ما بين ليفي ابكسيس وكحلون

أجندة اجتماعية في حكومة يمينية لديها سلم اولويات واضح مثل الحكومة الأخيرة هي مفارقة تامة وغير ممكنة. كما أن التركيز على “الاجتماعي” فقط يخبئ في طياته عمى وتجاهلاً للقمع الفلسطيني.
عمري نجاد

 

في انتخابات 2015، كان موشيه كحلون السياسي المناوب الذي يسم نفسه بعلامة “الشرقي” و”الاجتماعي”، التوليفة المقدسة في السياسة. بكثير من الوعود، انجازات معينة وحاء تطرب لها الأذن، نجح كحلون في أن يجر خلفه جماهيراً غفيرة- من ضمنها مصوتين يمينيين. الأمل الكبير القادم من عائلة كثيرة الأولاد استلم منصب وزير المالية. الرجل الذي تغنت حملته بمصطلحات مثل المظالم، الفجوات الاجتماعية وغياب العدل امسك بمفاتيح التغيير الذي تحدث عنه، على الأقل ظاهرياً.

في اليوم الذي تلى الانتخابات، وبينما راح يتعاون مع بنيت، نتنياهو وليبرمان، دفع حسه الاجتماعي إلى الهامش ونسي. حيث دعم السياسي “الاجتماعي” كل قرار حكومي وائتلافي صدر عن حكومة اليمين الفظيعة تلك- ضد الفلسطينيين طبعاً، ضد المسنين وذوي الاعاقات، ضد الامهات الوحيدات وغيرهم. الصرعة الكبيرة للشرقية أثبت بأنه قومجي صغير ورجل أقوال لا أفعال. لم يتبقى من الشرقية سوى “ح” صغيرة وذكريات طفولة من اولجا. فهو لم يفعل شيئاً لكي يمنع مثلاُ اخلاء السكان من أحياء جفات عمال، تل كبير وغيرها- الأحياء والناس الذين أحب التحدث بإسمهم.

التركيز على “الاجتماعي” فقط يخبئ في طياته عمى وتجاهلاً للقمع الفلسطيني من قبل الاثنين. مطلب العدل الذي يخرج من منظار صهيوني، ويعني التعاطي مع اليهود والطبقات داخل المجتمع اليهودي فقط، يبقي الفلسطينيين، أكثر فئة يقمعها ذلك المجتمع، خارج النقاش.

في انتخابات 2019، الأمل “الشرقي” و”الاجتماعي” هي بالطبع اورلي ليفي ابكسيس التي سجلت لصالحها، مثل كحلون، مبادرات اجتماعية مختلفة (الى جانب الشراكة مع فاشية ليبرمان). السؤال يجب أن يركز على ما ستفعله ابكسيس بعد يوم من الانتخابات: في الأمس عندما سألت ان كانت ستجلس في حكومة نتنياهو بدأت بالتأتأة: ولكن لنضع جانباً التحقيقات والتوصيات للحظة- عندما يكون شركاؤك هم بنيت، شاكيد واوري اريئيل، وهم المسؤولين عن النهب المستمر في السامرة وعن نقل ميزانيات ضخمة لشعبة الاستيطان وللنوى الدينية- كيف وبأية ميزانية بالضبط ستستطيع التأثير؟ وعندما يكون الشركاء الآخرون هم نتنياهو، شطاينيتس وغيرهم من فرسان الخصخصة- كيف ستثمر رؤية ابكسيس “الاجتماعية”؟ أية فئات مستضعفة ستستطيع مساعدتها من قلب هذا الحكم الفتاك؟

اليوم الذي يلي الانتخابات لدى ابكسيس قد يكون شبيهاً بقدر كبير بفترة كحلون.اذا لم ترفض مسبقاً الجلوس مع البيت اليهودي الذي يشتبه أحد وزرائه، وهو اوري اريئيل، بسرقة مئات آلاف ملايين الشواقل التي خصصت للضواحي لصالح نوى دينية خلال عمله كوزيراً للاسكان والبناء: اذا لم ترفض مسبقاً الجلوس في حكومة يشجع رئيسها الاقتصاد النيوليبرالي الفتاك الذي يشمل خصخصة كل الخدمات العامة الممكنة: اذا لم ترفض مسبقاً الحكومة التي تمرر ميزانيات ضخمة للمستوطنات بدل الأحياء- ولاية ابكسيس وانجازاتها ستبدو تماماً كما كانت عليه في حالة كحلون. “أجندة اجتماعية” في حكومة يمينية صريحة لديها سلم اولويات واضح مثل الحكومة الأخيرة هي مفارقة تامة وغير ممكنة.

هناك خط آخر يربط ما بين كحلون وليفي ابكسيس يتعلق بنظرتهم الانتقائية على العدل: التركيز على “الاجتماعي” فقط يخبئ في طياته عمى وتجاهلاً للقمع الفلسطيني من قبل الاثنين. مطلب العدل الذي يخرج من منظار صهيوني، ويعني التعاطي مع اليهود والطبقات داخل المجتمع اليهودي فقط، يبقي الفلسطينيين، أكثر فئة يقمعها ذلك المجتمع، خارج النقاش. المنظار الصهيوني الضيق لا يفشل فقط في عكس الواقع عندما يخفي ملايين الفلسطينيين بل يبعدنا كذلك عن أية امكانية لتحقيق العدل الحقيقي والأساسي. المطلب الشرعي بالحقوق المتساوية لا يمكن أن يقف عند الحد المتخيل لبيت شان انما يجب أن يوجه أيضاً للمجموعات الفلسطينية المقموعة من حولها وإلا فسيكون مطلباً فارغاً وعديم المعني.

ال”جسر” الذي تتحدث عنه ابكسيس (اسم حزبها الجديد) لديه كمون ضخم اذا كان سيربط، على مستوى الخطاب والفكر، بين فئات سكانية تحرضها الصهيونية ضد بعضها البعض بشكل متواصل. ولكن اذا ما استمرت ليفي ابكسيس بتجاهل القمع الفلسطيني بشكل فظ ومقصود، فستكون نهائيتها كنهاية كحلون. لأن العدل لا يمكن أن يحصر في حدود العرق أو الدم.

عمري نجاد هو سينمائي وناشط سياسي.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.