هكذا تبدو النسوية اذاً؟

من الصعب ألا نفرك أعيننا بتعجب أمام النظرة المعيوبة التي تطرحها الأكاديمية اوريت كمير والتي تلغي بجرة قلم انجازات النساء اللواتي تقدن حراكات هامة لحياة آلاف النساء فقط لأنهن يتجرأن على تعريف أنفسهن كشرقيات، عربيات أو نساء قادمات من الضواحي.
روني جروس

 

استقبل مقال اوريت كمير في “هآرتس”، “بعد احتجاج الأمس، بإمكان النساء أن يحلمن” (5.12.18) بهتافات مستهزئة مبررة وسط ناشطات نسويات كثيرات. ترثي كمير في المقال ما تُعرفه كغياب التضامن وسط نساء إسرائيل والذي ينبع، بحسب رأيها، من قيام نساء كثيرات بتعريف أنفسهن بواسطة فئات هوياتية مثل “متدينة”، “شرقية” وغيرها. حيث تنظر كمير الى التعاطف مع هذه الهويات كعائق يحول دون الوصول الى حراك إسرائيلي نسوي شامل، وتطرح مقابل هؤلاء النساء- اللواتي “يتجرأن” على وضع هويتهن كشرقيات أو كنساء من الضواحي قبل هويتهن كنساء دون أي انتماء آخر- “النسوية  المهنية” الملتزمة، بحسب كامير، بالنضال النسوي بحق. ميراف ميخائيلي ودينا زيلبر- سياسيتان تعملان من أجل النساء ولا أحد يستهين بعملهن ولكنهن تمثلن شريحة صغيرة جداً من المجتمع الإسرائيلي- هن من تقترح كامير بأن يقفن على رأس حزب نسائي إسرائيلي هو الأول من نوعه.

من الصعب بألا نفرك أعيننا بتعجب أمام هذه النظرة المعيوبة التي تخرج عن أكاديمية لها وزنها مهدت طريقاً هامة أمام الحركة النسوية الإسرائيلية. تشكو كمير من قيام نساء نسويات باختيار حراكات ليست “نسوية” بشكل واضح لتستثمرن وقتهن بها. بيد أن تعريف كمير للنضال النسوي ضيق بشكل خاص: فبحسب معاييرها، فقط الحراكات التي تطالب بشكل مباشر بحقوق النساء، كالاحتجاجات التي عمت البلاد الأسبوع الفائت، يتم أخذها بالحسبان. ولكن ماذا عن الحراكات التي تمس بحياة عشرات ان لم تكن مئات آلاف النساء في البلاد والتي تقودها نساء وتتم من أجل النساء؟

هؤلاء النساء اللواتي لا تنظر اليهن كمير ك”نسويات مهنيات” هن نساء يستيقظن في كل صباح على حراكات مستمرة منذ سنوات دون الحصول على دعم اقتصادي، اجتماعي وسياسي ولو بأقل قدر. دون دعم مؤسساتي. والأهم دون دعم من السياسيات المخضرمات اللواتي تقدن نضالات مهمة من أجل النساء ولكنهن يتجاهلن بشكل منهجي أصوات النساء المحسوبات على الضواحي.

المجتمع الإسرائيلي يتشكل من جديد في السنوات الأخيرة ليس فقط بفضل حركة #metoo التي تذكرها كمير في مقالها انما أيضاً بفضل حراكات اجتماعية لا تسلط عليها الأضواء لحدوثها في الساحة الخلفية لإسرائيل: مثلاً، الحراك من أجل الاسكان الجماهيري الذي تقوده منذ سنوات نساء ناشطات بينما المستفيدين الرئيسيين منه هن نساء فقيرات من الضواحي. فقط في الأسبوع الفائت نشرت مشاركة على صفحة الفيسبوك التابعة لمنتدى الاسكان الجماهيري تقول: “نريد أن نذكر الجميع بأنه فقط قبل سنتين كان على المرأة المعنفة أن تترك السكن الجماهيري وتنتقل لملجئ لأن شريكها ضربها مما يعني بأنها فقدت حقها في الاسكان الجماهيري وكل الحقوق على الشقة التي سكنت فيها.. بفضل حراك ناشطات الاسكان الجماهيري تم تعديل هذا الوضع وأصبح بإمكان النساء المعنفات اليوم أن يحافظن على حقوقهن في السكن الجماهيري”.

من الصعب أيضاً عدم التطرق للحراك الشاق وغير المتهاون للتاشطين والناشطات الشرقيين للكشف عن احدى أكبر المظالم في تاريخ الدولة- اختفاء الكثير من الأولاد الذين اختطفوا من عائلاتهم ولم يعودوا حتى اليوم. تم نشر وتعميم الشهادات المؤلمة للأمهات القادمات من اليمن، الشرق والبلقان واللواتي ما زلن ينتظرن عودة أبنائهن بفضل رجال ونساء حظوا بتجاهل الكثير من “النسويات المهنيات” وبقدر من الاستهانة من قبل المؤسسة. أما في هذه الأيام، عندما يضرب العمال الاجتماعيون- والأدق تضرب العاملات الاجتماعيات عن عملهن بسبب ظروف العمل المخزية، بإمكاننا أن نسأل مرة أخرى ان لم يكن هذا نضالاً نسوياً بوضوح؟

اذا ما سألنا اوريت كمير، ستكون اجابتها على ما يبدو سلبية. ولكن هؤلاء النساء اللواتي لا تنظر اليهن كمير ك”نسويات مهنيات” هن نساء يستيقظن في كل صباح على حراكات مستمرة منذ سنوات دون الحصول على دعم اقتصادي، اجتماعي وسياسي ولو بأقل قدر. دون دعم مؤسساتي. والأهم دون دعم من السياسيات المخضرمات اللواتي تقدن نضالات مهمة من أجل النساء ولكنهن يتجاهلن بشكل منهجي أصوات النساء المحسوبات على الضواحي. النساء اللواتي لا يعتبرن “نسويات مهنيات” يستيقظن كل صباح ليس فقط على نضالات “كبيرة” انما على نضالات أساسية أيضاً من أجل البقاء، من أجل دفع ايجار البيت، الحصول على خدمات الصحة العامة، الاهتمام برعاية الأولاء ونعم- كذلك حماية النساء من العنف.

بجرة قلم تلغي كمير أهمية نضالات نسوية كثيرة تقودها هؤلاء النساء اللواتي تعرفن أنفسهن كشرقيات، متدينات وعربيات. “أنا النسوية الفلسطينية الشرقية القادمة من الضواحي”، كتبت سماح سلايمة على الفيسبوك. “.. وصلنا إلى هنا بجهد كبير قمنا به على مدى عشرات السنوات التي لم تكن هادئة البتة، منذ أن بصقوا على أخواتي في المفترق خلال المظاهرة الاولى ضد قتل النساء في اللد”. “ربما لو جاءت تلك النساء (بالإشارة الى “النسويات المهنيات”) بجماهيرهن لواحدة من المظاهرات التي نظمتها النساء “المستسلمات”- في جنوب تل أبيب، اللد، الرملة، الضفة (الغربية)، مقابل مبنى البلدية في القدس.. ربما كان التضامن الذي يتم الحديث عنه سيحصل على معنى آخر”، كتبت أورلي نوي.

وإذا كنا نتحدث عن “نسويات مهنيات”- أين ستجد نفسها عضو الكنيست اورلي ليفي المعروفة بالتزامها بحقوق النساء؟ وماذا عن شولي موعلام احدى الشخصيات المركزية التي تعمل على قانون تجريم زبائن الدعارة في السنوات الأخيرة؟ يطرح السؤال ان كانت كمير ستبارك اندماج هؤلاء السياسيات في الحزب النسائي التي تتوق اليه؟ للأسف، يصعب علي أن أصدق بأن أسماء هؤلاء السياسيات سقطت عن غير  قصد. تعريف كمير ل”النسويات”، كما يبين مقالها مرة تلو الأخرى، ينحصر على نساء أشكنازيات اخترن التعاطي مع مواضيع معينة فيما يتعلق بحقوق النساء- وعلى وجه الخصوص العنف الجنسي. وهي قضايا مهمة جداً بالطبع ولكنها أبعد من أن تشمل مجمل النضالات التي تتعامل معها نساء كثيرات في إسرائيل- نساء من “عامة الشعب” كما تسميهن كمير باستعلاء خارج عن المألوف.

في شهر نوفمبر حمل غلاف مجلة “نيويوركر” رسماً لغرفة تعج بالرجال البيض المتغطرسين. أما عند الباب فتدخل الغرفة الى جانب اوكاسيو-كورتيز العضوات اللواتي انضممن حديثاً للكونغرس شاريس ديفيدز صاحبة الأصول الأمريكية الأصلانية، وايهان عمر، الأمريكية من اصل صومالي. هؤلاء السياسيات فزن بالانتخابات ليس لأنهن تجاهلن هوياتهن الاثنية- الهويات التي تطالب كمير بوضعها جانباً للانضمام لنضال نسوي شامل- بل العكس هو الصحيح. فقد حملت هؤلاء النساء هوياتهن بكل فخر طوال المعركة الانتحابية وبفضلها أشغلن في نهاية المطاف مواقع سياسية مؤثرة.

“من الحلو أن نحلم بالتضامن”، تلخص كمير في نهاية مقالها. “اذا انضمت الكثيرات للحلم- سوف يتحول الى واقع”، أضافت. أما أنا فأقول لكمير- حلمك هو واقع منذ مدة، وأنت مدعوة للانضمام.

NY
غلاف مجلة “نيويوركر”، 19 نوفمبر 2018.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.