلحة المصنع الكولونيالي الإسرائيلي. فالمحكمة هي ضلع من ضلوع هذا المصنع فلطالما شكل جهاز القضاء الإسرائيلي ورقة توت تتستر على مظالم الاحتلال وأعمال السرقة. والأدق- مغسلة مشحمة تولد أطنانا من الكلمات لكي تجمل الواقع وتظهر كجهاز لا يهاب محاسبة نفسه. لهذا، فقد قام بالتضحية بين الفينة والأخرى بحارس مناوب أو بجندي بسيط لم يمتثل للأوامر وتمادى في ضرب أو اطلاق النار على فلسطيني لم يوفقه الحظ.

 كلا الجهازين، المدني والعسكري، لا يخرجان بلوائح اتهام بل بلوائح دفاع عن الاحتلال ومظالمه. كلاهما يخدمان الاحتلال ومنفذيه بإخلاص وينجحان جتى في اضفاء مظهر حسن ومقبول عليه.

من جرب المحاكم العسكرية في بيت ايل أو في جنين، مع العلم بأنها جزء من آليات الاحتلال، يعرف كيف يزج الناس بالمعتقل وفي السجون وفي سراديب الشاباك بتوقيع سريع وبتهاون كبير من قبل الضابط القاضي. وكأنه شريط متحرك يجلب فيه المعتقلين المتهمين، الفلسطينيين المشتبه بهم الذين لا يروقون للشرطي، إلى القضاة الذين لا يضيعون لحظة من وقتهم الثمين ويقبلون بسرعة فائقة طلبات الشاباك لاعتقال أناس لم يروا النوم أو أي محامي. الجهاز القضائي الذي لم يحكم يوماً لصالح الفلسطينيين المنهوبين والفلاحين الذين أفسدت أراضيهم واقتلعت كرومهم، هو جهاز يعمل على اخفاء غياب العدل وكثرة المظالم. ومن فوقه هناك جهاز مدني لم يفلح في اصلاح الوضع أو التخفيف من وقعه بل وقف صامتاً مقابل ارادة المستعمر وبارك انهاء المهمة بنجاح، واهتم، “اسقاطاً” للواجب، بأن يعبر في صحيفة أو اثنتين عن عدم ارتياحه من اليد الخفيفة على الزناد أو أعمال التعذيب في سراديب الشاباك أو مصادرة أراضي الفلسطينيين الخاصة.

القانون الدولي ينظر بشكل ايجابي إلى قيام إسرائيل بالتحقيق مع جنود، ضباط أو مع نفسها أحياناً في مسائل تتعلق بالمظالم اليومية للاحتلال. جهاز القضاء الدولي، كالمحكمة الدولية للشؤون الادارية، يمتنع عن التدخل واتخاذ اجراءات عندما يتم التحقيق في جرائم الحرب والاحتلال من قبل الدولة التي تتم فيها هذا الجرائم أو التي اقترفها ممثلوها. ولهذا تقوم إسرائيل الرسمية بإجراء تحقيقات، تعين لجان تحقيق وتحاكم حتى أناساً متورطين في الاحتلال ومظالمه. لكنها تقوم بذلك فقط للحفاظ على مظهرها ولتبدو بصورة جيدة في عين الناظر من الخارج بل أكثر من ذلك- لكي تستبقي وتشرعن منظومة كاملة من الجرائم والمظالم.

في كل الأحوال فإن كلا الجهازين، المدني والعسكري، لا يخرجان بلوائح اتهام بل بلوائح دفاع عن الاحتلال ومظالمه. كلاهما يخدمان الاحتلال ومنفذيه بإخلاص وينجحان جتى في اضفاء مظهر حسن ومقبول عليه. لكن الأمور لم تنتهي على ما يرام في الأسبوع الأخير: القراران اللذان ينهب أحدهما أراضي الفلسطينيين لصالح مصنع الاحتلال ويقتلع ثانيهما الفلسطينيين من أراضيهم على مرآى نفس المصنع يشكلان بنظري مفترق مفصلي لا يمكن من بعده قصد المحكمة لتبت لصالح الفلسطيني لأنه لم يعد هناك قضاة في القدس- فقط مستعمرين.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.