ثلاث ملاحظات حول مقتل آية مصاروة

حول ردود الفعل الجياشة في ملبورن وأيضاً في إسرائيل، يشمل توضيح هام: مقتل امرأة محلية، لا سيما ان كانت من أبناء الأقليات، لا يؤدي الى حالة طوارئ كهذه، لا وسط الاستراليين ولا وسط غيرهم.
آيات أبو شميس

 

1. مقتل آية مصاروة المروع ذكرني بمقتل الشابة ليان نصار التي قضت نحبها في عملية تفجيرية في تركيا. قد تكون الملابسات مختلفة: عملية جماعية للمنظمة الارهابية داعش مقابل عملية عنيفة وفتاكة لشخص وحيد ضد امرأة شابة. لكن الشبه بين الحالتين ينبع من كون كلا الشابتين نساء عربيات مكثن خارج البلاد، كل لأسبابها، كان لدى المجتمع العربي في إسرائيل ما يقوله حول ملابسات مقتلهن.

غالبية ردود الفعل كانت حزينة وأرادت مواساة عائلة الشابة والوالدين الذين فقدا ابنتهما التي سافرت لتدرس في الخارج بشكل مفجع. رغم ذلك، لم أستطع التغاضي عن بعض الردود المبطنة بالاتهام غير المباشر والتي تساءلت “لماذا تسافر شابة للدراسة في الخارج أصلاً، فلا تنقصنا هنا مؤسسات أكاديمية”، أو ادعت بأنه “كان بالإمكان بألا تحصل عملية القتل لو أنها بقيت الى جانب أهلها وفي مكان آمن”. لست أدري ما القصد بمكان آمن او بالأمن الذي كان من الممكن أن تجنيه من البقاء بالقرب من أهلها فقد رأينا، في أكثر من حالة، بأن النساء يقتلن أيضاً وهن في بيوتهن بيد أقرب الناس اليهن. لهذا، فإن هذا الادعاء مستهجن ولا يمت بصلة للواقع الذي نعيشه. لا بد من التشديد هنا على أمر واحد ان لم يكن واضحاً بعد: كان من الممكن بألا يحدث مقتل آية فقط في حال قرر القاتل بألا يفعل فعلته. نعم، بهذه البساطة.

رغم قلتها إلا أن هذه الردود قد أثارت غضبي. حنقت بأن هناك من يتهمون الشابة، مرة تلو الأخرى، حتى ان قاموا بذلك بشكل غير مباشر، وبأن فكرة كون المرأة لا تملك الحق التام بالسفر الى خارج البلاد دون مرافق ما زالت قائمة. لو كان القتيل رجلاً لما كان هناك أي احتمال لرد فعل واحد من هذا النوع، وهذا محزن. مع ذلك، ولأن غالبية الردود لم تكن على هذا النحو (خلافاً لحالة ليان نصار)، فقد تساءلت ان كان قد طرأ تغييرجدي وسريع على الخطاب خلال السنة الأخيرة، وبالتحديد منذ أن قتلت نصار في تركيا.

أنا أؤمن بأن هناك تغيير ايجابي وبأن الحداثة والنسوية بدأت تتغلغل أيضاً في المجتمع العربي. ولكن السؤال ان كان المجتمع العربي قد ذوت بأنه يحق للمرأة الشابة بأن تسافر دون مرافقة أهلها أم أن الاختلاف في التعامل مع الحالتين يختبئ في الفرق الواضح بين حالة الشابة التي تسافر لكي تدرس وحالة تلك التي تسافر للمتعة؟ لم يكن علي أن أفكر كثيراً لكي أدرك بأن الشابة من النوع الأول، التي تسافر للدراسة او التطور المهني، تحظى بشرعية أكبر من تلك التي تسافر لتحتفل بالسنة الجديدة. حتى السفر بغرض الدراسة كان نادراً قبل بضعة سنوات، وقد طرأ تغيير على هذا المستوى بفضل الارتفاع بنسب التعليم في المجتمع العربي واتساع ظاهرة العرب الذي يسافرون للدراسة في الخارج. أما سفر المرأة لقضاء الوقت والمتعة فقط فما زال بمثابة تحدي في هذه المرحلة.

آية مصاروة
آية مصاروة رحمها الله (تصوير شاشة من التلفزيون الاسترالي) 

2. أمر آخر بارز في قضية مقتل الشابة آية مصاروة هو الأصداء الواسعة التي أثارتها في استراليا، الحزن الكبير في ملبورن بشكل خاص، الطقوس التي شارك بها المئات، ودموع رئيس الحومة سكوت موريسون. أغلب الظن بأننا لم نكن لنرى في إسرائيل رئيس حكومة يخطب في أعقاب مقتل امرأة او يزور الموقع الذي قتلت فيه ليضع اكليلاً من الورود. والأهم من ذلك هي السرعة التي امسك فيها القاتل. في إسرائيل، تقتل النساء وتمر أشهر وأحياناً سنوات دون العثور على القاتل لا سيما عندما يكون الحديث عن نساء عربيات. أما في هذه الحالة فقد عمل أكثر من 20 محقق على قضية آية، وأنا اتسائل على ماذا يدل ذلك؟ هل قتل النساء في استراليا ليس شائعاً بتلك الدرجة ولهذا نجحت هذه الحالة في أن تحدث زعزعة وتحفز السلطات على التحرك؟ أم أن السبب يعود بالواقع لكون القتيلة أجنبية؟

وفق المعطيات، قتلت في عام 2018 بين 62-69 امرأة على خلفية جندرية في استراليا التي يصل تعداد سكانها ال-62 مليون مواطن. لا تحظى كل حالة قتل بهذه الأصداء عندما تكون القتيلة استرالية ولكن عندما تغتصب طالبة أجنبية وتقتل في محطة قطار في مدينة ملبورن يصبح الحديث عن مس بصورة استراليا التي تستقطب الطلاب الأجانب وتستثمر في ذلك الكثير من الموارد. كانت الجهود التي بذلها الأستراليون في هذه الحالة ظاهرة للعيان لا سيما عندما التقى رئيس الحكومة بنفسه مع والد آية ووعده بتسليم جثتها دون أي تأخير. دعونا نوضح اذا، لكي لا تلتبس علينا الأمور، بأن مقتل امرأة محلية (وبالتأكيد ان كانت من أبناء الأقليات في استراليا) لا يؤدي الى حالة طوارئ كهذه، لا وسط الاستراليين ولا وسط غيرهم. ولو كان الأمر كذلك، في كل لحظة وفي كل دولة، لانخفضت حالات قتل النساء على خلفية جندرية بشكل كبير من عالمنا.

3. بالوقت الحالي، ها نحن نعود للواقع المرير الذي تقتل فيه النساء وتتهم حتى بمقتلها، الواقع الذي تعتبر فيه المرأة بنظر الكثير من الرجال كائن بالإمكان سلب حياته او قطعة لحم يشتهيها في يوم الجمعة.

تعازي لعائلة آية مصاروة.

* * *

أحيانا تتعامل معها

كقطعة لحم

قطعة

لحم لذيذة

تشتهيها يوم الجمعة مساءا

او يشتهيها آخرون.

احيانا تتعامل معها

كماكينة قهوة فاخرة

لكن سهلة التشغيل

تعطيها أوامر

تضغط على زر فتحضر.

أحيانا تعاملها

كأب لطفلة في الخامسة من عمرها

لا تفرق بين الخير والشر

بسبب سنينها القليلة في هذا العالم

وأحيانا تعاملها

كأنك مالكها

صاحب أملاك وبنايات

لشركات تجارية يهمك امرها كثيرا

مستعد للانتحار من اجلها

والمؤكد بأنك دائما

تهتم بإخبارها

بأنك تحبها

هي لا غيرها

تمرر لها المسؤولية

لكي تبادلك

الحب

 

* القصيدة من “أنا اثنان” (بالعبرية) من اصدار “مطعان”، ترجمتها من العربية ميسر أبو قاعود.

 

مقالات ذات صلة:

حان الوقت لطرح بديل للرجولة العربية الشوفينية، عبد أبو شحادة. 

 

هل تلفّق النساء التُهم الجنسية بحق الرجال؟، نسرين مصاروة. 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.