لماذا يستمر اليهود الشرقيون بالتصويت لليكود؟

لا وقت أفضل من فترة الانتخابات للتعامل مع السؤال الأبدي الذي يطرح في وجه الشرقيين والشرقيات بين الفينة والأخرى حول تصويت الجمهور الشرقي لحزب الليكود الذي يسحقهم منذ عشرات السنوات. دعونا بعض الشخصيات للاجابة على هذا السؤال- بعيداً عن الآراء المسبقة والانطباعات غير المثبتة.
خاص باللسعة

 

أثبتت الانتخابات الداخلية في الليكود مرة أخرى بأن الحزب الحاكم “أبيض” بدرجة كبيرة. من ضمن العشرة الأوائل، 8 رجال وامرأتين، نجد بأن النساء شرقيات والرجال، كما جرت العادة، أشكناز. على خلفية هذه الصورة، يطفو مرة أخرى السؤال الأبدي الذي يطرح باستهتار في وجه الشرقيين والشرقيات- يساريين، يميننين وما بينهم- “لماذا يستمر الشرقيون بالتصويت لمن يسحقهم؟!”. اذا ما تغاضينا للحظة عن عدم كون الشرقيين كتلة واحدة متجانسة، وعن عدم توجيه نفس السؤال للأشكناز مصوتي بيبي، ربما يستحق هذا التساؤل\التأكيد المستهلك أجوبة عقلانية ومتعقلة.

على الرغم من “خطاب أولاد الشوارع” (بالإشارة الى خطاب دودو توباز الشهير الذي قصد به الشرقيين) ومشروع ترميم الأحياء، وعلى الرغم من اورن حزان وميري ريجف، وزيارة نتنياهو لحي هتكفا وتأجيج الكراهية لحزب “مباي” التاريخي (“العمل” اليوم)، ليس سراً بأن الليكود ليس جيداً للشرقيين. فالحديث عن حزب يمين اقتصادي واضح كان الضرر الذي ألحقه بالطبقات الاجتماعية-الاقتصادية المستضعقة خلال سنوات حكمه أكبر بكثير من الفائدة المتخيلة التي تنطوي عليها شعارات “النمو” وتعزيز الاقتصاد الحر. فمنذ أن كان وزيراً للمالية، قام نتنياهو بتقليص المخصصات ومس بحقوق العاطلين عن العمل وذوي الاعاقات. أما حكوماته المتعاقبة فقد قامت بتمويل المستوطنين بالدرجة الأولى بينما بقيت بلدات التطوير، وغالبية سكانها من الشرقيين، في أسفل سلم الاوليات.

جمعنا هنا بعض الاجوبة المفاجئة والمثيرة للتفكير حول السؤال المطروح الآن على عتبة الانتخابات مرة أخرى.

* * *

جال ليفي

لماذا نسأل أنفسنا بين الفينة والأخرى “لماذا يصوت الشرقيون لليكود، على الرغم من كل شيء؟”. لماذا لا نسأل “لماذا يصوت الشرقيون\الأشكناز لميرتس\العمل\ لبيد (الأب، أو الابن، اختاروا بأنفسكم)، على الرغم من كل شيء؟”. الكثير من علامات السؤال ولكن واحدة فقط تحظى بالتساؤلات. بالإمكان اختصار السؤال على فكرة الى “لماذا يصوت الشرقيون، على الرغم من كل شيء؟”.

بنظرة إلى الخلف، يجب قول الحقيقة: الشرقيون لا يصوتون كشرقيون. هناك فجوة، أو ربما حفرة عميقة، بين تصنيف “الشرقيين” السوسيولوجي-السياسي الذي وضعه في حينه شلومو سبيرسكي وبين الشرقيين الذين يعيشون في العالم الحقيقي. تتجلى هذه الفجوة في الأجوبة المختلفة جوهرياً لسؤال “من هم الشرقيون؟”.

في العالم الواقعي، يعود مصدر الشرقية الى ما أسميه التفكير الاثني- ترجمة المشاكل والقضايا الاجتماعية لمصطلحات اثنية-ثقافية. وتشهد على هذا الممارسات السائدة: القول بأنه لم تعد هناك مشكلة طائفية والبحث في نفس الوقت عن الشرقي(ة) لملأ المربع المخصص للشرقيين. ولكن ذلك يحمل معنى اضافياً. الشرقيون أنفسهم يتصرفون من منطلق التفكير الاثني ولكن ليس بالطريقة المتوقعة ولا بحسب منطقه الواضح.  فالشرقيون هم أول من ينكر وجود الشرقية خاصة في السياسة. قلائل هم من يحتضنون الشرقية، ومن يفعل ذلك- أي نحن الأكاديميون والنشطاء- هم من يستطيعون أن يترفعوا عن معالمها السلبية وعن الرموز التي الصقت بها كالتخلف، الجهل، الفظاظة وعلى المستوى السياسي- القومجية الشوفينية والعنصرية او غياب العقلانية السياسية التي تتلخص في ذلك السؤال المثخن ضرباً “لماذا يصوت الشرقيون لليكود؟”.

بيجن ميمونة
مناحيم بيجن في احتفالات الميمونة في القدس، 19.4.1979. تصوير: HERMAN CHANANIA, Government Press Office, CC BY-SA. 

ولكنني لم أجب بعد على السؤال. بالأساس لأن الشرقيون يصوتون لكل الأحزاب وحتى، صدقوا او لا تصدقوا، يغيرون طريقة تصويتهم أحياناً. ولكن اذا كان هناك من يصمم على الحصول على اجابة فهناك تفسيرين على الأقل اذا ما قسنا الامور من ناحية نظيرة الواقعية السياسية. الاول، بأن الليكود، في الخيال السياسي، يعرض على الشرقيين بيتاً سياسياً، بمعنى ذلك المكان الذي يتعاطف مع هامشيتهم التاريخية، أكثر من حزب العمل. أما الثاني فيتعلق بالقاعدة الأشكنازية لليكود التي، مرة أخرى خلافاً لحزب العمل، لم تهرب بسبب “الجماهير الشرقية التي تدفقت للصناديق” مثلاً عندما ترأس عمير بيرتس الحزب.

وقد تكون الاجابة في مكان آخر. قد يكون الحزب، كما تقترح السوسيولوجية دانا كبلان، هو من يختار ناخبيه أكثر من قيام الناخبين باختيار الحزب. ففي حين تثبت الأحزاب التي تسمى يسارية، والتي ترى بأنها الأحزاب “الصحيحة” للشرقيين، مرة تلو الأخرى، عمق الفجوة بين لغتها التعددية وبين تصرفها الشوفيني، ينجح الليكود في تكريس سياسة نيوليبرالية غير اجتماعية ويدعو الشرقيين من الطبقة الوسطى والدنيا ليأخذوا دوراً في تفكيك التكافل الاجتماعي. ولكن هناك حد لهذا أيضاً تضعه، على سبيل المثال، الناشطات الميدانيات الشرقيات اللواتي يعملن من أجل متضرري الاسكان الجماهيري- ولم أسمع بأن أيا منهن تصوت لليكود.

ايريس حيفتس

تستخدم أنظمة التسويق المختلفة نوعين من الاعلانات: الاول يحاول أن يثير او يوقظ حاجة ويحلها (تعاني من وجع الرأس؟ الاسبرين سيساعدك) أما الثاني فهو اعلانات التصويرة (مثلاً شباب متجسمين وشابات بمايوهات سباحة يشربون كوكا كولا). قبل ثلاثين سنة، كانت الانتخابات في اسرائيل أشبه بالصنف الأول: هناك برنامج سياسي، على الأقل ظاهرياً، وهناك مشاكل يتم الحديث عن حلها. أما في الدورات الانتخابية الأخيرة فهناك بالأساس اعلانات نفسية ومحاولات لبيع قادة: عادةً ما يتم تسويق رجل اشكازي لديه ماضي عسكري ويحمل اسم طفولي غير مؤذي (مفضل بأن يبدأ بحرف الباء- بيبي، بوغي، بيني، بوجي). هكذا يجد نفسه مستهلك الأحزاب الإسرائيلي يقف أمام رف عليه عشرات الأصناف من مسحوق الغسيل، يحتار كل بضعة سنوات أي مسحوق يشتري- فالمسألة هذه المرة حاسمة حقاً وحتى وجودية. هل يختار ذلك الذي يظهر في اعلانه اولاد مبتسمون من كثرة السلام والأمن؟ أم ذك الذي “لا يعتذر عن البقع التي بقيت”؟ أم الجنرال الذي يقول “دعوني أقوم بالعمل الوسخ من أجلكم”؟.

تمر ساعات من الحيرة ليكتشف بأن كل مساحيق الغسيل هذه يسوقها نفس المستفيد الذي يحصل على أمواله. فمثلما يوجد هناك عربي بكوفية في نهاية كل أغنية، بنهاية كل معركة انتخابية او ملف تحقيق او أي شيء من هذا القبيل سيقومون بقصف غزة. هذا ما اخترته.

الشرقيون لا يختلفون عن هؤلاء الإسرائيليون الذين يذهبون للمشاركة في طقوس الانتخابات. ولكن خلافاً للأشكناز، فالشرقيون لا يملكون نفس القدرة للسيطرة على حياتهم. هم متعلمون بدرجة أقل، مدخولهم أقل ولديهم امكانية أقل لإرسال أولادهم للدراسة في الجامعة أو لشراء شقة في برلين. لهذا، فإن الشعور بأن لديك سيطرة على أمر ما هو مغري أكثر بنظر الشرقيين. وإذا لم تكن هناك امكانية لتحويل أموال من صندوق الاستكمال والورثة الى خارج البلاد، بالإمكان على الأقل ارسال عربي ما الى الجحيم. أفضل من لا شيء. ولكي لا تصل الأمور حد الانفجار او تستحوذ عليك الفظاعة التي ينطوي عليها ارسال اولادك إلى الجيش الذي يعودون منه حطاماً او مهيئين للعمل في الشرطة او كرجال أمن للجالية اليهودية في برلين، فمن المفضل أن تخرج غضبك على ما هو أقل خطورة. هكذا يحول الغضب على الاشكناز نحو الفلسطينيين لا سيما وأنه يجب الحفاظ على المجتمع اليهودي في إسرائيل في وضع بارانويدي دائماً، ولا بد من خلق حالة خطر تجعلهم يشاركون في طقوس الانتخابات وكأنهم يعيشون في مكان يؤثر فيه ذلك على مصيرهم.

الحديث عن نفس التأطير القديم والعنصري الذي يصور الشرقيين على أنهم عاطفيين، لا يفكرون حتى النهاية، لا يرون الصورة الكبيرة، لا يفهمون اللعبة السياسية، غير قادرين على الاختيار بشكل متعقل، يصوتون بشكل قبلي، تحركهم مشاعر القهر والرغبة بالانتقام من “مباي” وممن يكملون طريقه، ولا يعون بأنهم يستغفلونهم في الليكود.

الشرقيون كذلك يشاركون في هذا الاحتفال الديمقراطي المتخيل. والليكود يعرض عليهم صفقة مثالية: بإمكانكم أيضاً أن تكرهوا العرب وأيضاً أن تشعروا أن لديكم سيطرة على حياتكم وأيضاً أن تتعاطفوا مع شخص مثل بيبي، على اعتبار بأنه ضحية قادرة على التغلب على كل من يحاول القضاء عليها. بيبي هو عامة الشعب، بيبي هو شرقي، لأن الجميع يكرهه ويحاول القضاء عليه ولكنهم لا يوفقون لأنه يتغلب عليهم بمساعدة الشرقيين الذين يمتثلون من خلفه ضد العرب الذي يقصدون صناديق الاقتراع “في الباصات” او اليسار الذي يحاول أن يسحقه.

خلال أحداث وادي الصليب (الاحتجاجات التي قادها يهود شرقيون في نهاية سنوات الخمسين)، نادى الشرقيون بإسم ملك المغرب قائلين “اعدنا اليك” بعد أن فهموا بأنهم لم يصلوا الى بر أمان حقاً. ولأن ذلك لم ينجح فهم يختارون الحل القائم: أن يتوجوا ملكاً من هنا: هم من توج مناحيم بيجن رغماً عن أنف الأشكناز الذين أرادوا تبديل الشعب، وهم من يتوجون بيبي الآن. قد يكون نتنياهو ملك نفخ نفسه بنفسه ولكن لديه قصر، سيجار وشمبانيا ويعدون من أجله الموفليطا (نوع من الحلويات الشمال أفريقية التي يصنعها اليهود المغاربة في عيد الميمونه والذي يواظب نتنياهو على المشاركة في طقوسه كل عام).

اذا كنت أشعر بأنني متسخة وأنا أقف مقابل رف مساحيق الغسيل وعلي أن أختار أحدها، فمن المغري بالطبع بأن اختار ذلك الذي يظهر على غلافه رسماً لسندريلا. الانتخابات ونجاح الليكود مثلها مثل البث المعاد لبرنامج “سوبر ستار”. تشعرين بأنك سندريلا لليلة واحدة وتنسين بأنك تدعين زوجة الأب وأولادها ينكلون بك ويجعلونك تعملين من أجلهم.

الونا مريم ايلوز

الجمل التالية هي جمل نسمعها جميعاً دون توقف منذ 1977:

الشرقيون يصوتون لليكود

الغالبية من مصوتي الليكود هم شرقيون

لماذا يستمرون (أي الشرقيون) بالتصويت لمن يسحقهم؟

جمل أصبحت من المسلمات، حقيقة مطلقة يرددها كل صبي وكأنه عالم بالأمور في فترة الانتخابات، او في كل مرة يسمع أحدهم ادعاءات حول التمييز والقمع بحق الشرقيين. وكأن الحديث عن توراة منزلة او عن عطب بنيوي في عقل الشرقيين.

وها هي الانتخابات على الابواب وها نحن نسمع هذه الجمل كل صباح ومساء في وسائل الاعلام المختلفة والشبكات الاجتماعية. محللون سياسيون بوجوه جدية يسخرون في الاستوديوهات من شرقيو الليكود الذين انتخبوا قائمة اشكنازية بهذه الدرجة، وتفسيرات تاريخية-سوسيولوجية-نفسية كثيرة تقدم للانطباع السائد بأن غالبية الشرقيين يصوتون لليكود وبأن غالبية مصوتي الليكود هم من الشرقيين.

على العكس منهم، أنا ادعي بأن الحديث عن انطباعات لا تستند الى حقائق. وأكثر من ذلك فأنا أدعي بأن الحديث عن نفس التأطير القديم والعنصري الذي يصور الشرقيين على أنهم عاطفيين، لا يفكرون حتى النهاية، لا يرون الصورة الكبيرة، لا يفهمون اللعبة السياسية، غير قادرين على الاختيار بشكل متعقل، يصوتون بشكل قبلي (على أساس الدول العربية-العرب-حمائل-قبائل)، تحركهم مشاعر القهر والرغبة بالانتقام من “مباي” وممن يكملون طريقه، ولا يعون بأنهم يستغفلونهم في الليكود.

ونعم، على اساس هذه العنصرية القديمة والبنيوية، تتشكل مشاعر وهذه المشاعر تبث وتروج ك”حقيقة” من قبل الجميع، بما يشمل الصحافيين والمحللين السياسيين. المشكلة الوحيدة بأنه لا علاقة بين المشاعر والحقائق أحياناً، وهذه المشاعر بالتحديد هي أبعد ما تكون عن الحقيقة. تعالوا نفحص المعطيات*:

في انتخابات 2015 صوت 985،408 شخص لليكود، أي ما يعادل ال- 30 مقعد.

39% من بينهم، أي 384،309 شخص، شرقيون.

41% منهم، أي 404،017 شخص، هم أشكناز.

20% منهم، أي 197،082 شخص، آخرين (أثيوبيين، روس، عرب، دروز وغيرهم).

تكفي هذه المعطيات لنرى بأن الجمل المكررة التي ذكرتنا أعلاه بعيدة كل البعد عن الحقيقة. ولكن هذه ليست القصة كلها، فهناك معطيات أخرى مثيرة لا يذكرها أحد لسبب ما: من ضمن كافة مواطني إسرائيل، فقط 5،881،696 كانوا أصحاب حق اقتراع في 2015. أي أنه من بين حوالي 6 مليون من اصحاب حق الاقتراع، أقل من مليون بقليل- 985،408- صوتوا لأكبر حزب وهو الليكود.

يشكل الأشكناز حوالي 25% من السكان اليهود في دولة إسرائيل بينما يشكل الشرقيون حوالي 35% من السكان اليهود. وعليه، فقد صوت 1،470،424 اشكناز و 2،058،594 شرقيون من ضمن أصحاب حق الاقتراع لكافة الأحزاب. ورغم أنني حصلت على 3 وحدات بالرياضيات فقط فقد نجحت في اجراء هذه المعادلة الحسابية البسيطة والتوصل الى النتيجة التالية:

من بين أصحاب حق الاقتراع الشرقيون صوت 18.66% فقط لليكود.

من بين أصحاب حق الاقتراع الأشكناز صوت 27.47% لليكود.

هذه الحقائق لا تفند فقط الاسطورة التي يحاولون الصاقها بالشرقيين بل أنها تعتبر علامة مشجعة لمى سيأتي. بشكل عام، وخاصة في عصر الانترنت والأخبار الكاذبة، لا بد من التأكد من الحقائق وبناء المشاعر عليها وليس العكس.

على ضوء هذه المعطيات، السؤال الذي يجب أن يسأله الشرقيون عامةً والشرقيون الذين يصوتون لليكود بشكل خاص هو: لماذا يستمر الأشكناز بالتصويت لمن يسحق الشرقيين؟

 

*المعطيات من لجنة الانتخابات المركزية للكنيست ال-20، هنا:  http://votes20.gov.il

 

مقالات ذات صلة:

نحن “عامة الشعب”، يقول الراعي، شوشانا جباي. 

كيف جرى استيعاب اليهود الشرقيين في الخطاب الصهيو-إشكنازي: الجزء الأول، شوشانا جباي. 

كيف يخون اليسار الإسرائيلي وظيفته مرة تلو الأخرى، توم مهاجر.