تم احتلال عفرين- ولكنّ النضال ما زال مستمرًا

يتهاوى الحكم الذاتي الديمقراطي في شمال سوريا في ظل الهجوم التركي الذي يسعى إلى القضاء على أية استقلالية كردية. الأكراد بحاجة لتضامن دولي مدني مع نضالهم من أجل تقرير المصير ولكن كلما مر الوقت كلما تأكدوا بأن الغرب سند لا يعول عليه.
روزا بورتش وكرم شامبيرغير

 

عندما اجتمع الآلاف للانطلاق في موكب جنازة بارين كوباني، المقاتلة في صفوف وحدات حماية المرأة الكرديّة (YPJ)، والتي نكّل بجثّتها، بعد مقتلها، مرتزقة جهاديّين بحماية تركيّة، رُفعت أغصان الزيتون بين جموع المعزّين. تقع عفرين على الحدود السوريّة-تركيّة وفي قلب جبل الأكراد (جبل حلب)، وهي معروفة ليس فقط بغالبيّة سكّانها الأكراد، وإنّما أيضًا بكروم الزيتون والحقول المزهرة المحاطة بالجبال. في كانون الثّاني من هذا العام، شنّت الدبّابات، بمرافقة الطائرات المقاتلة التركيّة والجيش الحرّ في سوريا هجومًا شاملاً على قطاع عفرين، وسمّيت هذه الحملة بشكل ساخر “حملة غصن الزيتون”، وانتهت باحتلال أجزاء كبيرة من عفرين في غضون شهرين، بعد قتال حامي الوطيس.

بحسب تقارير المنظّمة العالميّة لحقوق الإنسان، قُتل على الأقل 500 مدنيّ وحوالي 1,000 مقاتل كرديّ تقريبًا، وفرّ أكثر من 3,000 شخص بسبب احتلال المنطقة. إن الهجوم التركيّ على عفرين، والذي طال أيضًا مواقعًا عتيقة، هو خرق واضح للقانون الدّوليّ، ومع ذلك، لم تتّخذ أي حكومة ولم يتّخذ المجتمع الدّوليّ أي إجراءات ضدّ هذا العدوان العسكريّ.

أصبحت المقولة “لا صديق للأكراد إلّا الجبال” مقولة سهلة مع مرور السنوات ردًا على المظالم التي يتعرّض لها الشّعب الكرديّ، ولكن، وبعد مرور قرن من الفظائع بحقّ الأكراد، أثبت احتلال عفرين بشكل أوضح من أي وقت سابق أنّ هناك حاجة للتّضامن الحقيقي مع الأكراد، قبل تدمير كل الإنجازات الديموقراطيّة في شمال سوريا من قبل تركيّا والقوّات الإمبرياليّة الأخرى. إن أزمة عفرين هي خلاصة تورّط وأزمة المنطقة، وهي تثير ثلاثة أسئلة أساسيّة: ما هو الدور التاريخي لتركيا في قمع الأكراد في المنطقة؟ من يتحدّى تركيا اليوم دفاعًا عن عفرين؟ وما هي مكوّنات جيو-سياسة الصراع؟

أهداف أردوغان

عندما تطلق الحكومة التركيّة “حملة”، وخصوصًا “حملة ضدّ الإرهاب”، فإنّه من المؤكّد أن الأكراد هم أوّل من سيتصادم مع الأتراك. بعد انتخابات حزيران 2015، عندما خسر حزب أردوغان “العدالة والتنمية” (AKP) الغالبية المطلوبة لتشكيل حكومة مستقلة، تمّ الإعلان عن انتخابات خاطفة في الأوّل من تشرين الثّاني من نفس العام. في غضون ذلك، أُلغيت عمليّة السلام مع “حزب العمّال الكردستانيّ” (PKK) وأُعلن عن حالة طوارئ في المنطقة الكرديّة في جنوب شرق الدولة. أطلقت الدولة بالشراكة مع الجيش ما سُمّي “عمليّات تطهير” كعقاب جماعيّ ضد أفراد يُفترض أّنهم أعضاء في “حزب العمّال الكردستانيّ” (PKK)، كما استُهدفت معاقل “حزب الشّعوب الديموقراطيّ” (HDP)، وهو تحالف يساريّ تعود جذوره سياسيًّا إلى السّياسة الكرديّة، وهو فعليًا الحزب الوحيد الذي يتحدّى “حزب العدالة والتنمية” (AKP)، وكانت حصيلة هذه العمليّات عددًا كبيرًا من القتلى وتهجير العديد.

الهجوم التركي على عفرين يوماً بعد يوم

Afrin frontlines 2018

 By Nate Hooper – Own workCC BY-SA 4.0Link

 

قبل عامين ونصف العام، كشفت حكومة “حزب العدالة والتنمية” (AKP) خطّة عمل مكوّنة من عشر خطوات لـ”إصلاح” منطقة جنوب-شرق تركيا، والتي تمّ تدميرها في أعقاب الحصار. شملت هذه “الخطّة العليا” التي جاءت بعد حملة مشاورات مع حرّاس القرى، الذين كانوا عبارة عن ميلشيات موالية للحكومة، كما شُيّدت أبراج حراسة مضادّة للرصاص في المناطق الحضرية. كانت هذه العمليّات في الواقع مجرّد مرحلة أخرى من الحرب، هدفت إلى نزع السكّان المحليّين عن مناطق سكناهم التاريخيّة ومحاولة لفرض الطاعة عليهم.

ولكن، كانت لهذه الحملة أهداف اقتصاديّة أيضًا، وهي زيادة تبعيّة المنطقة. أملت الحكومة التركيّة خلق علاقة جديدة بين الأكراد الفقراء وبين الدولة التركيّة، وذلك من خلال تقديم التعويضات لهم وبناء مساكن جماعيّة في ضواحي المدن وتوفير قروض بفوائد مخفّضة وخلق فرص عمل جديدة للأكراد المهجّرين. كانت الحكومة التركيّة على أمل أن تحظى بدعم الرأي العام من خلال هذه الخطوات الاقتصاديّة الهزيلة، بينما استمرّت في تجريم عمل “حزب الشعوب الديموقراطيّ” (HDP)، وهو مجرّد فصل آخر في ممارسات الهندسة الاجتماعيّة التي يقوم بها “حزب العدالة والتنمية” (AKP) من أجل احتواء خصومه السياسيّين، وبذلك تحقيق المكاسب السياسيّة.

تقليديًا، كانت ركيزة السياسة الكرديّة في تركيا هي الاندماج والتكامل القويّ لمناطق منشقّة في تيار ثقافيّ مشترك، وذلك من خلال احتلال فضاءات مهمّة مجتمعيّا وتفكيكها بنيويًا، وخلق فضاءات جديدة خاضعة للسيطرة مكانها. هذا ما كان مثلاً بعد “مجزرة درسيم” (محافظة تونجيلي اليوم) في عام 1938، والتي أعقبها تمرّد كرديّ ضد قمع الدولة، حيث أعادت الحكومة التركيّة توزيع ما تبقّى من السكّان الأكراد، بالإكراه، في مدن غير كرديّة. استمرّ ذلك في التسعينيّات من القرن الماضي عندما حرق الجيش التركيّ أربعة آلاف قرية كرديّة، وأدّى بشكل مقصود إلى تهجير أعداد ضخمة من سكّان الريف في المنطقة الجنوب-شرقيّة إلى مناطق حضريّة.

لدى الدولة التركيّة خبرة تمتد عشرات السنوات في محاولة فرض التمدّن على من يعارض سياسات “التتريك” الشرسة تحت شعار “أمّة واحدة، دولة واحدة، راية واحدة، لغة واحدة”، وهو شعار يعرّف الثقافة الكرديّة على أنّها خارجة عن أن “تكون تركيًّا”، وهذا يعني أنّه يتم التضحية بحياة الأكراد من أجل الحفاظ على الدولة القوميّة التركيّة.

ولكن، قاوم الأكراد هذه المحاولات بشكل كبير منذ تأسيس الدولة القوميّة التركيّة، إن كان ذلك على شكل ثورات إقليميّة في سنوات الجمهوريّة الأولى، أو محاولات الاشتراك في السياسة المدنيّة بعد إتاحة منظومة تعدّد الأحزاب، أو تشكيل حركة تحرّر مسلّحة، أي، “حزب العمّال الكردستانيّ” (PKK). وأخيرًا، أدّى ظهور “حزب الشعوب الديموقراطي” (HDP)؛ وهو مظلّة للأحزاب اليساريّة المناهضة للنظام ولمنظّمات تُعنى بتحرير المرأة والمسألة الكرديّة، إلى تغيير حادّ في محاربة فوبيا الأكراد التي تقودها الدولة التركيّة. لم يكن العام 2015 فقط العام الذي نجحت فيه الرؤية الراديكاليّة لـ”حزب الشعوب الديموقراطيّ” (HPD) بكسب الأصوات في الانتخابات، وحرم اردوغان من الغالبيّة المطلقة التي كان بحاجة إليها لتأسيس حكم استبداديّ من خلال القيام ببعض التعديلات الدستوريّة. كذلك، كان لمقاومة كوباني (عين العرب) ضد ما يُسمّى بالدولة الإسلاميّة في الطرف الآخر من الحدود السوريّة-التركيّة صدًى حول العالم، حيث كشفت هذه المقاومة بشكل واضح السياسة الخارجيّة لحكومة أردوغان، وأجبرتها على كشف تحالفها مع الميليشيات الجهاديّة.

الاكراد
مقاتلات في YPG، شباط 2018. يحاربن من أجل مكانتهن في مجتمع حر. تصوير: cc by Kurdishstruggle.

في حين أن المجتمع الدوليّ توقّع من تركيا أن تأخذ دورًا حيويًا في إتاحة ممر إنسانيّ وتنسيق نقل الذخائر والأسلحة إلى كوباني (عين العرب)، وضعت الحكومة التركيّة شروطًا لهذا الدعم: على الأكراد الانضمام إلى المعارضة السوريّة-العربيّة؛ وعلى “حزب الاتّحاد الديموقراطيّ” (سوريا) (PYD)، وهو الذراع السياسيّ لـ”وحدات حماية الشّعب” (YPG/J) أن ينأى بنفسه عن “حزب العمّال الكردستانيّ” (PKK)؛ وتفكيك الأقاليم الثلاثة في روج آفا (منطقة الإدارة الكرديّة في شمال سوريا)؛ وأخيرًا، إنشاء منطقة عازلة في شمال سوريا، ممّا يعني على أرض الواقع احتلال تركيا لمنطقة روج آفا.

كان هذا أفضل مثال لكيفيّة تحويل السياسات المحليّة إلى شأن جيو-سياسيّ. في حين أنّ مذهب الدولة القوميّة في تركيا يحرّم أيّ شكل من أشكال تقرير المصير للأكراد داخل تركيا، بما في ذلك حقّهم بالتعليم بلغة الأم، فإنّ أي استقلاليّة كرديّة خارج الحدود التركيّة تعتبر تهديدًا مباشرًا لسلامة الدولة، ولذلك يتم محاربتها، فأعلن أردوغان: “اليوم أو غدًا، ستسقط كوباني (عين العرب)”. استمرّ هذا النهج عندما أجرى “الحزب الكرديّ الديموقراطيّ” في جنوب كردستان/شمال العراق استفتاءً حول الاستقلال في 2017، فتعاونت الحكومة التركيّة مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي والنظام الإيرانيّ ضدّ الطموحات الكرديّة للاستقلال عن العراق.

إنّ المشروع الذي تدافع عنه الفدراليّة الديموقراطيّة في شمال سوريا/روج آفا هو مشروع مختلف بشكل جوهريّ، فهو يقترح مبنى اجتماعيّ أكثر راديكاليّةً، واستيطانًا إقليميًا أكثر عدلاً. كان تدخّل تركيّا في شمال سوريا/روج آفا بالتفويض حتى الهزيمة الاستراتيجيّة لما يُسمّى الدولة الإسلاميّة في الرّقّة في تشرين أوّل 2017، وكان بالأساس على شكل توفير ملاذ إيديولوجيّ ولوجستيّ لمسلّحي الدولة الإسلاميّة. فقط مؤخّرًا، وعند هجوم الجيش التركيّ على عفرين، تدخّلت تركيا في الصّراع السوريّ كطرف معادٍ بشكل واضح وفعّال ضد الفيدراليّة الديموقراطيّة في شمال سوريا/روج آفا.

تماشيًا مع الممارسات التركيّة الداخليّة للهندسة الاجتماعيّة الإثنيّة في القرن الأخير، صرّح أردوغان ومستشاروه مرارًا أنّه يجب “تطهير” المنطقة المحيطة بعفرين وإرجاعها إلى “أصحاب الأرض الأصليّين”، وبما أنّ الأكراد كانوا المجموعة الأصلانيّة والمهيمنة في عفرين على مرّ التاريخ، يبقى السؤال من سيكون “أصحاب الأرض الأصليّين”، حيث تشمل الإشارات المقلقة محاولات تعريب قسريّة وتطهير عرقيّ.

كونفدراليّة ديموقراطيّة

ظهر في إحدى الصور الملفتة للنظر، والتي التقطت في أحد مراسم الجنازات العديدة في عفرين منذ بداية الاعتداءات، إثنا عشر تابوتًا موضوعين الواحد بجانب الآخر، ويحيطهم بهم جمع غفير، ووُضع على كل تابوت علم مع شعار مختلف يمثّل مجموعة من مجموعات القوّات السّوريّة الديموقراطيّة التي يقودها الأكراد. جسّدت هذه الصورة الوجه التراجيديّ الذي تمثّله مقاومة روج آفا: الوحدة رغم الاختلاف. في حين أن تركيّا تحاول إخماد التعدّديّة، بنى الأكراد في تركيّا منظومة ترتكز بشكل أساسيّ على مبدأ التعايش والمشاركة المتساوية.

لم تكن عفرين بالنسبة للأكراد مجرّد إقليم يتعرّض للهجوم، وإنّما كانت رمزًا لإمكانيّة الحكم الذّاتيّ للسكّان الأصلانيّين ما بعد تأسيس دولة قوميّة أخرى، كما أنّ هناك إنجازات تحقّقت للنساء في عفرين، فالنساء لم يقاتلن ضد الدولة الإسلاميّة لأسباب وطنيّة فقط، كما يتم تصويرهنّ عادةً، وإنّما قاتلن أيضًا ضد القمع الأبويّ الذي جسّدته الدولة الإسلاميّة بأعنف الأشكال.

في خضمّ الحرب السوريّة وخلال السنة الخامسة من المقاومة في روج آفا، تم الإعلان بشكل رسميّ عن الفيدراليّة الديموقراطيّة شمال سوريا- روج آفا. اجتمع واحد وثلاثون حزبًا ومائتيّ مندوب في جمعيّة تأسيسيّة، يمثّلون أقاليم الإدارة الذاتيّة الثلاثة: سيزير (الجزيرة) وكوباني (عين العرب) وعفرين. انضمّ إليهم مندوبون عن شعوب عربيّة وآشوريّة وسريانيّة وتركمانيّة وشيشانيّة من أقاليم تل أبيض والشدّادي وحلب والشهباء.

بعد اجتماع دام يومين، صدر إعلان يعبّر عن عدم رغبة الشعوب في روج آفا وشمال سوريا بالمشاركة في تأسيس استقلال قوميّ كلاسيكيّ، واقترح الإعلان نظام فدراليّ كجزء من حل الصراع الأوسع. تم الاتفاق على تنظيم ديموقراطيّة شعبيّة وتحرير المرأة وتمثيل كامل لكل المجموعات الاجتماعيّة من خلال نظام مجلسيّ، كمبادئ تأسيسيّة للعقد الاجتماعيّ الجديد. أُجريت الانتخابات الفدراليّة الأولى في أيلول 2017 في منطقة الفدراليّة الديموقراطيّة شمال سوريا- روج آفا، حيث تم انتخاب 3,700 ممثلاً عن المجموعات المختلفة من الأقاليم الثلاثة، وعقب ذلك انتخابات للبلديّات المحليّة في تشرين الثّاني وللجمعية العامّة في كانون الثّاني، فتم تطوير الديموقراطيّة الشّعبية من رماد الحرب.

تعود جذور هذه التجربة الديموقراطيّة الرّاديكاليّة إلى أيديولوجيّة حزب العمّال الكردستانيّ (PKK)، ومبدأ الكونفدراليّة الديموقراطيّة الذي وضعه عبد الله أوجلّان؛ مؤسّس وقائد الحركة الكرديّة، والذي يقبع في جزيرة سجن تركيّة منذ عام 1999. أُلهمت الكونفدراليّة الديموقراطيّة إلى حدٍ ما بمبدأ البلديّات التحرّريّة لموراي بوكتشين، وهي تعنى بإنجاز روح جماعيّة جديدة للمواطنة والمجموعة عن طريق تحويل ودمقرطة الحكم المحلّي من خلال تجذيره بجمعيّات شعبيّة، وذلك بهدف نسجها فيما بعد بكونفدراليّة مكوّنة من بلديّات وليس من دول قوميّة.

شدّد أوجلّان عدّة مرّات على أنّ بناء كونفدراليّة ديموقراطيّة لن يهدّد السلامة الإقليميّة للدول القوميّة ولن ينكر سيادة الحكومة المركزيّة. ومع ذلك، سعت المنظومات البلديّة، مع الوقت، إلى أن تجعل من الحدود الواقعيّة والمتخيّلة التابعة للدولة القوميّة غير ذات صلة بالحقل السياسيّ المتعلّق بحياة المجموعات. من الممكن اعتبار الكونفدراليّة الديموقراطيّة حالة من القوّة المضاعفة، والتي تتعايش من خلالها مناطق البلديّات المُدارة ذاتيًا مع الدولة القوميّة. تخلق هذه الحالة من القوّة المضاعفة توتّرًا بين الكونفدراليّة وبين الدولة، وهي خاصّيّة مركزيّة للكونفدراليّة الديموقراطيّة، حيث أنّه “يتم تشكيل قانون الحياة” كما يقول ذلك موراي بوكتشين، “بحسب صراعه مع الدولة، ويقوى بسبب هذا الصراع، ويُعرّف من خلال هذا الصراع”.

على هذا الأساس، لم تكن عفرين بالنسبة للأكراد مجرّد إقليم يتعرّض للهجوم، وإنّما كانت رمزًا لإمكانيّة الحكم الذّاتيّ للسكّان الأصلانيّين ما بعد تأسيس دولة قوميّة أخرى، كما أنّ هناك إنجازات تحقّقت للنساء في عفرين، فالنساء لم يقاتلن ضد الدولة الإسلاميّة لأسباب وطنيّة فقط، كما يتم تصويرهنّ عادةً، وإنّما قاتلن أيضًا ضد القمع الأبويّ الذي جسّدته الدولة الإسلاميّة بأعنف الأشكال. حاربت النساء في كتائب للنساء فقط؛ هي وحدات حماية المرأة (YPJ) من أجل مكانتهنّ في مجتمع حرّ من خلال المشاركة المتساوية في عمليّة تحرير روج آفا.

أصدقاء المصلحة

كانت لحركة التحرّر الكرديّة علاقات مع قوى دوليّة في سوريا خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، فقد كان هناك تعاون وثيق على أرض المعركة ضد الدولة الإسلاميّة في عدّة مناسبات. كانت في إقليم عفرين مراكز تنسيق مشتركة مع روسيا للقصف الجوّي، وأيضًا في مناطق حول دير الزور، وحتّى أن التعاون التكتيكيّ مع الولايات المتّحدة هو تعاون وثيق. قوّات سوريا الديموقراطيّة هي تحالف مجموعات قتاليّة متنوّعة بحيث تعتبر وحدات حماية الشّعوب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ) الوحدات الطلائعيّة في هذا التحالف. سلّحت الولايات المتّحدة هذا التحالف، كما رافق الكوماندوز الأمريكيّ الخاص التحالف في المعارك. للتحالف أيضًا قواعد عسكريّة خاصّة به ومناطق جويّة خاصّة به في إقليم سيزير (الجزيرة). رافق التحالف المعادي للدولة الإسلاميّة تحرير الطبقة والرّقة وأجزاء من دير الزّور بواسطة قصف جوّيّ مكثّف. أعلنت الولايات المتّحدة أنها تنوي إقامة وحدة حدوديّة مكوّنة من ثلاثين ألف فرد، بالتعاون مع قوّات سوريا الديموقراطيّة، قبل التدخّل التركيّ العسكريّ في عفرين، فاعتبرت تركيا وجود جيش بقيادة كرديّة على حدودها تهديدًا مباشرًا، على الرغم من أنّ هذه القوّات بقيادة الأكراد لم تشكّل أيّ تهديد على الدولة التركيّة منذ بداية الحرب الأهليّة في سوريا.

في حين أنّ حركة التحرّر الكرديّة كانت تنظر إلى هذه العلاقة على أنّها تكتيكيّة وليست استراتيجيّة، تم شجبها ووصفها بأنّها “شريكة أيديولوجيّة” وأنّها “القوات البريّة نيابةً عن الغرب” في حربها ضدّ الدولة الاسلاميّة. أمّا الآن، وبعد سماح هذه القوّة العظمى، وكذلك روسيا، بهجوم تركيا على عفرين، تعلو أصوات استعلائيّة في صفوف اليسار العالميّ “لقد قلنا لكم!” متّهمين الأكراد بالتعاون مع الامبرياليّة. ولكن، لا يمكن فهم الصراع من دون التمييز بين الاستراتيجيّة السياسيّة على المدى البعيد والتكتيك العسكريّ على المدى القريب. استراتيجيًا، لم يكن لأي من القوتين الرئيسيّتين أي تأثير على المشروع السياسيّ للفدراليّة الديموقراطيّة في شمال سوريا-روج أفا حتى الآن، فالانقلابات الاجتماعيّة والسياسيّة تتقدّم من دون تصميم امبرياليّ من الأعلى إلى الأسفل.

شدّد رضا التون، وهو عضو في المجلس التنفيذيّ لحزب العمّال الكردستانيّ (PKK) أنّه لا يمكن أن يكون هناك مشروع سياسيّ مستقبلاً بالشراكة مع الولايات المتّحدة وروسيا. بحسب التون، حاولت الولايات المتّحدة دائمًا ابتزاز الأكراد في شمال سوريا محاولةً إقناعهم بضرورة قيام دولة قوميّة كرديّة، على الرغم من أنّ روج آفا ترتكز على مؤسّسات تناهض مبدأ الدولة القوميّة. لم تكن مصالح الولايات المتّحدة التي تدعو إلى التفريق، ولا طموح روسيا بوجود دولة مركزيّة قويّة تقع تحت هيمنة الأسد سيناريوهات قد تأخذها حركة التحرّر الكرديّة بعين الاعتبار، في يوم من الأيام، كحلول حقيقيّة للمأزق السائد.

بقيت روج آفا مستقلّة سياسيًا، وخلق هذا حالة من عدم الارتياح للقوى العظمى الامبرياليّة، ممّا كان المحفّز الأساسيّ للسماح بالهجوم التركيّ. لا يوجد لروسيا ولا لدمشق مصلحة على المدى البعيد باحتلال تركيا لعفرين، ولكنهما تأملان أن تدفع الحملة الشرسة ضد الأكراد قوّات سوريا الديموقراطيّة إلى أحضان روسيا وإجبارها على تقديم التنازلات السياسيّة للأسد. وعلى الرغم من ذلك، فإن حركة التحرّر الكرديّة غير مستعدّة للتعاون مع ترويض المشروع السياسيّ في روج آفا للتناسب مع المصالح الامبرياليّة.

اللعبة العظيمة

يدوّي الهجوم التركي على عفرين في إدلب، حيث منحت روسيا ضوءً أخضرًا لهذا الهجوم مقابل انسحاب تركيا من تحالفاتها في المنطقة، بما في ذلك مع مجموعات جهاديّة مختلفة. مع بداية الهجوم على عفرين، خلّف قصف مكثّف لأجزاء في شمال إدلب من قبل طائرات حربيّة روسية وسوريّة خسائرًا بشريّة كبيرة، سبق ذلك هجومًا بريًا هائلاً نتج عن احتلال استراتيجيّ لمواقع مهمّة في منطقة إدلب، والتي تم الإعلان عنها بشكل رسميّ “مناطق خفض تصعيد”، فبات من الواضح أنّ ما يحدث في إدلب هو الوجه الآخر للهجوم على عفرين. لا تتحمّل روسيا وسوريا مسؤوليّة جرائم الحرب في إدلب وحسب، وإنّما تتواطأ أيضًا في حرب التطهير العرقيّ الذي تقوم به تركيا في عفرين.

يستحق الأكراد أكثر من صداقة جبالهم، فهم يستحقّون تضامن اليسار العالميّ معهم لأنه ليس فقط وجودهم وهويّتهم مهدّدتان بالخطر، وإنّما أيضًا الأمل لديموقراطية راديكاليّة وتحرّر المرأة في الشّرق الأوسط.

كانت روسيا مستعدّة للسماح بالتدخّل العسكريّ التركيّ أيضًا بسبب المنافسة بين روسيا والغرب على توطيد علاقات جيّدة مع تركيا، فروسيا معنيّة بإخراج تركيا من كتلة الغرب، وعلى المدى البعيد، وضع تركيا في حيّز مصالحها. الدول الغربيّة، من ناحية أخرى، معنيّة بإبقاء تركيا عضوة في الناتو، ولذلك فإن الولايات المتّحدة لا تنظر بعين الرضا على تقاربها الاستراتيجيّ مع روسيا، والذي يشير إليه أردوغان مرارًا وتكرارًا.

لا عجب، إذًا، أنّ الغرب قرّر أنّ يتحمّل الاعتداء التركيّ على شمال سوريا. حاولت الولايات المتّحدة أن تنأى بنفسها عن إقليم عفرين عن طريق نسب النفوذ في الإقليم للروس. ولكن، ما زال الأمريكيّون يجدون أنفسهم في مأزق، حيث أعلن أردوغان أنّه سيستمر حتى الهجوم على منبج، وهي منطقة يتواجد فيها الجنود الأمريكيين، بعد “الانتهاء” من عفرين.

إن صمت الغرب حول الاعتداء التركيّ لا يعني نظافة سجلّه في هذا الصراع، فالغرب هو شريك فعّال في جرائم الحرب التي قامت بها تركيا في عفرين. تم بيع أكثر من 350 وحدة من دبابة ليوبارد إلى تركيا منذ عام 2005، وهي تعبر الآن الحدود السورية منتهكةً للقانون الدوليّ، وتم تصوير الجنود الأتراك مرارًا في المناطق الحدوديّة حاملين بنادق رشّاشة من نوع G3، والتي يتم تصنيعها في ألمانيا. عندما زار أردوغان ثيريزا ماي في 10 داونينغ ستريت في 27 كانون الثّاني 2017، وقّعت ماي على عقد بيع بقيمة 115 مليون جنيه استرلينيّ لتصنيع طائرات مقاتلة جديدة، وفي كانون الثّاني من عام 2018، وقّع أردوغان والرئيس الفرنسي ماكرون على اتفاقيّة أوّليّة للتعاون مع مصانع أسلحة تركيّة. بالإضافة إلى ذلك، يمتلك سلاح الجو التركيّ في ترسانته أكثر من 60 طائرة مروحيّة حربيّة بصناعة إيطاليّة.

نجح الجيش التركيّ في حملته العسكريّة بعد تجهيزه بهذه الأدوات الحربيّة، على الرغم من تعبئة وتأهّب الأكراد. توافد آلاف المواطنين إلى عفرين خلال الاعتداء من مناطق مختلفة من الإقليم الكرديّ، حيث توافدوا بقوافل من السيارات حاملين أغصان الزيتون في أيديهم للوقوف جنبًا إلى جنب مع أهل عفرين، وللدفاع ليس فقط عن أراضيهم وكرامتهم، وإنّما أيضًا على إنجازات ثورة روج آفا؛ الحريّة والديموقراطيّة وتحرّر المرأة، التي ناضل من أجلها الشباب والشيوخ رغم كل الصعاب. سافر الأكراد إلى عفرين بدون أوهام، ولكن باحثين عن حلفاء، وكما قال رضا التون: “نحن في خضمّ صراع ضدّ الامبرياليّة. لذلك، لا يمكن لقوّة مناهضة للامبرياليّة أن تدّعي خيانة الامبرياليّين لها. إن الشركاء الاستراتيجيّين لخطّنا هم القوّات الديموقراطيّة العالميّة، والقوّات الاجتماعيّة، والقوّات المناهضة للنظام”. إن خسارة المعركة لجيش عصريّ مجهّز جيّدًا لم تؤدّي إلى تنازل الأكراد عن نضالهم.

يستحق الأكراد أكثر من صداقة جبالهم، فهم يستحقّون تضامن اليسار العالميّ معهم لأنه ليس فقط وجودهم وهويّتهم مهدّدتان بالخطر، وإنّما أيضًا الأمل لديموقراطية راديكاليّة وتحرّر المرأة في الشّرق الأوسط. أن الدفاع عن المشروع الكرديّ للديموقراطيّة المباشرة في داخل وخارج روج آفا هو أمر ملزم لنا جميعًا.

 

تمّ النشر أولاً على موقع “Jacobin” في 10.02.2018- حرّر النصّ وحدّثه للنّشر: كرم شامبيرغير.

ترجمة: منى أبوبكر.

 

*اقيمت زاوية حول العالم مع روزا بمبادرة مؤسسة روزا لوكسمبورغ في إسرائيل وبالتعاون مع موقع اللسعة لتوفّر منصة للتعرّف على ولتداول القضايا الراهنة التي تشغل حركات اليسار في أنحاء العالم. تتيح الزاوية للقارئ تناول النقاشات العالمية باللغات العربية والعبرية والتفاعل معها، وبذلك تقوم بإثراء الخطاب اليساري المحلي. يسرنا ان ترسلوا لنا اقتراحاتكم لمقالات ملائمة للترجمة وملاحظاتكم عبر البريد الالكتروني: einat@rosalux.org.

*المقالات في هذه الزاوية لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة روزا لوكسمبورغ و/او موقع اللسعة.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.