أغاني تخاطب المجتمع العربي وآفاته

أكثر من 1100 شاب عربي قتلوا منذ عام 2000 وحتى اليوم، ولكن قصة هؤلاء وقصة المجتمع الذي عاشوا وماتوا بداخله محاطة بالصمت. أغنية مغني الراب تامر نفار الجديدة تجبرنا على أن نفتح أعيننا على هذا الواقع العنيف.
عبد أبو شحادة

 

في واقعنا النيوليبرالي، يواجه كل فنان معضلة جوهرية عندما يكون عليه الاختيار ما بين الفن التجاري الذي يحمل قيمة تجارية وبين الأعمال الأصلية التي من الممكن بألا تعجب الجماهير الغفيرة. على الفنانين أن يقرروا ما الغاية- القيمة الاقتصادية أم تحقيق الطموح الفني الذي قد يحمل أحياناً قيمة اجتماعية سياسية. تيودور ادورنو من مدرسة فرانكفورت ادعى بأن هدف الفن بأن يجعلنا نفكر، بأن ينفض وجهات النظر المفهومة ضمناً، بأن الفن الحقيقي هو الذي يستلزم وقتاً وتفكيراً عند استهلاكه وبأن وظيفته بالأساس معارضة الواقع وطرح أفكار تحث على احداث التغييرات الاجتماعية: “هدف الفن ليس طرح البدائل انما الاحتجاج بمجرد وجوده فقط على مسار العالم الذي يوجه مسدساً إلى رؤوس الناس.”

بإمكاننا أن نكتب بتوسع عن شخصيات كثيرة في المشهد الفني الفلسطيني داخل الخط الأخضر التي تصنع الفن كأداة لمواجهة الواقع القائم ولكن هناك فنان واحد يعمل منذ عقدين وينجح، مرة تلو الأخرى، في خلق نفسه من جديد والتميز وسط مختلف الفنانين: تامر نفار. ممكن أن نحبه أو نكرهه ولكن لا يمكن أن نتجاهل مساهمته للمشهد الثقافي العربي. هو ليس الوحيد بالطبع وهناك من سيقولون بأن هناك فنانين انقلابيين أو راديكاليين أكثر ولكن عدا عن كونه أول مغني راب عربي هناك معطى جوهري يمنحه قيمة مضافة ألا وهو جمهور هدفه الذي لا ينحصر على ثلة ثقافية أو جمهور عالمي. نفار يوجه كلامه للمجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر وينجح في مخاطبته.

تامر نفار ليس معنياً بتوجيه النقد للمجتمع العربي، ذلك النقد الذي يطيب للآذان الغربية، ولا يريد أن يلعب لعبة الضحية، بل يحاول مخاطبة المجتمع العربي وزعزعته ليفكر في آفاته.

أغنيته الأخيرة “سلام يا صاحبي” مهداه لصديقه الذي قتل وتصف اللحظات الأخيرة التي قضاها الى جانب صديق رمي بالرصاص بينما يعرض قصة الكثير من الشبان العرب الذين يجدون أنفسهم في عالم عنيف من الجريمة ومحاولات البقاء. كل جملة في الأغنية تنطوي على نقد للسياسة والنظام والمجتمع بينما تتعامل مع الواقع كما هو، من جهة، وترفض قبوله، من جهة أخرى”- “عشو اللمّة، خلّو يتنفّس، خفّفولي ضغط، وين الإسعاف، اتّصلوا كذبو قولو يهودي انطخّ، مين طخّو؟ ملتمّين؟ نتهبّل ع بعض  بس العرب اللي تخيّل ع بعض”.

تامر نفار ليس معنياً بتوجيه النقد للمجتمع العربي، ذلك النقد الذي يطيب للآذان الغربية، ولا يريد أن يلعب لعبة الضحية، بل يحاول مخاطبة المجتمع العربي وزعزعته ليفكر في آفاته. عدد الشبان القتلى في المجتمع العربي خيالي حيث قتل أكثر من 1100 شاب منذ عام 2000 وحتى اليوم، ولكن قصة هؤلاء وقصة المجتمع الذي عاشوا وماتوا بداخله محاطة بالصمت. لا يوجد نقاش عام حول ما يعانيه هؤلاء الشبان في واقع عنيف كهذا، حول الصدمات التي يمرون بها والصدمة المستعصية التي تلتف حول حنجرة المجتمع بأكمله. تامر نفار لا يوفر الاجابات وهذه ليست وظيفته، هو يلتزم بجوهر الفن كما صاغه ادورنو. هو يريد بأن نفكر ملياً في المواضيع التي يتناولها في أعماله: الجندر، العنف تجاه النساء، الاحتلال وديالكتيكية الهوية وسط الشبان العرب كما عبر عنها في أغنية “جوني ماشي”: ليه أجيب عيل ع عالم منيل في 60 نيلة، عايشين ع أفلام ميا خليفة وعلى أفكار بغدادي خليفة”. كم هي مؤلمة وصحيحة.

كلمات أغانيه تعكس أزمة المجتمع العربي بأجمعه- ان كان من ناحية وعي أو من ناحية اجتماعية وسياسية. كما سبق وذكرت، قد يكون هناك من هم أكثر انقلابية منه ولكنه يرفض بأن يصنف ضمن فئة راديكالية محصورة، بل يمرر ضائقة التيار المركزي العربي كما يعايشها ويفهمها. الاستنتاجات السياسي التي تشجع أعمال نفار على استخلاصها تنطوي أولاً على الادراك بأن هوية الفلسطيني داخل حدود الخط الأخضر مركبة، وبأن مواجهة المجتمع الذكوري والاحتلال تجبي ثمناً باهضاً لا يمكن تجاهله.

على المستوى الشخصي، لم يكن من السهل علي بأن أستمع إلى أغنية تامر الأخيرة لأنها اعادتني الى حادثة أليمة لم أجرأ على التفكير بها معمقاً، حدث متطرف قمت بكبته عن صديقي الذي مات رمياً بالرصاص واحتضر بين يدي. ولكنني أعرف بأنه لكي ننجح في احداث تغيير عميق في المجتمع العربي يجب علينا بالذات أن نستمع الى أغاني تمار نامر وبأن نكون جريئين بما فيه الكفاية لمواجهة المشاعر التي تثيرها وأن ندمجها في تفكيرنا السياسي الاجتماعي.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.