"الخسارة كلها لنا"، أحقاً؟!

يرون لندن تعامل مع الحراك الشرقي كالقضية الدنسة التي لا تستحق الحصول على منصة في جدول البث. بالإمكان الافتراض اذاً بأن جمهور شرقي كبير لا يشعر بأنه جزء من “الخسارة كلها لنا” ولا يشعر بأن “دولته ضاعت” في أعقاب وقف برنامجه على القناة العاشرة.
توم مهاجر

 

أثار قرار اخراج برنامج يارون لندن من جدول البث في القناة العاشرة ردود فعل متوقعة وسط جمهور معين. ولأن لندن شخصية تلفزيونية مشهورة منذ اقامة سلطة البث في إسرائيل وحتى يومنا هذا، أي منذ أكثر من خمسين عاماً، ولأنه مُعرف مع “أرض إسرائيل الجميلة”، كان هناك من أعلنوا، للمرة الألف، بأنهم يشعرون بأن هناك من سرق دولتهم. هكذا، على سبيل المثال، كتب عميكام روطمان من راديو “ريشت ب” يقول “أرضي بلادي تذهب إلى الجحيم” (اقتباس من أغنية معروفة) واستنكر عمليات “الايفجة” و”البردجة” في الاعلام، بالإشارة الى دخول المحلل يعقوب بردوجو والصحافي امير ايفجي إلى اذاعة “غالي تساهل” (كلاهما شرقيان) (يجب الانتباه هنا، كما كتبت شيرا اوحيون، بأن تبدل المناصب هذا لم يطل النساء العربيات، الشرقيات، القادمات الأثيوبيات او الروسيات، لذا يبدو بأنه، مرة أخرى، كان هناك رجال قرروا بأن يدمجوا رجال آخرين في جدول البث).

ירון לונדון

استمراراً لرثاء روطمان لوطنه المفقود، نشرت جمعية “سيكوي” التي تعمل على تعزيز المساواة والشراكة بين العرب واليهود في إسرائيل عبر صفحتها على الفيسبوك صورة للندن كتب في أسفلها “الخسارة كلها لنا” بالعبرية والعربية. ذلك على خلفية تميز البرنامج في تمثيل العرب وإجراء مقابلات مع متحدثين عرب بحسب نتائج مشروع الرصد الذي تقوم عليه الجمعية. أولاً، الى جانب الاطراء اللائق لبرنامج لندن بفضل زيادة تمثيل العرب في البرنامج، ألا يجدر أن يطرح السؤال ما هي نوعية هذا التمثيل العربي المعزز؟ فقد تحدث لندن في أحيان كثيرة إلى الضيوف العرب باستعلاء واستهتار، مما يعني بأن التأثير الذي يحققه ذك التمثيل المرجو هو عملياً ترسيخ واستنساخ النظرات الفوقية والاقصائية تجاه الجمهور العربي عوضاً عن الحوار والخطاب الجماهيري المفتوح بمستوى العينين. مع ذلك، فقد جاء الاطراء الذي وجهته “سيكوي” للندن على نحو جارف دون أي نقد لتعامله مع العرب: التمثيل، من ناحيتهم، هو تمثيل.

ثانياً، يطرح السؤال من هي تلك الجماعة المتخيلة التي يشار اليها بالقول “الخسارة لنا” والتي تتحدث الجمعية بإسمها؟ وعندما يتحدث روطمان عن “ضياع الدولة” في أعقاب وقف البرنامج، عن دولة من يتحدث؟ كما هو معروف، فقد استغل لندن أكثر من مرة المنصة الاعلامية المركزية التي أشغلها ومنصات أخرى غيرها لكي ينكر قضية اختطاف أولاد اليمن، الشرق والبلقان، كما تحدث باستعلاء، مرة تلو الأخرى، عن الحراك الشرقي عامةً. بالإمكان الافتراض اذاً بأن جمهور شرقي كبير لا يشعر بأنه جزء من “الخسارة كلها لنا” ولا يشعر بأن “دولته ضاعت” في أعقاب وقف البرنامج. وعليه، فإن هذا الحديث هو حديث مهيمن-اشكنازي يفترض بأن قيم مجموعة معينة هي قيمنا جميعاً وعلينا جميعاً كمجتمع بأن نتشبث بها، من ضمن أمور أخرى، بواسطة برنامج لندن “النوعي” كما عرفته جمعية “سيكوي”. ولكن ماذا عن نضالات أخرى ضد العنصرية والاصلاح في المجتمع الإسرائيلي او عن تعريفات أخرى للجودة الاعلامية؟ يبدو بأنها تبقى خارج الجماعة المتخيلة التي يتصورها روطمان و”سيكوي”.

الموقف الذي ينص على كون لندن مقدم تلفزيوني “نوعي” يشجع تمثيل العرب يشكل مثالاً رائعاً لما كتبه ايتمار طهرليف في مقاله الثاقب “التحالف الاشكنازي-الفلسطيني”. الفلسطينيون في هذا السياق، كما بين طهرليف، هم المقدسون الذين يمنحهم لندن التمثيل ويتحول بهذا لشخصية متنورة تسمح، بحكم لطفها وكرمها الشديد، باستضافة العرب في برنامجها. في المقابل، يتعامل لندن مع الحراك الشرقي كالقضية الدنسة التي لا تستحق الحصول على منصة في جدول البث. وهكذا يستمر نهج فرق تسد بين النضالات ويستنسخ بالأساس الصورة (المزيفة) للإعلامي الأشكنازي كقدوة يسارية تؤمن بالمساواة.

لدى النخبة الأشكنازية-اليسارية في إسرائيل مصلحة في الحديث عن “المواطنة المتساوية” بين اليهود والعرب في حلبات مثل برنامج يرون لندن، محكمة العدل لعليا، الأكاديميا وغيرها، ذلك مقابل اسكات النكبة الفلسطينية والحراك الشرقي.

في كثير من الأحيان يسأل النشطاء في الحراك الشرقي حول رأيهم فيما يسمى “توحيد النضالات”. كثيراً ما أجيب “يتعلق بأية شروط”، والشرط من ناحيتي بأن نتحدث عن الفيل الاشكنازي الذي يقف وسط الغرفة. عندما تختار جمعية يهودية-عربية مدح شخص يتصرف من يوم يومه بصورة استعلائية وعنصرية فإن الرسالة التي تمرر للشرقيين واضحة- أنتم لستم على خارطة العدل التي يرسمها اليسار، ابقوا في الخارج.

قبل حوالي العام، قام موقع “سيحا مكوميت” بمدح رئيس بلدية تل أبيب، رون حولدئي، لمشاركته في حدث احتجاجي لدعم المسرح اليهودي-العربي في يافا. على ما يبدو فإن حقيقة توقيع حولدئي على قرار اغلاق مدرسة “كيدما” في جنوب تل أبيب وتنكيله بشكل ثابت بسكان الأحياء الشرقية للمدينة قد غابت عن أعين محرري الموقع الذي يدعي، مثل “سيكوي”، بأنه يعمل على تعزيز العدل في المجتمع الإسرائيلي. على غرار ذلك، تعتقد “سيكوي” بأنه بالإمكان مديح يرون لندن دون أية ذرة نقد لعنصريته تجاه الشرقيين. مما لا شك فيه بأن “سيكوي” و”سيحا مكوميت” سيكونون أول من يستنكر حولدئي ولندن ويعرفهم حتى كيمينيين متطرفين لو أنهما تعاملا بشكل شبيه مع العرب أو طالبي اللجوء. الحديث للأسف الشديد عن نمط يميز اليسار الإسرائيلي منذ سنوات طويلة مما يفسر، ولو بدرجة معينة، الدعم الضئيل الذي يحظى به هذا المعسكر وسط الجمهور الشرقي.

نهايةً، من الجدير برأيي بأن نوضح هذه النقطة: لدى النخبة الأشكنازية-اليسارية في إسرائيل مصلحة في الحديث عن “المواطنة المتساوية” بين اليهود والعرب (الموضوع الذي تعمل عليه جمعيات تعايش مختلفة) في حلبات مثل برنامج يرون لندن، محكمة العدل لعليا، الأكاديميا وغيرها، ذلك مقابل اسكات النكبة الفلسطينية والحراك الشرقي. أيضاً النكبة وأيضاً القمع الشرقي، كما يحلو للبعض أن ينسى أحياناً، يشكلان عنصرين مركزيين في تأسيس هذه النخبة. هذه الديناميكية خلقت ما يسميه طهرليف “التحالف”. وعلى غرار ذلك، عقد اليمين الاشكنازي-التحريفي بدوره نوع من التحالف مع الشرقيين من أيام الخطاب الشهير لمناحيم بيجن في الميدان، الأمر الذي يتجلى في مستوطنات الرفاه، مركز حزب الليكود، لجان العمال، التعيينات السياسية وغيرها. وهكذا أصبحت هناك لكلا الجمهورين، العربي والشرقي، مصالح معينة للعمل المشترك مع النخب الأشكنازية “الكلاسيكية” للصهيونية. أما الثمن فهو استمرار السيطرة الأشكنازية-الصهيونية على الدولة، من اليسار ومن اليمين، التي ترسخ حالة الاحتلال والصراع القومي، من جهة، والامتيازات الأشكنازية داخل حدود إسرائيل، من جهة أخرى.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.