"ضغطوا عليهم لإخماد كل صوت يطالب بتفسيرات أو ينادي بالاحتجاج"

“ممكن أن نفهم محاولة المؤسسة لصرف نظر الرأي العام وإلغاء المظاهرة، ذلك بدل التعامل مع حقيقة تحول الأثيوبيين إلى ضحية دائمة للشرطة. ما ليس واضحاً، في المقابل، هو لماذا يتعاون أبناء مجتمعنا مع حركة رخيصة، بائسة وشفافة بهذه الدرجة عندما يعود الشرطي القاتل الى عمله وكأن شيئاً لم يكن”.
آفي بليخرمان

 

عدت مغتماً ومهموماً من بات يام بعد الجنازة الحزينة والمؤلمة ليهودا بيادغه (24 عام) الذي قتل برصاص شرطي يوم الجمعة الماضي (18.1.19). بعد وقوع العملية، تجمع حوالي مئة شابة وشاب في ساحة القتل، وكان من الطبيعي بالنسبة لي بأن أتواجد هناك بينهم. بعد أن قضى كل منا نهاية الاسبوع مع نفسه بعد سماع هذا الخبر الفظيع، كانت الجنازة فرصة للالتقاء، لمشاركة الألم، الغضب، الاحباط، الاهانة والشعور الفظيع بأنه على الرغم من الحراك إلا أن  شيئاً لم يتغير حقاً، وبأن يهودا لن يكون آخر ضحايا العنف الشرطي في إسرائيل.

الناس أضاءوا الشموع، علقوا اللافتات وشاركوا الآخرين بمشاعرهم. كان هناك توقع بأن تتشكل عن هذا التجمع كتلة غضب وربما، ربما، تخرج عنها صرخة كبيرة تهز الشوارع كما حدث في المرة السابقة. ولكن الى جانب الغضب والألم، كان هناك توتر كبير جداً في المكان. فبينما شارك الناس عبر مكبر الصوت مشاعرهم الصعبة، بدأ يصل الى المكان مبعوثين عن العائلة التي تجلس في بيت العزاء على بعد بضعة شوارع ويطلبون بأن يتفرق المجتمعون. أحدهم أخذ مكبر الصوت وقال: “نرجوكم بأن تتفرقوا. العائلة تطلب منكم بألا تكونوا هنا وبألا تطلقوا أقوالاً تحريضية. يهمهم بأن لا يكون هناك اخلال بالنظام. نقدر مجيئكم الى هنا لإضاءة شمعة ولكن، عدا عن ذلك، لا تتحدثوا عن ضرورة تنظيم مظاهرة ام عدمها، ان كانوا قد قاموا بذلك أم لا، العائلة تريد أن تجلس في بيت العزاء بهدوء. يسعدهم بأن تأتوا لزيارتهم في الخيمة في جان اشكول”. لا أحد يستطيع أن يرفض طلباً لعائلة في حداد في ساعاتها الحرجة. ولكن كان من الواضح بأن هذا الطلب قد أثار في الجوانب، بصمت، مشاعر أخرى أيضاً.

יהודה-ביאדגה-עצרת1024
تجمع في الموقع الذي قتل فيه يهودا بيادغه، بات يام 20.1.19. (تصوير: آفي بليخرمان)

 

“أنا لا أفهم ذلك”، قالت احداهن في حلقة صغيرة. “هذا الحداد ليس حداد العائلة فقط، هناك الحداد الشخصي وهناك الحداد العام. يوجد هنا شيء أكبر، فيهودا هو ضحية في قائمة تصبح أطول يوماً بعد يوم. نحن نتألم أيضاً، والناس تريد أن تعبر عن ألمها وعن غضبها، تريد أن تسأل أسئلة. نحن نحترم العائلة ورغبتها في الحداد بهدوء ولكن لا يمكن كم أفواهنا. لقد قتل انسان هنا”.

ج، وهو ناشط من معارفي، شاركني ببعض مما أثار حفيظته: “عملية القتل هذه أثارت مشاعر قوية لدى الكثير من الناس. شيء ما يتزعزع مرة أخرى. فلم يحدث شيء كهذا حتى في مجتمعنا الذي يقابل ما لا نهاية من العنف الشرطي. انسان قتل برصاصتين في وسط الشارع، بهذه البساطة. منذ الأمس، منذ أن بدأ يتسع الحديث عن تنظيم مظاهرة في مفترق عزرئيلي، جاء متحدثون بإسم العائلة وطلبوا الغاء المظاهرة والسماح لهم بالحداد بهدوء. وأنا أقول لك بأن هناك شيء مشبوه هنا. جميعنا نقرأ الأخبار وطبعاً لاحظت كيف بدؤوا يتحدثون هنا وهناك عن تخوف من اندلاع العنف من قبل مجتمعنا، من مظاهرات تخرج عن السيطرة. لقد برؤوا الشرطي من التهمة- قبل أن يحققوا معه أصلاً، أعادوه الى عمله. يبدو بأن هناك تخوف كبير جداً من اندلاع حراك جديد لا سيما وأنه لا يفصلنا عن الانتخابات إلا شهرين”.

واصل ج كلامه وقال لي بأن سمع الكثير من الاشاعات. مثلاً، بأن هناك عضو كنيست من الحزب الحاكم تربطه علاقات بالمجتمع (الأثيوبي) يضغط على العائلة لتحافظ على الهدوء، لتقوم بتهدئة الأوضاع وتطالب بإلغاء أي نداء للتحرك وللانتظار حتى ينتهي العزاء. “هل تعرف الى أين يعيدنا هذا؟ الى الأيام التي اختطف فيها افرا منجستو“، يقول. “الدولة عرفت كيف تضغط على العائلة بقوة وتسكتها، كيف تستغل عقلية الجيل الكبير لدينا الذي يثق بالمؤسسة ثقة عمياء أو أنه ببساطة يعتمد عليها ويخاف من ابداء النقد. الدولة أفهمتهم بأن الصمت التام هو الشيء الوحيد الذي سيساعد على اعادة افرا. ضغطوا عليهم لإخماد كل صوت يطالب بتفسيرات أو ينادي بالاحتجاج، وقد نجح ذلك. فهل يستطيع أحد أن يعمل ضد رغبة العائلة في هكذا حالة؟ خلال بضعة أشهر من الصمت لم يعد الموضوع يهم الجمهور حتى أنه فقد زخمه داخل مجتمعنا”.

“ممكن أن نفهم محاولة المؤسسة لصرف نظر الرأي العام وإلغاء المظاهرة، ذلك بدل التعامل مع حقيقة تحول الأثيوبيين إلى ضحية دائمة للشرطة”، كتب الناشط الاجتماعي آفي يالو على حسابه على فيسبوك. “ليس واضحاً، في المقابل، لماذا يتعاون أبناء مجتمعنا مع حركة رخيصة، بائسة وشفافة بهذه الدرجة عندما يعود الشرطي القاتل الى عمله وكأن شيئاً لم يكن. أليس من الواضح أيضاً بأن تأجيل المظاهرة لموعد آخر يعني بأنه لن تكون هناك مظاهرة؟ بأنه لن يكون هناك احتجاج؟ الاجابة صعبة وأليمة ولكن لا مفر من قولها: لقد تم تحليل دم الأثيوبيين(..) تجند المنتفعين والمتعاونين لمنع المظاهرة يشرعن عملياً استمرار عدوانية ووحشية المؤسسة ومن ينجرون ورائها ضد أبناء المجتمع (الأثيوبي)”.

المنظومة تتصرف تماماً كما تصرفت بالماضي، بنفس العنف، بنفس محاولات التستر على الحقائق وكذلك بنفس الطريقة التي تعتمدها لتفكيكنا وإسكاتنا. لكننا نفهم طريقة الاسكات هذه ولن نقبلها.

زيفا مكونن دغو، المديرة العامة لرابطة يهود أثيوبيا، تشارك هؤلاء نفس المشاعر والتساؤلات. حيث قالت لي في محادثة هاتفية كيف تهيأت لتصل الى القدس للجنازة التي عينت الساعة سابعة مساءاً ومن ثم سمعت فجأة بأنه تم ابكارها للساعة الخامسة: “أنا متأكدة مئة بالمئة بأن ذلك لم يجري هكذا دون قصد. لقد تذرعوا برجال الدين الذي قالوا بأن الدفن يجب ألا يتم في الليل. ألم يعرفوا ذلك بالظهر؟ وكل المعلومات المتناقضة التي أقرئها وأسمعها تهدف الى زرع البلبلة والإسكات. هكذا يقومون بتفكيكنا. هكذا يقوضوننا. انه لأمر محبط وهو ليس إلا امتداداً للقمع والإسكات على المستوى العام. الادراك بأنهم يقومون بذلك مرة أخرى صعب جداً”.

“عملنا في الأشهر الأخيرة على جمع معلومات حول الملفات الجنائية التي تفتح بحق الفتية والشاب من مجتمعنا، وهو موضوع أليم جداً. ورأينا بأنه حتى بعد الحراك عام 2015، وبعد كل النقاشات التي جرت في الكنيست، وبعد أن جاءت الشرطة وقالت “ها نحن نبني خطة بميزانية كبيرة”، فإن المعطيات التي بين أيدينا تظهر بأن الوضع لم يتغير بل أصبح اسوأ في بعض البلدات. خذ مثلاً بات يام حيث وقعت هذه العملية الفظيعة. بات يام تتصدر المكان الثالث في البلاد من حيث عدد الملفات التي تفتح بحق الشباب الأثيوبيين بتهمة الاعتداء على شرطيين. هذا معطى مذهل. هناك شعور بأن المنظومة تتلاعب بنا: الشرطة أدخلت المزيد من الشرطيين لتخلق علاقات ثقة ولكن ما يحصل عملياً بأنه في الأماكن التي يتواجد فيها المزيد من الشرطيون هناك المزيد من الملفات. أنا أسأل بجدية- هل هناك مكان ساعد فيه تواجد الشرطيين الذين أدخلهم القائد العام للشرطة ووزير الأمن الداخلي الى الأحياء التي تمتاز بنسبة كبيرة من القادمين الأثيوبيين على تغيير الأوضاع؟”.

“أعتقد بأن هذه الحالة تثير لدى الكثير من الناس مشاعر صعبة بالرجوع الى الخلف. كل منا يريد أن يصدق بأن الحراك يغير شيئاً، بأن هناك تحسن في الوعي، بأن الخطاب يساهم في تحسين الأوضاع، وفجأة تقع حالة صعبة من هذا النوع وتبقي انطباعاً بأن شيئاً لم يتغير. المنظومة تتصرف تماماً كما تصرفت بالماضي، بنفس العنف، بنفس محاولات التستر على الحقائق وكذلك بنفس الطريقة التي تعتمدها لتفكيكنا وإسكاتنا. لكننا نفهم طريقة الاسكات هذه ولن نقبلها. سنخرج في حراك حتى النهاية”، تعد.

سيكون من المثير أن نرى ماذا سيفعل شباب المجتمع الأثيوبي مع الاحباط والغضب العميق الذي استشعرته بينهم في بات يام بعد أن تنتهي العائلة من بيت العزاء. هل سيؤدي الوقت الذي سيمر حتى ذلك الحين الى التخفيف من وقع الحدث ويجعل الجميع يعودون الى حياتهم اليومية او ببساطة يتنازلون لاعتقادهم بأن ما باليد حيلة أم أن رغبتهم في انقاذ الضحية التالية بكل ثمن ستخرج المجتمع الأثيوبي مرة أخرى الى الشوارع. بكلا الحالتين، مقتل يهودا بيادجه رحمه الله، شاب مضطرب نفسياً كان يعاني من صدمة خلفتها خدمته العسكرية ومات برصاص من استدعوا للمكان لتقديم المساعدة، يبقي الكثير من الاسئلة المفتوحة والمقلقة.

 

*يخرج المجتمع الأثيوبي اليوم (30.1.19) في احتجاج ينطلق الساعة 15:00 من امام دوائر الحكومة في تل أبيب ضد مقتل الشاب يهودا بيادجة بالقرب من بيته في بات يام.

 

مواد ذات صلة:

حتى متى تتعرض الشرطة للاثيوبيين؟، مبرطو مشاشا.

كل الاخفاقات  كلها: 900 يوم على أسر الشاب الأثيوبي أفرا منجيستو، طلاينش يونيت فنتا. 

المجتمع الأثيوبي يستفيق من الأكاذيب ويخرج الى الشوارع، آفي يالو.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.