الاحتجاج الصامت لليهود الهنود عام 1951

وصل اليهود الهنود إلى إسرائيل في أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات وسرعان ما اكتشفوا بأن هناك من يشكك في يهوديتهم ويتعامل معهم بشكل عنصري ومهين. “أنتم من أتيتم بنا إلى هنا ونريد بأن تعيدونا من حيث أتينا..”.
ايلانا شزور، اليعزر دنكنر، شيمي ليفي، جولان تسريكر

 

في عام 1951 جرت في البلاد مظاهرات احتجاجية ل”أبناء إسرائيل” الذين طالبوا، على ضوء المعاملة التي حصلوا عليها هنا، العودة الى وطنهم الهند. لكي نروي حكايتهم استعنا بوثائق، تقارير من الصحافة وشهادات من المصادر الأصلية من الناس القلائل الذي ما زالوا على قيد الحياة ويتذكرون تلك الأحداث.

بحسب ما تم تداوله عبر الزمن، فقد انفصل “ابناء إسرائيل” عن شعب إسرائيل منذ فترة الهيكل الأول. كمجموعة عاشت بسلام في الهند لسنين طوال، التزمنا بالفرائض الدينية المركزية وكانت لدينا عادات وأعراف شفهية مررناها من جيل إلى جيل، تماماً كما فعل شعب إسرائيل حتى أيام المقرأ. لم نفقد، على مدى الأجيال، هويتنا كجزء من شعب إسرائيل ولكن بالذات اللقاء الذي كان من المفترض أن يتوج لم شملنا مع شعبنا من جديد تحول إلى شرخ كبير.

التشكيك الذي أبدته المؤسسة الدينية ومبنى الدولة الذي قاده رئيس الحكومة بن غوريون لتوحيد الدين تحت سقف مؤسسة الحاخامية ساهما في ترسيخ الشك الذي التصق بنا وبيهوديتنا، الشك الذي اشتد في فترة اقامة الدولة. القومية الصهيونية نادتنا للامتثال تحت راية العلم أما الحاخامية فقد أقصتنا بشكوكها ومثلها المجتمع بأكمله (الشك الذي سيشغل الإسرائيليين أيضاً فيما يلي سيحل بطريقة ما ولكننا لن نناقش هذه النقطة هنا).

نعت أبناء إسرائيل في تلك الفترة ب”أبناء الحرام”- وهو مصطلح فظيع من ناحية أعضاء جماعتنا الذين كانوا مؤمنين. لماذا نعتونا بأبناء الحرام؟ لأن بعض الحاخامات اعتقدوا بأننا لا نلتزم بالشعائر بما فيه الكفاية، ذلك طبعاً بحسب طريقتهم اليهودية-الاوروبية-العربية. أبناء إسرائيل، برأينا، هم جزء من شعب إسرائيل يحافظ على أهم المبادئ في العقيدة. بالفعل، أبناء إسرائيل لا يشبهون اليهود الأشكناز (الغربيين) ولا السفراديم (الشرقيين). التوحيد الذي حاولوا فرضه داس على أرواحنا. تقريباً.

الأبحاث التي أجريت حتى الآن عن جماعتنا محدودة وعادةً ما تعرض من خلال عيون “الباحث” الأبيض. المعلومات القائمة حول تاريخ جماعتنا تتواجد بيد مؤرخين يجتهدون بشكل ذاتي ويجمعون وثائق ومعلومات غاية في الأهمية. هذا هو أحد الموارد التي نستقي منها بينما تعتم مؤسسات الدولة على المعلومات وتسود الوثائق الأرشيفية التي تتم اتاحتها لمعاينة الجمهور.

بشكل عام، هناك صعوبة في فهم الهند بعيون أجنبية. كذلك اليوم، يقوم ممثلو “حباد” الذين يصلون الى الهند ويشعرون بأنهم في مهمة تبشيرية بترويج فكر انفصالي ويتسببون بالظلم بطريقة تصرفهم في الحيز العام في الهند. وقد نجحوا، بسبب الاوضاع المزرية لمن تبقوا من الجالية اليهودية في الهند، في السيطرة على الممتلكات الثقافية لأبناء إسرائيل، وراحوا يحرضون ويبثون العداوة تجاه البيئة الهندية والمسلمة. لهذا السبب تقع بين الفينة والأخرى أحداث عنيفة في مناطق عمل “حباد” لأن التوتر يتصاعد على ضوء التحريض الذي تنطوي عليه التعليمات الحاخامية التي تنص على الابتعاد عن المساجد والمعابد والكنائس.

قالوا لنا تعاولوا فأتينا!

القادمين الجدد وصلوا الى إسرائيل في أواخر سنوات الأربعين وبداية سنوات الخمسين، بعضهم قضوا حوالي السنة في الكيبوتس ومروا بتجارب فظيعة كما ذكرت ريفكا يسرائيل في كتابها “الهند الأم، إسرائيل الأب”: “عندما وصلنا إلى كيبوتس جفعات بيرنر، جاء كل سكان الكيبوتس لرؤيتنا، وكأننا في حديقة حيوانات، أنا بدأت البكاء مباشرةً..”، وتضيف فيما بعد: “في كل صباح، في الطريق الى المدرسة كان الأولاد يندهون صوبنا “أيها اليهود السود، عودوا من حيث أتيتم”!

وزير استيعاب الهجرة في حينه، جيورا يوسفطال، الذي لم يثمن الهجرة الهندية بشكل خاص قال:

“أعضاء الادارة يعرفون ربما بأنني أحذر قسم الهجرة دائماً من الهجرة الهندية. أعتقد بأن هذه من أقل الدفعات نجاحاً، أيضاً من ناحية الجيل وأيضاً من ناحية الاختيار. الايمان بالقضاء والقدر لديهم يفوق الخيال. هم غير قادرين على القتال من أجل أي شيء كان. كل شيء يمس بهم أما حياتهم بين القادمين الجدد فهي حياة تعتمد على التدافع”.

أقواله هذه تثبت إلى أية درجة تم تحليل تصرفات الهنود غير العدوانية بشكل مغلوط.

على غرار يوسفطال، حلل الكثير من رجال المؤسسة تصرفات القادمين الهنود كمستسلمة وخاملة. ولكن هؤلاء كانوا مبادرين ووجهوا الرسائل الى الحكومة في البلاد وفي العالم ووصلوا الاعلام المحلي والعالمي بطرق بارعة. أضف الى ذلك بأنهم قاموا بتنظيم القادمين الهنود في البلاد عن طريق اقامة “لجنة عمل” التقت بشكل ثابت خلال التحضير للاحتجاجات في المحطة المركزية بتل أبيب. كان هناك قادة خمسة هم ايزيك ديفكار، ايزيكال اشطمكار، ايزيك افسكار، ديفيد ديفكار وبري فزركار. لم تنشر هذه الأسماء حتى الآن في أي بحث جدي لأنه لم يجري أي بحث من هذا النوع.

وقد تجسد عدم الفهم لثقافتنا الهندية، مثلاً، في الطريقة التي تعاملوا فيها مع القادمين الجدد في معسكر الخيم في بئر السبع ابتداءا من المعاملة الانسانية المهينة كأمر روتيني ومروراُ بالاهمال، الملاحقة من قبل الأحزاب، الفوضى وعدم تعلم أولادهم بالمدارس. ذلك ربما لأن القادمين الهنود لم يصرخوا بصوت عالي ولم يحطموا الكراسي. لقد بقوا في مدينة الخيم ما يقارب العام، منهكين ومنبوذين. عملياً، الكثير من الأولاد لم يدخلوا أي اطار وليس فقط أولاد القادمين الهنود. بعض الأهالي أرسلوا أولادهم لمدارس الكنيسة لأنهم فضلوا حصولهم على تربية ما على عدم حصولهم على تربية بالمرة، كما أنهم لم يخشوا من المؤسسات التعليمية التابعة للديانات الأخرى.

הודים1
ايزيك وديفيد ديفكار خلال المظاهرات، 1952. تصوير: الأرشيف الشخصي لاليعيزر دنكنر.

بحسب البروتوكولات، كانت احدى القضايا التي أشغلت من استوعبوا الهجرة دوافع الهنود اليهود للقدوم إلى إسرائيل. ولو أن التساؤل نفسه مستهجن، كان الرد الذي حصلوا عليه من القادمين بسيطاً لدرجة أنهم لم يفهموه: “كانت هناك دعاية وقالوا لنا تعالوا فأتينا”. الذين استوعبوا الهجرة وكتبوا التقارير تبلبلوا وكأن ظاهرة الوعود الكذابة لم تكن منتشرة وجارفة في تلك السنوات، وكأنه لم يكن هناك مبعوثين يختلقون القصص ليشجعوا الهجرة إلى البلاد بسنوات ال-50 بفكرة “أيام المسيح”، وكأنه لم يتم تجنيد الدين في خدمة القومية وتلوين الأرض الموعودة بألوان زهية. من المثير أيضاً بأنه حتى عندما كتبت التقارير حول الاحتجاجات وعقد مؤتمر كبير حول الموضوع، كان المتحدثون يمثلون المؤسسة- شباب وصلوا الى الكيبوتسات ومروا بعملية تربية من جديد ولم يفهموا، من ضمن أمور أخرى، على ماذا يحتج الهنود.

رسالة القادمين الجدد تبين الاسلوب غير العنيف الذي اعتمده المضربين وفقاً لتوجه غاندي، التوجه القيمي الذي أوقف الشر الاستعماري وعرض امكانيات مختلفة للنضال- بدون عنف:

“أنتم من أتيتم بنا إلى هنا ونريد بأن تعيدونا من حيث أتينا.. سننتظر ردكم ثمانية أيام، اذا لم نحصل عليه سنذهب الى مباني الوكالة اليهودية وننتظر يومين آخرين. واذا لم يفي ذلك بالغرض، سنبدأ بالاضراب عن الطعام واحداً تلو الآخر. لم نستخدم العنف لأننا أناس مسالمين، ولكن لا يمكننا أن نرى أهلنا يضعفون يوماً بعد يوم من المعاناة والضائقة”.

في فترة الانتخابات للكنيست، أرادوا أن يفرضوا على القادمين اختيارهم للحزب الحاكم بالأساس. القادمين أرادوا دراسة الايديولوجية التي تحملها الأحزاب المختلفة- هم كانوا يعرفون ماذا تعني الديمقراطية وكانوا معنيين بالتصويت لأحزاب المعارضة (حق ديمقراطي أساسي ـ أليس كذلك؟)، لكن من قاموا باستيعابهم هنا لم تكن لديهم نية بأن يكونوا ديمقراطيين، بالتأكيد ليس في العقد الأول للدولة ولا الثاني.

اذا لم يكن كل هذا كافياً، فقد تمت ملاحقة القادمين من قبل المؤسسة الطبية التي استقبلتهم بال-DDT و”علاجات” سعفة الرأس المعروفة. لدينا شهادة حتى لشخص من كريات شمونه كان من بين العائدين للهند وعندما قدم ثانيةً لإسرائيل كان عليه أن يمر علاج بالأشعة لسعفة الرأس مرة أخرى(!).

خلال اضراب القادمين، نشرت في الصحف مقالات عن الاحتجاج الصامت للقادمين الهنود ولكن غالبيتها كانت بمثابة بوق للمؤسسة وتحدثت بإسمها. صحافيون وناشرون بيض اوردوا اقتباسات لهنود شهدوا كم كانت الأوضاع حسنة هنا. في اليوم الذي عاد فيه القادمون إلى الهند، 8.11.51، نشر د.عزريئيل كرليباخ مقالاً في معاريف كان عنوانه “من هربوا” حكم فيه، وفق معاييره صهيونية، وتكبر من مسكنه المريح في وسط تل أبيب على من احتجوا، انتصروا واختاروا ترك البلاد. فقط صحافي صالح واحد، عاموس ايلون من “هآرتس”، أدرك المعنى العميق الذي انطوت عليه ادعاءات القادمين، وتطرق إلى العنصرية والتمييز وسط من استوعبوا الهنود، إلى ضائقة القادمين والخلل الاجتماعي الذي ميز تلك الفترة. هكذا يقتبسه عوفر اديرت عام 2014 عند كتابته عن القضية:

” في القلب تزداد المرارة. في النهاية- تنطلق خارجاً. لكن ليس بالضرب والصراخ. بصمت مطلق، اختاروا بأن يعودوا للهند.. بعد شهرين، سيرجع القادمين الهنود إلى وطنهم. قد يتحسن وضعهم الشخصي أو يسوء: لكن نحن سنبقى مع أزمتنا.. مع رعاع يدوس أحدهم على جسد الآخر، يخدع أحدهم الآخر، يشتم أحدهم الآخر. نبقى مع أصحاب المناصب الحزبية المتعصبين، الموظفين المحتدين في مكاتب العمل الذين يعتقدون بأنهم أفضل من أن يقوموا بهكذا وظيفة، مجموعات الضغط ولأشخاص الذين لا مصالح أخرى لديهم عدا مصالحهم الشخصية. لقد بين لنا القادمون الهنود، على حساسيتهم التي انتهكت والاستسلام النفسي الذي يميزهم، صورة صعبة جداً”.

د. اولسفانجر الذي عرف كراعي الجالية الهندية، كان مثقفاً اوروبياً ترجم البهاغافاد غيتا وقاد الجالية الى البلاد برفقة ريفكا رؤوفين (التي أختارت بألا تهاجر إلى البلاد بنفسها). رافق اولسفانجر المتظاهرين في فترة الاحتجاج وبعدها. بالإمكان القول بأنه عمل كمبعوث صهيوني حاول التحايل على المتظاهرين لصالح المؤسسة ولكنه فهمهم من جهة أخرى ودعمهم. وقد كتب خلال الاحتجاج الصامت نقداً على المسؤولين عن الاستيعاب وأشار بأنه يجب “الاهتمام بالناس لا بالمستندات”. ولكن ما نعرفه، وفقاً لشهادة من مصدر مباشر، بأن اولسفانجر قد عرض على قائد الاحتجاج رشوة واقترح عليه بأن يحصل على بيت في رحافيا مقابل اسكات الاحتجاج. القائد، ايزيك ديفكار، رفض الاغراء وفضل بألا يخون الناس الذي تبعوه لمدة نص عام من الاحتجاج الصامت.

بعد نصف عام من الأرصفة، المساكن المؤقتة، الحلول الجزئية وبالأساس الضغوطات لعدم ترك البلاد، عاد المحتجون إلى الهند. 115 رجل وامرأة، بنت وولد، في طيارة مولتها الوكالة اليهودية، عادوا إلى الهند بشكل مستقل. هناك، تم احتجازهم لمدة أسبوع تخوفاً من الأمراض ومن ثم اكتشفوا بأنه أيضاً هناك، حيث عبر أعضاء الحكومة عن “قلقهم تجاه المواطنين الهنود في الشرق الأوسط الذين يدعون بأنهم يواجهون التمييز”، لم يهتموا بوضعهم في الهند مقطعة الأوصال. بعد بضعة سنوات، جزء من القادمين الذي عادوا إلى الهند قدموا مجدداً إلى إسرائيل بقواهم الذاتية وعلى نفقتهم، وبعد حوالي عشرين عاماً على عودتهم للهند، تفككت جاليتهم وانتشرت في إسرائيل وفي البلدات الحدودية.

הודים2
تقرير في “هعولام هزيه”

تشي جيفارا السلمي

ديفكار عاد إلى إسرائيل عام 1957، وواصل نشاطه كقائد وممثل جمهور حتى يوم مماته. وقد أخذ دوراً في النضال للاعتراف بأبناء إسرائيل من قبل المؤسسة الدينية والذي أعلن أشكول وبيجن في نهايته بأن الجالية الهندية هي جزء من الشعب اليهودي كما نشرت الحاخامية كتاباً دقيقاً يثبت ذلك. من أعطى الختم الأهم كان عملياً الحاخام عوفاديا يوسف.

لا يبنى القادة بين ليلة وضحاها ولا يمكن أن يتم تعيينهم من قبل طرف ما. قادة من هذا النوع الفاسد الذي يعمل لصالح الحكم وليس لصالح مجتمع أكثر عدلاً بدؤوا ينبتون هنا مثل الفطر بعد المطر. وظيفتهم المركزية وسط أبناء الجالية الهندية كانت اسكات الميدان وتثبيت أنماط الحكم العوجاء التي بنيت هنا.

ايزيك ديفكار، تشي جيفارا السلمي، كان وحيداً من نوعه في بيئتنا. رجل مبادئ لم يتراجع خوفاً على نفسه أو على أولاده، ودفع بسبب ذلك ثمناً باهضاً. محارب من أجل العدل الاجتماعي أراد دولة أكثر انصافاً وإنسانية وأقل بطشاً وعنصرية. ديفكار توقع من الناس الذين تجمعوا في البلاد ليشكلوا شعباً ومجتمعاً جديداً بأن يكونوا بني بشر أولاً. لقد خسر لصالح دولتين ووطنين أحبهما ولكنه كان محقاً في نضاله وبقي اسمه في القلوب حتى اليوم.  

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.