التماس لمحكمة العدل العليا: المس بمكانة اللغة العربية يعني المس بمكانة اليهود الشرقيين

العربية هي ليست فقط لغة انما طريقة تفكير وتعبير ثقافي. الحفاظ على مكانة اللغة العربية ضروري لفهم ماضينا اليهودي والعبري. شيرا اوحيون عن علاقة يهود الشرق باللغة العربية في أعقاب تقديم التماس ضد قانون القومية الذي يمس بمكانة اللغة العربية في اسرائيل.
خاص باللسعة

 

في اليوم الأول من عام 2019، تم تقديم التماس شرقي ضد قانون أساس: إسرائيل- الدولة القومية للشعب اليهودي (محكمة العدل العليا 19\4 ميخائيل ضد الكنيست). وقد كتبت الالتماس المحامية نيطاع عمر-شيف بإسم أكثر من خمسين شخصية شرقية تنحدر أصولهم من الدول العربية والاسلامية. “قانون القومية اليهودية، تقويض مكانة اللغة العربية في اطاره، وكذلك النظرة الازدواجية التي يكرسها والتي تخلق انطباعاً بأن العبرية هي اللغة اليهودية الشرعية الوحيدة للشعب اليهودي، تتعارض مع ميراث يهود العالم العربي والنزعات الثقافية الحالية في المجتمع الإسرائيلي والنهضة الشرقية من ضمنها، وتعيدنا الى خطاب الفصل، الحدود، بوتقة الصهر الصارمة والهرمية الثقافية التي تستهين وتقلل من مكانة المجموعات اليهودية الشرقية وتميز ضدها سلباً مقارنةً بالمجموعات اليهودية التي تنحدر من دول غير عربية”، يكتب الملتمسون في معرض ادعاءاتهم.

“يجب، برأينا، تشجيع وصقل العلاقة اليهودية التاريخية مع اللغة العربية. علينا الاستثمار كثيراً في تعليم اللغة العربية في المدارس العبرية في البلاد، التعمق في بحثها وتعزيزها في الأكاديميا وفي المؤسسات البحثية المختلفة، وأن نترجم أعمالاُ منها واليها. علينا ألا نمس بهذه العلاقة، خاصة على ضوء المساس الخطير بها في الماضي وأهميتها التاريخية في الحاضر وأهمية تجديدها في المستقبل. الموروث اليهودي هو موروث متعدد اللغات، وغالبية المجموعات اليهودية بالواقع هي متعددة اللغات، ولهذا يجب ألا نحصر الميراث اليهودي في لغة واحدة، العبرية، مهما كانت مهمة”.

اخترنا أن نشارك هنا مقالاً كتبته شيرا اوحيون بموضوع “يهود الدول العربية ومكانة اللغة العربية” والذي وردت مقتطفات منه ضمن الالتماس. لقراءة الالتماس كاملاً (بالعبرية) اضغطوا هنا.

 

يهود الدول العربية ومكانة اللغة العربية

بقلم: شيرا اوحيون

العربية هي ليست فقط لغة الأم لمواطني إسرائيل العرب والدروز انما أيضاً لغالبية مواطني إسرائيل اليهود الذين تنحدر أصولهم من الدول العربية. مما يعني بأن هذه هي لغة الآباء والأجداد لأكثر من نصف مواطني إسرائيل. اللغة، كما هو معروف، هي ليست وسيلة للتواصل فقط انما كذلك طريقة تفكير. في مقاله “لغات اليهود- جسر وجدار”، يقتبس الباحث اهرن ممان الفيسلوف لودفيج فيتغنشطاين بقوله: “حدود لغتي هي حدود عالمي”، ويوضح بأن معرفة لغة المجموعة وإتقانها إنما تدل على انتماء الشخص للمجموعة. “اللغة”، على حد قوله، “هي من أهم ما يعرف الهوية”. لهذا، يجب النظر الى اللغة العربية كمركب أساسي في الهوية الشرقية لليهود القادمين من الدول العربية، أما المس بمكانتها ووسمها كلغة متدنية فمثله مثل المس بمكانة هؤلاء اليهود ووسمهم كمتدنيين.

زد على ذلك بأن المس بمكانة اللغة العربية معناه المس بمكانة اليهودية واللغة العبرية وفهم جذورها. اللقاء بين لغات اليهود واللغة العربية في ظل الاحتلال الاسلامي أثر بطريقة كبيرة على تطور اللغة العبرية وإحيائها وعلى الشعر العبري، وبالنتيجة أثر كذلك على الهوية اليهودية وعلاقتها بالديانات واللغات الأخرى.

لغة التواصل بين يهود الدول العربية

يمتاز العالم العربي بظاهرة الازدواجية اللغوية بيد أن اللغة العربية الفصحى هي مصدر كل اللغات العربية المحكية في تلك الدول: اليمنية، المغربية، العراقية، المصرية، السورية، اللبنانية، التونسية، الجزائرية، الطرابلسية وغيرها. وقد انتشرت ازدواجية من هذا النوع بين اليهود كذلك فإلى جانب الاستخدام اليومي للعربية كلغة محكية تطور نوع آخر من اللغة المكتوبة وهي: العربية اليهودية.

تمخض اللقاء بين اللغة العبرية والعربية أيضاً عن تقدم كبير في دراسة اللغة العبرية، وكان المحرك من وراء إحياء اللغة العبرية وإنشاء القواميس العبرية الاولى.

استخدمت هذه كلغة تواصل استطاع بواسطتها يهودي من بابل مراسلة او مخاطبة يهودي من أسبانيا، اليمن، مصر او أي مكان آخر في هذا الحيز. وقد كانت لهذه اللغة ميزات خاصة تختلف عن العربية الفصحى الاسلامية. كانت هذه لغة عربية مكتوبة بأحرف عبرية تتضمن كلمات ومصطلحات عبرية مصدرها في اللغة التناخية المقدسة او في الثقافة اليهودية. كما أنها شملت تغييرات دلالية (تغيير معنى بعض الكلمات بالعربية) او ترجمات مستعارة من العبرية لكلمات ومصطلحات لم تتواجد بالعربية من قبل. أي بأن الحديث عما يشبه “تهويد” اللغة العربية.

كتب وأعمال كثيرة لكبار الشخصيات اليهودية، كل مراسلات الأسئلة والأجوبة، الخطابات، الوثائق والعقود، دفاتر الجاليات اليهودية التي أدارها الحاخامات في أنحاء الدول العربية، وحتى الأغاني الدنيوية، كتبت كلها بهذه اللغة العربية-اليهودية. دون قراءة وفهم هذه النصوص، التي وجد الكثير منها في القاهرة، لم تكن لتحدث قفزة في دراسة تاريخ اليهود في الدول الاسلامية ودراسات الشرق الاوسط عامةً. يتطلب فهم هذه النصوص وترجمتها معرفة واسعة في العربية الفصحى واللهجات العربية المحكية، ولكنه يتطلب كذلك معرفة واسعة بالعبرية، الكتب المقدسة والكينونة اليهودية. لهذا، فهناك أهمية كبيرة لدراسة اللغة العربية وسط الطلاب اليهود ليخرج منهم جيل جديد من الباحثين يقوم بالتنقيب في جبال المواد الميتمة التي كتبها يهود الدول العربية، والتي احضرت الى البلاد او ما زالت في الخارج، ولم تمسها يد باحث حتى اللحظة.

لغة دراسة التاريخ والانتاج الروحاني-الديني

اثر اللقاء مع اللغة والثقافة العربية نتيجة الاحتلال الاسلامي في العصور الوسطى، تشكل عالم ثقافي جديد وسط اليهود. فقد كشفت معرفة العربية أمام اليهود مجالات اضافية لم تكن معروفة لليهود من قبل: العلوم، الطب، الرياضيات، الفلك، الفلسفة وغيرها المزيد. اعتمدت هذه، من ضمن أمور أخرى، على الحكماء اليونايين وترجمة نصوصهم للعربية. كما كان لهذا اللقاء تأثيراً كبيراً على خزانة الكتب اليهودية. فبينما تم النظر الى استخدام اللغة اليونانية والرومانية بصورة سلبية من اللحظة التي تحولت فيها للغات الكنيسة المسيحية، كان تعامل الهلاخاه مع اللغة العربية، اللغة المقدسة للإسلام، ايجابياً بشكل عام. كذلك التعامل مع الديانة الاسلامية كان معتدلاً، خلافاُ للمسيحية، بحيث لم يتم اعتبارها عبادة للأوثان.

الكثير من المؤلفات الفكرية اليهودية للعباقرة وكبار حكماء اليهودية كتبت باللغة العربية. لا يمكن فهم وتفسير أعمال وفكر الحاخام سعديا جؤون (سعديا الفيومي) او الرمبام (موسى بن ميمون)، مثلاً، دون اتقان اللغة العربية الفصحى ودون الاطلاع على ثقافة العرب والاسلام. بعض الأمثلة البارزة التي نستطيع تسويقها هنا: الحاخام سعديا جؤون من بابل كتب مؤلفاته “كتاب الأمانات والاعتقادات” و”كتب اللغة” بالعربية، ذلك الى جانب عمله على ترجمة التناخ الى العربية للتسهيل على اليهود الذين لم يتقنوا لغة الكتب المقدسة.

أما شاعر العصر الذهبي في أسبانيا موشيه ابن عزرا (موسى بن عزرا) الذي ألف بالعربية “كتاب المحاضرة والمذاكرة” فقد كتب عن إعجابه الشديد بالغة العربية. شاعر أسبانيا العبري الكبير، الحاخام يهودا هليفي (أبو الحسن يهوذا اللاوي)، كتب “كتاب الرد والدليل في الدين الذليل”، الذي يسمى بلساننا كتاب “الخزري”، بالعربية. والرمبام بالطبع الذي كتب أكبر أعماله الفلسفية وربما الأهم في اليهودية بالعربية تحت اسم “دلالة الحائرين”، وكتب غالبية رسائله لإخوته اليهود في اليمن والمغرب باللغة العربية. الرسائل التي كانت موجهه لليهود الذين لم يتحدثوا بالعربية كتبها بالعبرية وكذلك مؤلفه التشريعي الكبير “مشنيه توراه” (تثنية التوراة).

عملياً، تحولت العربية للغة العلم والبحث في أدب الهلاخاه اليهودي وفقط فيما بعد تمت ترجمة الكتب للعبرية. لم يكتب اليهود أعمالهم العلمية باللغة العربية فقط انما كتبت هذه من ناحية الشكل، الأسلوب، النموذج والإطار الفكري بصيغة الأعمال العربية في ادب العلوم بالعصور الوسطى. وعليه، يبدو بأن العربية والعبرية قد تواجدت جنباً الى جنب كلغات وكهويات مكملة وليست متناقضة أيضاً لدى كبار مفكري وحكماء التوراة ومن عرفوا بتمسكهم الكبير بالتوراة المكتوبة والشفهية وإخلاصهم للأعراف اليهودية.

 

تأثير العربية على احياء اللغة، الشعر والموسيقى

تمخض اللقاء بين اللغة العبرية والعربية أيضاً عن تقدم كبير في دراسة اللغة العبرية، وكان المحرك من وراء إحياء اللغة العبرية وإنشاء القواميس العبرية الاولى. حيث تعلم اليهود من العرب أن يضعوا لغة الكتب المقدسة في مركز فكرهم وأن يخصصوا الدراسات والأبحاث للغة التناخ. حيث كتبوا كتب قواعد على شاكلة كتب القواعد التي أعدها العرب. بعض الظواهر الاعرابية او اللغوية، مثل المصوت المزدوج مثلاً، تتوضح بسهولة عند فهم اللغة والإعراب العربي. كما أن الكثير من الكلمات المستخدمة يومياً باللغة العبرية تأتي من اللغة العربية ومنها: اقليم، افق، قطب، هندسة، مركز، تاريخ، لحن وغيرها- كل هذه استعيرت من العربية. تمت كذلك استعارة المعاني والأشكال اللغوية لبعض الكلمات من العربية مثل: ماهية، هوية وخاصية.

دراسة اللغة والتحليل المعمق لقواعد العبرية ومعجمها ساهم في تفسير التناخ وفق قواعد منهجية وكذلك في تطوير علم جديد: مقارنة اللغات الذي فاد بدوره في تفسير التناخ وشكل كذلك أساساً للغويات السامية الحديثة.

كل هذه مجتمعة حملت بدورها تأثيراً كبيراً على لغة الشعر العبري وعلى ازدهاره في أسبانيا العصور الوسطى. فقد تطور في أسبانيا الاسلامية شعراً عبرياً مفتخراً ومتطوراً كتب باللغة العبرية ولو أنه كان على قدر كبير من الشبه بالشعر العربي أيضاً من ناحية كيفية النظر الى جوهر الشعر وطريقة تقييم الشعر الجيد وأيضاً من ناحية الشكل والمضمون. بالإمكان القول حتى بأن كل شعر العصر الذهبي في أسبانيا العصور الوسطى اعتمد على نمط الشعر العربي الكلاسيكي وعلى اوزانه. أساليب الشعر الدنيوي العبري أخذت من شعر الغزل، وشعر الخمر وقصائد الهجاء والمديح أخذت هي الأخرى من الشعراء المسلمين ولو أن الشعراء العبريين واظبوا على استخدام لغة عبرية تناخية نقية واستقوا عالم التشبيهات والاستعارات خاصتهم من التناخ. اضافة الى ذلك، فقد تطور الشعر العبري والعربي بشكل شبيه: حيث استوعبوا تدريجياً الموشحات التي اعتمدت على اسس شعبية. كان مصدر الموشح بالغناء الشعبي في أسبانيا الاسلامية، ورافقه لحن شعبي مردد قام بأدائه مغني انضم اليه الجمهور بالغناء. وقد تطور نوع الغناء الشعبي هذا خارج ثقافة ساحات القصور والثقافة الدينية في ساحات المدن والحانات ولكنه تغلغل تدريجياً حتى احتل مكانة محترمة وحظي بشعبية كبيرة أيضاً في قصور الخليفة ووسط أبناء الحسب والنسب.

סלימה-מוראד1
تعد سليمة مراد نجمة كبيرة في العراق عدا عن كونها زوجة المغني العراقي الشهير ناظم الغزالي.

العربية هي أيضاً لغة الموسيقى والغناء ليهود الدول العربية. كل موسيقى الآلة-  الموسيقى الأندلسية الكلاسيكية التي غناها وعزفها اليهود في المغرب (وبصيغها القريبة في الجزائر وتونس) والتي تشهد ازدهاراً كبيراً اليوم في إسرائيل، كتبت بالأصل بالعربية الكلاسيكية الفصحى كموشحات، وقد ركب اليهود على ألحانها أغان وأناشيد دينية بالعبرية.

وقد كتبت الغالبية العظمى من الأناشيد الدينية بحسب اوزان الموسيقى والغناء العربي. حيث حاول المنشد اليهودي الحفاظ على نغمات الأغنية العربية الأصلية وهذا هو عملياً السر من وراء السحر الذي يحمله الانشاد الديني العبري. هكذا، على سبيل المثال، كتب آشر مزراحي، المنشد اليهودي التونسي الكبير وأحد مؤسسي الموسيقى التونسية الشعبية، أناشيده المشهورة مواظباً على اللحن العربي الذي يقف في المركز مثل اللحن التونسي “لاموني اللي غاروا مني” أو “افرح يا قلبي” لأم كلثوم. بعض الأناشيد الدينية كتبت بطريقة “المطروز”- العبرية المدمجة بالعربية منها نذكر أشعار الحاخام شالوم شبازي (سالم الشبزي) من اليمن او اناشيد الحاخام دافيد بوزجلو.

لعب اليهود في الأندلس دوراً ملحوظاً في انتاج الموسيقى الأندلسية الكلاسيكية وعرفوا بالحفاظ على ألحانها للأجيال القادمة. من خلال الأناشيد العبرية، كان اليهود من رواد وقادة الموسيقى العربية الشعبية الحديثة في دول شمال أفريقيا (المغرب العربي)، وقد حظوا بتقدير وشعبية كبيرة أيضاً وسط جيرانهم المسلمين. وهذا ما كان في كافة الدول العربية الأخرى ففي مصر والعرق شكل اليهود جزءاً لا يتجزأ من النخبة الثقافية والفكرية، وكانوا رواداً في حقل الموسيقى، السينما والمسرح. من الصعب أن نذكر هنا أسماء كافة الفنانين اليهود الذين حققوا الشهرة ولكن أسماء مثل داوود حسني في مصر، الأخوة صالح وداوود الكويتي في العراق، سليم الهلالي الجزائري وسامي المغربي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة العربية والعالمية. جميعهم كتبوا ولحنوا وغنوا بالعربية.

كما كانت هناك مغنيات يهوديات في الدول العربية أصبحن نجمات عالميات ومهدن الطريق الى المنصة للمغنيات والممثلات المسلمات الشعبيات- أكثرهن شهرة كانت ليلى مراد في مصر. الى جانبها بإمكاننا أن نذكر زهرة الفاسية في المغرب، لين مونني وراينات الوهرانية في الجزائر، حبيبة مسيكة في تونس وسليمة مراد في العراق اللواتي يعتبرن حتى اليوم شخصيات مركزية في الموسيقى الشعبية القومية للدول العربية وتحظى أغانيهن اليوم بتوزيعات جديدة تؤديها مغنيات شابات من الدول العربية والبلاد. سليمة تعد نجمة كبيرة في العراق عدا عن كونها زوجة المغني العراقي الشهير ناظم الغزالي. وقد تم مؤخراً انتاج مسلسل عن حياتها عرض في شهر رمضان على الرغم من يهوديتها.

باستثناء المبادرات المستقلة القليلة، لا توجد بحوث في الأكاديميا الاسرائيلية حول الثقافة الموسيقية ليهود الدول الإسلامية كما لا توجد ترجمة مهنية لهذا المخزون الغني من الغناء اليهودي العربي.

اللغة العربية بنظرة جندرية

لمكانة اللغة العربية في المجتمع الإسرائيلي انعكاسات مباشرة على مكانة النساء، وبالأساس المغنيات اليهوديات الشرقيات، ليس فقط على مستوى البحث انما كذلك على الجانب العملي الاقتصادي-الاجتماعي.

التعامل مع اللغة العربية كلغة عدو وكلغة متدنية في العقود الأولى من اقامة دولة إسرائيل قضى على مسيرة المغنيات اليهوديات-العربيات اللواتي كن نجمات كبيرات عالميات في الدول العربية. قد تكون قصيدة الشاعر ايرز بيطون عن المغنية زهرة الفاسية من المغرب أفضل مجاز يرمز الى تضعضع مكانة نجمات الغناء اليهودي-العربي. المغنيات اللواتي قدمن الى البلاد توقفن عن الغناء وواجهن اوضاعا اقتصادية صعبة ناهيك عن المهانة التي تكون من نصيب النساء الشرقيات في المجتمع والمغنيات في المجموعات الشرقية نفسها. الوحيدة التي استمرت في غنائها العربي بالبلاد كانت فوزية رشدي ولكنها زجت في الغيتو الشرقي لفرقة سلطة البث التابعة للقناة الاولى ولم يتم التعامل معها كمغنية اسرائيلية انما ك”عربية”.

من المهم بأن نفهم بأن غناء النساء التقليدي في اليمن، المغرب وبقية الدول العربية كان بالعربية. وقد غنت النساء باللهجة المحلية المحكية وتناولن في غنائهن مسائل الحياة اليومية والأمور الدنيوية او أنهن غنين في الطقوس والمناسبات السعيدة والحزينة. بينما أدى الرجال الأغاني الدينية باللغة العبرية، لم تتقن غالبية النساء القراءة والكتابة بالعبرية ولم يحصلن على ثقافة يهودية تقليدية. هن أتقن اللهجة المحكية وعرفن كمية ضخمة من الأمثال والقصص الشعبية مررن بواسطتها رسائل ثقافية وتربوية لأولادهن.

وقد حققت المغنيات اليهوديات نجاحهن الباهر في الدول العربية بفضل المامهن بأسرار اللغة والموسيقى العربية، وهذا ما حولهن من بطلات ثقافيات يهوديات او محليات لنجمات عالميات. ولكن نزع الشرعية عن اللغة والثقافة العربية في اسرائيل قضى على مكانتهن في البلاد وحتى هؤلاء اللواتي بقين في الخارج تأثرن بالصراع الحاصل بين إسرائيل والعالم العربي، ففي الدول العربية مثلاً تحولت هؤلاء الى “مشبوهات”. الكثير من المغنيات الشرقيات في إسرائيل، وبالأساس اليمنيات، انتقلن الى الغناء بالعبرية بأسلوب اوروبي ولكن هذا الشيء حد من قدراتهن الصوتية والموسيقية وحصر نجاحهن في حدود البلاد. أما من اخترن الغناء بأسلوب البوب الشرق اوسطي، بالاساس اليوناني والتركي، في سنوات ال-80 وال-90 فقد حصلن على معاملة مهينة من طرف المجتمع الإسرائيلي ونخبه وعرضن في مساحات بعيدة عن الأضواء بمنطقة المحطة المركزية القديمة في تل أبيب.

كانت عوفرا حزا أول من اخترقت هذا الحاجز عندما خرجت الى اوروبا مع مواردها الثقافية الأصلية: أغاني النساء اليمنيات (“قلبي”) وحظيت بإعجاب واعتراف عالمي واسع في اوروبا وأمريكا وحتى في اليمن نفسها. فقط خارج حدود البلاد استطاعت حزا أن تتخلى عن “أغاني أرض إسرائيل القديمة والجميلة” وأن تبرز عروبتها وكذلك علاقتها التقليدية باليهودية عندما حولت الانشودة الدينية “ام ننعلو” لأغنية خظيت بنجاح ساحق على مستوى عالمي.

حزا هي من مهدت الطريق أمام النجاح العالمي لمغنيات مثل احينوعام نيني او الأخوات A-Wa اليوم اللواتي أدركن قوة المورد الثقافي الذي يحملنه: أغاني نساء اليمن العربية. من هنا يمكن أن نفهم كذلك النجاح البارز والعالمي لمغنيات مثل نيطاع الكيام، رحيلا، نوعا بن شوشان وصوفي صدقة. اللغة العربية كانت بمثابة رافعة لمسيرتهن وفتحت أمامهن الأبواب لجماهير جديدة. كان لهذه العملية تأثيراً طبعاً على ما يحصل في البلاد- فملكة الغناء الشرقي سريت حداد، التي تنحدر من القفقاز أصلاً، انتقلت للغناء بالعربية، أما مغنيات مثل ديكلا ونسرين فقد تحولن لنجمات ساطعات بالسنوات الأخيرة بسبب علاقتهن بالعربية والعبرية. آثار الدمج المتناسق والمتكامل الذي ساد بين يهود الشرق في العصر الذهبي تتجلى حتى اليوم اذاً في الثقافة الإسرائيلية.

مكانة المغنيين الشرقيين تدهورت هي الأخرى بسبب تضعضع مكانة اللغة العربية في البلاد ولكن الرجال كان بمقدورهم دائماً العودة الى الكنيس والعبرية، وتطوير أنفسهم كمنشدين في البلاد ووسط الجاليات الشرقية وحتى الأشكنازية في الخارج، وبالأساس قي فرنسا، كندا والولايات المتحدة. مع احياء الفرق الأندلسية وعالم الانشاد الديني منذ سنوات ال-90، تحولت هذه لمنصة حصرية تقريبا للرجال.

خلاصة، فإن العربية هي اداة بحث من الدرجة الأولى لفهم ماضينا اليهودي والعبري. العربية ليست لغة فقط انما طريقة تفكير وتعبير ثقافي تعرف الهوية. ولأن العربية أغنى بكثير من اللغة العبرية فأن الانتقال للعبرية الصهيونية يحد من قدرة يهود الشرق على التعبير وعلى فهم موروثهم الثقافي الغني. معرفة اللغة العربية وتدريسها في المدارس وفي الأكاديميا هو أمر ضروري لفهم الثقافة الشرقية ولخلق جيل من الباحثين الذي يبحثون في ماضي يهود الشرق الذي تم اقصائه وتهميشه. كما أن فهم اللغة ضروري لبناء أبطال وبطلات شرقيين بمجال الثقافة ولبناء صورة ايجابية عن هذه الثقافة بحيث يتم تعزيز صورة يهود الدول الاسلامية عن ذاتهم بعد أن تم وصمهم بصورة سلبية في إسرائيل على مدى سنوات.

المس بمكانة اللغة العربية سيؤدي بتقديري الى تراجع بمكانة المغنيات اليهوديات الشرقيات في إسرائيل مرة أخرى. من ناحية هؤلاء ومن ناحية كافة اليهود الشرقيين فإن العربية هي لغة الحاضر والمستقبل وليست فقط لغة الماضي ناهيك عن القدرة الكامنة فيها ووسط يهود الشرق الذين يحملونها على تجسير الخلافات والصراعات مع جيراننا العرب.

 

مقالات ذات صلة:

لماذا لا يتقن اليهود العربية، يوفال عبري. 

إمكانية “تعريب” العبرية في مداولات لجنة اللغة، يئير اور. 

أهوفا عوزيري: ظاهرة متفردة في موسيقى اليهود الشرقيين، شوشانا جباي. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.